الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فإن قلت : فقد رجع الأمر كله إلى الإيمان ; لأن ترك الذنب لا يمكن إلا بالصبر عنه والصبر لا يمكن إلا بمعرفة الخوف ، والخوف لا يكون إلا بالعلم ، والعلم لا يحصل إلا بالتصديق بعظم بعزم ضرر الذنوب ، والتصديق بعظم ضرر الذنوب هو تصديق الله ورسوله ، وهو الإيمان فكأن ، من أصر على الذنب لم يصر عليه إلا لأنه غير مؤمن ، فاعلم أن هذا لا يكون لفقد الإيمان بل يكون لضعف الإيمان ; إذ كل مؤمن مصدق بأن المعصية سبب البعد من الله تعالى ، وسبب العقاب في الآخرة .

ولكن سبب وقوعه في الذنب أمور :

أحدها أن العقاب الموعود غيب ، ليس بحاضر والنفس جبلت متأثرة بالحاضر فتأثرها بالموعود ضعيف بالإضافة إلى تأثرها بالحاضر .

الثاني : أن الشهوات الباعثة على الذنوب لذاتها ناجزة وهي في الحال آخذة بالمخنق وقد قوي ذلك واستولى عليها بسبب الاعتياد والإلف والعادة ، طبيعة خامسة والنزوع عن العاجل لخوف الآجل شديد على النفس ولذلك قال تعالى كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة وقال عز وجل : بل تؤثرون الحياة الدنيا وقد عبر عن شدة الأمر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حفت الجنة بالمكاره » « وحفت النار بالشهوات » وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى خلق النار فقال لجبريل عليه السلام : اذهب فانظر إليها فنظر فقال : وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها ، فحفها بالشهوات ثم قال اذهب فانظر إليها فنظر فقال وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها وخلق الجنة فقال لجبريل عليه السلام ، اذهب فانظر إليها فنظر فقال : وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ، فحفها بالمكاره ثم قال : اذهب فانظر إليها فنظر إليها فقال : وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد فإذا كون الشهوة مرهقة في الحال ، وكون العقاب متأخرا إلى المآل سببان ظاهران في الاسترسال مع حصول أصل الإيمان فليس كل من يشرب في مرضه ماء الثلج لشدة عطشه مكذبا بأصل الطب ، ولا مكذبا بأن ذلك مضر في حقه ، ولكن الشهوة تغلبه ، وألم الصبر عنه ناجز فيهون عليه الألم المنتظر .

الثالث أنه ما من مذنب مؤمن إلا وهو في الغالب عازم على التوبة ، وتكفير السيئات بالحسنات ، وقد وعد بأن ذلك يخبره ، إلا أن طول الأمل غالب على الطباع فلا يزال يسوف التوبة والتكفير فمن حيث رجاؤه التوفيق للتوبة ربما يقدم عليه مع الإيمان .

الرابع : أنه ما من مؤمن موقن إلا وهو معتقد أن الذنوب لا توجب العقوبة إيجابا لا يمكن العفو عنها .

فهو يذنب ، وينتظر العفو عنها اتكالا على فضل الله تعالى ، فهذه أسباب أربعة موجبة للإصرار على الذنب مع بقاء أصل الإيمان .

نعم قد يقدم المذنب بسبب خامس يقدح في أصل إيمانه وهو كونه شاكا في صدق الرسل وهذا هو الكفر كالذي يحذره الطبيب عن تناول ما يضره في المرض فإن كان المحذر ممن لا يعتقد فيه أنه عالم بالطب ، فيكذبه أو يشك فيه فلا يبالي به فهذا ، هو الكفر .

التالي السابق


(فإن قلت: فقد رجع الأمر كله إلى الإيمان; لأن ترك الذنب لا يمكن إلا بالصبر عنه) على مرارته، (والصبر لا يمكن إلا بمعرفة الخوف، والخوف لا يحصل إلا بالعلم، والعلم لا يحصل إلا بالتصديق بعظم ضرر الذنوب، والتصديق بعظم ضرر الذنوب هو تصديق الله ورسوله، وهو الإيمان، فكان من أصر على الذنب لم يصر عليه إلا لأنه غير مؤمن، فاعلم أن هذا لا يكون لفقد الإيمان) من أصله، (بل يكون لضعف الإيمان; إذ كل مؤمن مصدق بأن المعصية سبب البعد من الله تعالى، وسبب العقاب في الآخرة، ولكن سبب وقوعه في الذنب أمور: أحدها أن العقاب الموعود) على الذنب (غيب، ليس بحاضر) في الحال، (والنفس جبلت متأثرة بالحاضر) في الحال، وفي نسخة بحب الحاضر، (فتأثرها بالموعود) الغائب (ضعيف بالإضافة إلى تأثرها بالحاضر) ، وهذا ظاهر .

