الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
القسم الثاني : ما ليس ضروريا لأحد من الخلق كالجاه ، والمال الكثير ، والغلمان ، والدواب فإن هذه الأمور صارت محبوبة بالعادة والجهل بمقاصد الأمور حتى صار الذهب والفضة محبوبين في أنفسهما فيكنزان ، ويغضب على من يسرقهما ، وإن كان مستغنيا عنهما في القوت فهذا الجنس مما يتصور أن ينفك الإنسان عن أصل الغيظ عليه فإذا كانت له دار زائدة على مسكنه فهدمه ظالم فيجوز أن لا يغضب إذ يجوز أن يكون بصيرا بأمر الدنيا ، فيزهد في الزيادة على الحاجة ، فلا يغضب بأخذها فإنه لا يحب وجودها ، ولو أحب وجودها لغضب على الضرورة بأخذها ، وأكثر غضب الناس على ما هو غير ضروري ; كالجاه ، والصيت والتصدر في المجالس والمباهاة في العلم ، فمن غلب هذا الحب عليه ، فلا محالة يغضب إذا زاحمه مزاحم على التصدر في المحافل ومن لا يحب ذلك فلا ، يبالي ولو جلس في صف النعال فلا يغضب إذا جلس غيره فوقه ، وهذه العادات الرديئة هي التي أكثرت محاب الإنسان ، ومكارهه ، فأكثرت غضبه ، وكلما كانت الإرادات والشهوات أكثر ، كان صاحبها أحط رتبة ، وأنقص لأن الحاجة صفة نقص فمهما كثرت كثر النقص والجاهل أبدا جهده في أن يزيد في حاجاته ، وفي شهواته ، وهو لا يدري أنه مستكثر من أسباب الغم والحزن حتى ينتهي بعض الجهال بالعادات الرديئة ، ومخالطة قرناء السوء إلى أن يغضب لو قيل له : إنك لا تحسن اللعب بالطيور واللعب بالشطرنج ولا تقدر على شرب الخمر الكثير ، وتناول الطعام الكثير ، وما يجري مجراه من الرذائل فالغضب على هذا الجنس ليس بضروري ; لأن حبه ليس بضروري .

التالي السابق


(القسم الثاني: ما ليس ضروريا لأحد من الخلق كالجاه، والمال الكثير، والغلمان، والدواب) بأنواعها، والحرث، والعقارات، (فإن هذه الأمور صارت محبوبة بالعادة) المستمرة، (والجهل بمقاصد الأمور حتى صار الذهب والفضة محبوبين في أنفسهما فيكنزان، ويغضب على من يسرقهما، وإن كان مستغنيا عنهما في القوت) الذي يسد به كلب الجوع، (فهذا الجنس مما يتصور أن ينفك الإنسان من أصل الغيظ) المستكن في القلب، (فإذا كانت له دار زائدة على مسكنه) الذي يأوي إليه (فهدمها ظالم) لسبب من الأسباب (فيجوز أن لا يغضب) على فعله هذا؛ (إذ يجوز أن يكون بصيرا بأمر الدنيا، فيزهد في الزيادة على الحاجة، فلا يغضب بأخذها) أو هدمها، (فإنه لا يحب وجودها، ولو أحب وجودها لغضب على الضرورة بأخذها، وأكثر غضب الناس على ما هو غير ضروري; كالجاه، والصيت) ، والشهرة (والتصدر [ ص: 15 ] في المجالس) ، أي: التقدم، والارتفاع (والمباهاة بالعلم، فمن غلب هذا الحب عليه، فلا محالة يغضب إذا زاحمه مزاحم في التصدر في المحافل) ، أي: مجامع الناس، (ومن لا يحب ذلك، ولا يبالي لو جلس في صف النعال) ، أي: الصف المؤخر الذي هو موضع النعال، (فلا يغضب إذا جلس غيره فوقه، وهذه العادات الرديئة التي أكثرت محاب الإنسان، ومكارهه، فأكثرت غضبه، وكلما كانت الإرادات والشهوات أكثر، كان صاحبها أحط رتبة، وأنقص) مقاما؛ (لأن الحاجة) التي هي اسم من الاحتياج (صفة نقص) في الإنسان (فمهما كثرت) هذه الصفة (كثر النقص) ; لأن النقص من لوازم الحاجة، فإذا كثر الملزوم تبعه اللازم لا محالة في الوصف، (والجاهل أبدا جهده في حاجاته، وفي شهواته، وهو لا يدري أنه مستكثر) بذلك، (حتى ينتهي بعض الجهال بالعادات الرديئة، ومخالطة قرناء السوء إلى أن يغضب لو قيل له: إنك لا تحسن اللعب بالطيور) ، والحمام، وغيره، (واللعب بالشطرنج) ، والنرد، وما في معناهما، (ولا تقدر على شرب الخمر الكثير، وتناول الطعام الكثير، وما يجري مجراه في الرذائل) والمستقبحات، (فالغضب على هذا الجنس ليس بضروري; لأن حبه ليس بضروري) ، بل مستغنى عنه .




الخدمات العلمية