الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأقل شروط السماع : أن يجري الجميع على السمع مع نوع من الحفظ يشعر معه بالتغيير ولو جاز أن يكتب سماع الصبي والغافل والنائم والذي ينسخ لجاز أن يكتب سماع المجنون والصبي في المهد ، ثم إذا بلغ الصبي وأفاق المجنون يسمع عليه ، ولا خلاف في عدم جوازه ولو جاز ذلك لجاز أن يكتب سماع الجنين في البطن فإن كان ، لا يكتب سماع الصبي في المهد ; لأنه لا يفهم ولا يحفظ ، فالصبي الذي لا يلعب والغافل والمشغول بالنسخ عن السماع ليس بينهم ولا يحفظ وإن استجرأ جاهل فقال : يكتب سماع الصبي في المهد فليكتب سماع الجنين في البطن ، فإن فرق بينهما بأن الجنين لا يسمع الصوت ، وهذا يسمع الصوت فما ينفع هذا ? وهو إنما ينقل الحديث دون الصوت ? فليقتصر إذا صار شيخا على أن يقول : سمعت بعد بلوغي أني في صباي حضرت مجلسا يروى فيه حديث كان يقرع سمعي صوته ، ولا أدري ما هو فلا ، خلاف في أن الرواية كذلك لا تصح ، وما زاد عليه فهو كذب صريح ، ولو جاز إثبات سماع التركي الذي لا يفهم العربية ; لأنه سمع صوتا غفلا لجاز إثبات سماع صبي في المهد ، وذلك غاية الجهل .

ومن أين يؤخذ هذا ؟! وهل للسماع مستند إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها .

التالي السابق


(وأقل شروط السماع: أن يجري الجميع على السمع مع نوع من الحفظ يشعر معه بالتغيير) إلا أن المتأخرين صرحوا باغتفار الكلمة والكلمتين، سواء خلتا أو إحداهما بفهم الباقي أم لا; لأن فهم المعنى لا يشترط، وسواء كان يعرفها أم لا، وظاهر هذا أنه بالنسبة إلى الأزمان المتأخرة، وإلا ففي غير موضع من كتاب النسائي يقول: وذكر كلمة [ ص: 463 ] معناها كذا وكذا لكونه فيما يظهر لم يسمعها جيدا وعلمها، وسأل صالح بن أحمد بن حنبل أباه فقال له: إن أدمج الشيخ أو القارئ لفظا يسيرا، فلم يسمعه السامع مع معرفته أنه كذا وكذا، ترى له أن يرويه عنه؟

فأجاب: أرجو أنه يعفى عنه ذلك، ولا يضيق الحال عنه، قال صالح: فقلت له: الكتاب قد طال عهده عن الإنسان لا يعرف بعض حروفه فيخبره بعض أصحابه، قال: إن كان يعلم أنه كما في الكتاب فلا بأس به هكذا، رواه البيهقي في مناقب أحمد.

(ولو جاز أن يكتب سماع الصبي والغافل والنائم والذي ينسخ لجاز أن يكتب سماع المجنون والصبي في المهد، ثم إذا بلغ الصبي وأفاق المجنون يسمع عليه، ولا خلاف في عدم جوازه) ، وسيأتي الكلام عليه بعد ذلك .

(ولو جاز ذلك لجاز أن يكتب سماع الجنين في البطن، فإن كان لا يكتب سماع الصبي في المهد; لأنه لا يفهم) اللفظ والمعنى معا (ولا يحفظ، فالصبي الذي يلعب والغافل المشغول بالنسخ عن السماع ليس يفهم) لأن الفهم تابع لسماع اللفظ، (فإن استجرأ جاهل فقال: يكتب سماع الصبي في المهد فليكتب سماع الجنين في البطن، فإن فرق بينهما بأن الجنين لا يسمع الصوت، وهذا يسمع الصوت فماذا ينفع هذا؟ وهو إنما ينقل الحديث دون الصوت؟ فليقتصر إذا صار شيخا أن يقول: سمعت بعد بلوغي أني في صباي حضرت مجلسا يروى فيه حديث كان يقرع سمعي صوته، ولا أدرى ما هو، ولا خلاف في أن الرواية كذلك لا تصح، وما زاد عليه فهو كذب صريح، ولو جاز إثبات سماع التركي) ومن في معناه (الذي لا يفهم العربية; لأنه سمع صوتا غفلا) لا يهتدي لمعناه، (لجاز إثبات سماع صبي في المهد، وذلك غاية الجهل، ومن أين يؤخذ هذا؟! وهل للسماع مستند إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: نضر الله) بضاد معجمة مشددة، وتخفف، قال في البحر: وهو أفصح، وقال الصدر المناوي: أكثر الشيوخ يشددون، وأكثر أهل الأدب يخففون، وهو من النضارة: الحسن والرونق (امرأ) أي: رجلا، والمعنى خصه الله بالبهجة والسرور أو حسن وجهه عند الناس وحاله بينهم وأوصله نضرة النعيم فهو يحتمل الخبر والدعاء، وعلى كل فيحتمل كونه في الدنيا، وكونه في الآخرة، وكونه فيهما (سمع مقالتي فوعاها) أي: حفظها، وداوم على حفظها، ولم ينسها (فأداها) إلى غيره، (كما سمعها) أي: من غير زيادة ولا نقص، فمن زاد أو نقص فهو مغير لا مبلغ، فيكون الدعاء مصروفا عنه، وقوله: "كما سمعها" إما حال من فاعل أداها أو مفعول مطلق، وما موصولة أو مصدرية، قال العراقي: رواه أصحاب السنن، وابن حبان من حديث زيد بن ثابت. والترمذي وابن ماجه من حديث ابن مسعود، قال الترمذي: حديث صحيح. وابن ماجه فقط من حديث جبير بن مطعم وأنس اهـ .