(الثاني: أن الشهوات الباعثة على الذنوب لذاتها ناجزة) أي: مقتضية (وهي في الحال) أي: الحاضر، (آخذة بالمخنق) [ ص: 626 ] كمقعد العنق لأنه موضع الخنق، (وقد قوي ذلك واستولى) أي: غلب (عليها بسبب الاعتياد والإلف، و) قد قالوا (العادة طبيعة خامسة) زيادة على الطبائع الأربع، (والنزوع عن العاجل) في الحال (لخوف الآجل) في المآل (شديد على النفس) ثقيل عليها، (ولذلك قال) الله تعالى: ( كلا بل تحبون العاجلة ) أي: الدنيا الحاضرة، ( وتذرون الآخرة ) وهي الآجلة أي: يتركونها بمقتضى الفهم للعاجلة، (وقال عز من قائل: تؤثرون الحياة الدنيا ) والآخرة خير وأبقى ، (وقد عبر عن شدة الأمر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حفت الجنة بالمكاره") جمع مكرهة، وهي ما يكرهه الإنسان، ويشق عليه من القيام بحقوق العباد على وجهها، وأصل الحف الدائر بالشيء المحيط، والمعنى أحاطت المكاره بنواحي الجنة فهي لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره والصبر عليها، ("وحفت النار بالشهوات") أي: أحاطت، والشهوات كل ما يلائم النفس وتدعو إليه، وهو تمثيل حسن معناه يوصل إلى الجنة بارتكاب المكاره من الجهد في الطاعة والصبر على الشهوة، كما يوصل المحجوب من الشيء إليه بهتك حجابه، ويوصل إلى النار بارتكاب الشهوات، ومن المكاره الصبر على المصائب بأنواعها فكلما صبر على واحدة قطع حجابا من حجب الجنة، ولا يزال يقطع حجبها حتى لا يبقى بينه وبينها إلا مفارقة روحه بدنه، وهذا من جوامع الكلم في ذم الشهوات. أخرجه أحمد، ومسلم، وعبد بن حميد، والدارمي، والترمذي، وأبو يعلى، وابن حبان، من طريق ورقاء، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعا .

ورواه القضاعي من طريق إسحاق بن محمد الفروي، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة كذلك .

ورواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، لكن بلفظ: "حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره"، ورواه أحمد في الزهد عن ابن مسعود موقوفا .

(وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله) عز وجل (خلق النار فقال لجبريل عليه السلام: اذهب فانظر إليها) فذهب (فنظر إليها فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات) أي: جعلها كالسور المحيط بها، (ثم قال) له (اذهب فانظر إليها) فذهب فنظر إليها، (فقال: لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها، وخلق الجنة فقال لجبريل) عليه السلام: (اذهب فانظر إليها) فذهب (فنظر إليها فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فحفها بالمكاره) أي: بالشدائد والمكروهات (ثم قال: اذهب فانظر إليها) فذهب (فنظر) إليها (فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد) .

قال العراقي: رواه أبو داود، والترمذي، والحاكم، وصححاه من حديث أبي هريرة، وقدم فيه ذكر الجنة اهـ .

(فإذن كون الشهوة مرهقة في الحال، وكون العقاب متأخرا إلى المآل سببان ظاهران في الاسترسال) في المعاصي (مع حصول أصل الإيمان) وبقائه، (فليس كل من يشرب في مرضه ماء الثلج) أي: المبرد به (لشدة عطشه) وكثرة لهبه (مكذبا بأصل الطب، ولا مكذبا بأن ذلك مضر في حقه، ولكن الشهوة تغلبه، وألم الصبر عنه ناجز) في الحال (فيهون عليه الألم المنتظر) في الحال .

(الثالث أنه ما من) عبد (مذنب مؤمن إلا وهو في الغالب عازم على التوبة، وتكفير السيئات بالحسنات، وقد وعد بأن ذلك يجبره، إلا أن طول الأمل غالب على الطباع) مستول عليه، (فلا يزال يسوف بالتوبة والتكفير) مرة بعد أخرى، (فمن حيث رجاؤه توفيقه للتوبة) ، وفي نسخة: التوفيق للتوبة (ربما يقدم عليه مع) بقاء أصل (الإيمان .

الرابع: أنه ما من مؤمن موقن إلا وهو معتقد أن الذنوب لا توجب العقوبة إيجابا لا يمكن العفو عنها فهو يذنب، وينتظر العفو عنها اتكالا على فضل الله [ ص: 627 ] تعالى، فهذه أسباب أربعة موجبة للإصرار على الذنب مع بقاء أصل الإيمان) في كل منها (نعم قد يقدم المذنب بسبب خامس يقدح في أصل الإيمان) ، ويخالفه، (وهو كونه شاكا في صدق الرسل وهذا هو الكفر) ، وهو (كالذي يحذره الطبيب عن تناول ما يضره في المرض فإن كان من المحذر ممن لا يعتقد فيه أنه عالم بالطب، أو حاذق فيه فيكذبه أو يشك فيه فلا يبالي به، وهذا هو الكفر) .




الخدمات العلمية