الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
والعمامة مستحبة في هذا اليوم .

وروى واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله وملائكته يصلون على أصحاب العمائم يوم الجمعة فإن أكربه الحر فلا بأس بنزعها قبل الصلاة ، وبعدها ولكن لا ينزع في وقت السعي من المنزل إلى الجمعة ، ولا في وقت الصلاة ، ولا عند صعود الإمام المنبر وفي خطبته .

التالي السابق


(والعمامة) بالكسر هو ما يتعمم به على الرأس من قطن، أو صوف، أو نحو ذلك، سميت بها لكونها تعم الرأس كلها، والجمع العمائم، ويقال فيها أيضا: العمة بالكسر (مستحبة في هذا اليوم) للخطيب، والمصلين. قال النووي: ويستحب للإمام أن يزيد في حسن الهيئة، ويتعمم، ويرتدي. اهـ .

وتحصل السنة بكورها على الرأس، أو على قلنسوة تحتها، والأفضل كبرها، وينبغي طولها وعرضها بما يليق بلابسها عادة في زمانه ومكانه، فإن زاد على ذلك كره، وقد وردت في فضل العمائم آثار منها ما أخرجه الديلمي في الفردوس من حديث ابن عباس: العمائم

[ ص: 254 ] تيجان العرب، فإذا وضعوا العمائم وضع الله عزهم، وفي رواية له: فإذا وضعت العرب عمائمها وضعت عزها. وفي طريقه عتاب بن حرب، قال الذهبي: قال الغلاس: ضعيف جدا. وأخرجه ابن السني أيضا، وفي سنده عبد الله بن حميد، وهو ضعيف أيضا .

وأخرج أبو نعيم من حديث علي: العمائم تيجان العرب، والاحتباء حيطانها، وجلوس المؤمن في المسجد رباطه، وفيه حنظلة. قال الذهبي: تركه القطان، وضعفه النسائي.

وأخرج البارودي من حديث ركانة بن عبد يزيد: العمامة على القلنسوة فصل ما بيننا وبين المشركين يعطى يوم القيامة بكل كورة يدورها على رأسه نورا. وركانة من مسلمة الفتح، وليس له إلا هذا الحديث، كما في التقريب .

وأخرج الطبراني في الكبير من حديث ابن عمر، والبيهقي من حديث عبادة: عليكم بالعمائم، فإنها سيما الملائكة، وأرخوا لها خلف ظهوركم .

وأخرج الطبراني في الكبير من طريق محمد بن صالح الوليد، عن بلال بن بشير، عن عمران بن تمام، عن أبي حمزة، عن ابن عباس رفعه: اعتموا تزدادوا حلما. وأخرجه الحاكم في اللباس من طريق عبيد الله بن أبي المليح، عن ابن عباس، وقال الحاكم: صحيح، ورده الذهبي، وقال: عبيد الله تركه أحمد وغيره، وأورده ابن الجوزي في الموضوع، وتعقبه الحافظ السيوطي في اللآلئ المصنوعة، وبالجملة، فالحديث ضعيف، وأما كونه موضوعا فممنوع .

وأخرج ابن عدي، والبيهقي، كلاهما من طريق إسماعيل بن عمر، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن أسامة بن عمير رفعه: اعتموا تزدادوا حلما، والعمائم تيجان العرب (وروي عن واثلة بن الأسقع) بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة الليثي الكناني كنيته أبو الأسقع، ويقال: أبو قرصافة، ويقال: أبو محمد، ويقال أبو الخطاب، ويقال: أبو شداد، وكان من أهل الصفة، أسلم قبل تبوك، ولما قبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى الشام، وكان يشهد المغازي بدمشق، وحمص، وسكن البلاد، ثم تحول إلى بيت المقدس ومات، وقيل: سكن بيت جبرين قرب بيت المقدس، وقال رحيم: مات بدمشق سنة ثلاث وثمانين، وقد جاوز المائة، وقيل: ابن ثمان وتسعين، وهو آخر الصحابة موتا بدمشق. روى له الجماعة (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إن الله) تعالى (وملائكته يصلون على أصحاب العمائم) ، أي: الذين يلبسون العمائم (يوم الجمعة) ، ويحضرون صلاتها. هكذا أورده صاحب القوت، ونصه: واستحب العمامة يوم الجمعة، وقد روينا فيها حديثا ساميا عن واثلة بن الأسقع، فساقه، وقال العراقي: رواه الطبراني، وابن عدي، وقال: منكر من حديث أبي الدرداء، ولم أره من حديث واثلة. اهـ .

قلت: أخرجه الطبراني من طريق محمد بن عبد الله الحضرمي، عن العلاء بن عمر، والحنفي، عن أيوب بن مدرك، عن مكحول، عن أبي الدرداء أيوب بن مدرك. قال ابن معين: كذاب، وقال النسائي: متروك له مناكير، ثم عد من مناكيره هذا الحديث، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وقال: لا أصل له، وتفرد به أيوب، قال الأزدي: هو من وضعه، كذبه يحيى، وتركه الدارقطني.

قلت: قد روى الطبراني في المعجم الكبير من طريق بشر بن عون عن بكار بن تميم، عن مكحول، عن واثلة رفعه: إن الله يبعث الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد ... فساقه، فيحتمل أن يكون هذا الحديث أيضا من طريقه، ثم قال المصنف تبعا لصاحب القوت في سياقه: (فإن أكربه الحر) ؛ أي: أوقعه في الكرب بأن غمه (فلا بأس أن ينزعها) أي: العمامة، عن الرأس (قبل الصلاة، وبعدها) أي: إن لم يخف ضررا من ذلك (ولكن لا ينزعها في وقت السعي من المنزل إلى الجمعة، ولا في وقت الصلاة، ولا عند صعود الإمام المنبر وفي خطبته) ، ولفظ القوت: ولكن يخرج من منزله إلى الجامع، وهو لابسها، ولا يصلي إلا وهو متعمم ليحصل له فضيلة العمامة، وليلبسها حين صعود الإمام المنبر، ويصلي وهي عليه، فإن شاء نزعها بعد ذلك .



إشارة

لطيب يوم الجمعة عبارة عن علم الأنفاس الرحمانية، وهو كل ما يرد من الحق مما تطيب به المعاملة بين الله وبين عبده في الحال، والقول، والفعل، وأما السواك، فهو كل شيء متطهر به لسان القلب من الذكر القرآني وكل ما يرضي الله، فإنه تنبعث ممن هذه أوصافه روائح طيبة إلهية يشمها أهل الروائح من المكاشفين. وفي

[ ص: 255 ] الخبر: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب، وإن السواك يرفع الحجب التي بين الرب وبين عبده فيشاهده، فإنه يتضمن صفتين عظيمتين: الطهور، ورضا الله، وقد أشار إلى هذا المعنى الخبر: صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك، وقد ورد أن لله سبعين حجابا، فناسب بين ما ذكرته لك وبين هذه الأخبار، تبصر عجائب، وأما اللباس الحسن، فهو التقوى ذلك خير لباس، ولا تقوى أقوى من الصلاة؛ فإن المصلي مناج مشاهد، فأحسن لباسه حينئذ التقوى مع المراقبة، وكمال العبودية، والله أعلم .




الخدمات العلمية