الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فضيلة الخشوع .

قال الله تعالى : وأقم الصلاة لذكري وقال تعالى : ولا تكن من الغافلين وقال عز وجل : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون قيل : سكارى من كثرة الهم وقيل من حب الدنيا .

وقال وهب المراد به ظاهره ففيه تنبيه على سكر الدنيا ؛ إذ بين فيه العلة ، فقال : حتى تعلموا ما تقولون وكم من مصل لم يشرب خمرا وهو لا يعلم ما يقول في صلاته .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من صلى ركعتين لم يحدث نفسه فيهما بشيء من الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه وقال صلى الله عليه وسلم : إنما الصلاة تمسكن وتواضع وتضرع وتأوه وتنادم وتضع يديك فتقول : اللهم اللهم ، فمن لم يفعل فهي خداج .

التالي السابق


(فضيلة الخشوع) :

أي: في الصلاة والدعاء، وهو إقبال القلب على ذلك، مأخوذ من: خشعت الأرض إذا سكنت واطمأنت، وقد أورد المصنف في اشتراط الخشوع وحضور القلب في الصلاة آيات وأخبارا منها (قال الله تعالى: وأقم الصلاة لذكري ) ، وظاهر الأمر الوجوب، والغفلة تضاد الذكر، فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيما [ ص: 21 ] للصلاة لذكره (وقال تعالى: ولا تكن من الغافلين) نهي وظاهره التحريم، (وقال عز وجل: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) ، تعليل النهي للسكران مطرد في الغافل المستغرق بالهم والوساوس وأفكار الدنيا. هذه الآيات الثلاثة هكذا أوردها صاحب "القوت" في باب فضائل الصلاة وما تزكو به، ووصف صلاة الخاشعين من الموقنين، ورجل سكران وامرأة سكرى، والجمع سكارى بضم السين، وفتحها لغة، وقد سكر كعلم، وأسكره الشراب: أزال عقله، واختلف في معنى قوله تعالى: سكارى (قيل: سكارى من كثرة الهم) ، أي: الاهتمام بأمور الدنيا، (وقيل) سكارى (من حب الدنيا) ، والقولان ذكرهما صاحب "القوت" و"العوارف"، (وقال وهب) ابن منبه بن كامل اليماني الذماري أبو عبد الله الأنباري، تابعي ثقة عالم زاهد، وكان على قضاء صنعاء، مكث أربعين سنة لم يرقد على فراش، روى له البخاري حديثا واحدا، والباقون إلا ابن ماجه، مات سنة 116 (المراد به ظاهره) ، أي: على حقيقته. قال المصنف (ففيه) على هذا (تنبيه على سكر الدنيا؛ إذ بين فيه العلة، فقال: حتى تعلموا ما تقولون ) ، ولا يتم هذا إلا بخضوع الظاهر مع خشوع الباطن (وكم من مصل لم يشرب خمرا) ، ولا قارف مسكرا، (وهو لا يعلم ما يقول في صلاته) ؛لغفلته عن أدلة الخشوع في الصلاة .

(وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من صلى ركعتين لم يحدث نفسه فيهما بشيء من الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه) .

قال العراقي: أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف من حديث صلة بن أشيم مرسلا، وهو في الصحيحين من حديث عثمان بزيادة في أوله دون قوله "بشيء من الدنيا"، وزاد الطبراني في "الأوسط": إلا بخير اهـ .

قلت: قال تلميذه الحافظ: لفظ ابن أبي شيبة في المصنف: "لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه" اهـ .

وأخرج الطبراني في "الكبير" عن أبي الدرداء: "من صلى ركعتين يتم ركوعه وسجوده، لم يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه عاجلا أو آجلا". وأخرج أحمد وابن قانع، وأبو داود وعبد بن حميد والروياني والطبراني في "الكبير"، والحاكم والعقيلي في "الضعفاء"، عن زيد بن خالد الجهني: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

(و) من أدلة الخشوع في الصلاة، (قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الصلاة تمسكن) ، أي: خضوع وذل بين يدي الله تعالى، والميم زائدة، (وتواضع وتضرع وتأوه) ، أي: توجع، (وتنادم) تفاعل من الندم، وهو الحسرة، (وتضع يديك فتقول: اللهم اللهم،) مرتين (فمن لم يفعل) كذلك (فهي خداج) ، أي: ناقصة، ونص "القوت" بعد قوله وتضرع: وتباؤس وترفع يديك، والباقي سواء، والتباؤس: تفاعل من البؤس وهو الحزن، وذكر في "العوارف" تنادم بدل تباؤس، ولم يذكر: "وتأوه"، ففي الحديث حصر بالألف واللام، وكلمة إنما للتحقيق والتوكيد، وقد فهم الفقهاء من قوله عليه السلام: "إنما الشفعة فيما لا يقسم" الحصر بين الإثبات والنفي، وقال العراقي: أخرجه الترمذي والنسائي بنحوه من حديث الفضل بن عباس بإسناد مضطرب اهـ .




الخدمات العلمية