قلت: هذا الحديث روي عن عدة من الصحابة من طرق كثيرة، وفي ألفاظ بعضها مغايرة وزيادة ونقص، وقد ذكر أبو القاسم بن منده في تذكرته فيما نقله الحفاظ في تخريج أحاديث المختصر أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرون صحابيا، ثم سرد أسماءهم اهـ .

والذي عرفت منهم الأربعة المذكورون في سياق العراقي، وأبو سعيد الخدري، وعائشة، وأبو هريرة، وعمير بن قتادة الليثي، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، وربيعة بن عثمان التيمي، وأبو الدرداء، وأبو قرصافة، وجابر، وشيبة بن عثمان، ومعاذ بن جبل، والنعمان بن بشير، وبشير بن سعد الأنصاري والد النعمان.

أما حديث زيد بن ثابت فلفظه: "نضر الله أمرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه وليس بفقيه". قال الحافظ في تخريج المختصر هو صحيح أخرجه أحمد، والطيالسي، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، وابن أبي حاتم، والخطيب، وأبو نعيم، ويروى بلفظ: "نضر الله عبدا سمع مقالتي، فحملها إلى غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" الحديث. هكذا رواه أحمد، والطبراني، والبيهقي، والضياء من حديث زيد بن ثابت. ورواه ابن النجار بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة.

وأما حديث ابن مسعود فلفظه: "نضر الله أمرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع" رواه أحمد، والترمذي، وحسنه، وابن حبان، والبيهقي. قال عبد الغني في الأدب: تذاكرت أنا والدارقطني طرق هذا الحديث، فقال: هذا أصح شيء روي فيه، وقال ابن القطان فيه سماك بن حرب يقبل التلقين، ورواه ابن النجار بلفظ: "نضر الله امرأ سمع [ ص: 464 ] مقالتي فوعاها، وحفظها، وعقلها، فرب حامل فقه ليس بفقيه".

ورواه الشيرازي في الألقاب من حديث أبي هريرة.

وأما حديث عائشة فلفظه: "نضر الله عبدا سمع مقالتي هذه فحفظها، ثم وعادها فبلغها" رواه الخطيب في المتفق والمفترق .

وأما حديث جبير بن مطعم فلفظه: "نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وحفظها، ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" الحديث. ورواه أحمد، وابن ماجه، والدارمي، وأبو يعلى، والطبراني، والحاكم، وابن جرير، والضياء، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه رفعه. وفي رواية للطبراني "ثم وعاها، ثم حفظها، فرب حامل فقه غير فقيه"، والباقي سواء .

ورواه الطيالسي، وأبو داود، وابن ماجه، وابن جرير، والطبراني من حديث زيد بن ثابت. ورواه البزار، والدارقطني من حديث أبي سعيد، ورواه الترمذي، وابن ماجه، والبيهقي في المعرفة من حديث ابن مسعود. ورواه ابن منده من حديث الطبراني، والضياء من حديث أبي قرصافة، ورواه الطبراني في الأوسط، وابن جرير، والضياء من حديث جابر.

ورواه ابن قانع، والطبراني، من حديث شيبة بن عثمان.

وأما حديث أنس فلفظه: "نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، ثم بلغها عني، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" رواه أحمد، وابن ماجه، والضياء، ورواه الخطيب من حديث أبي هريرة، وهو عند ابن عساكر من حديث أنس "نضر الله من سمع قولي، ثم لم يزد فيه " الحديث، ورواه الطبراني من حديث عمير بن قتادة الليثي، ورواه في الأوسط من حديث سعد، ورواه الرافعي في التاريخ من حديث ابن عمر، وعند الدارقطني في الأفراد، وابن جرير، وابن عساكر من حديث أنس: "نضر الله عبدا سمع مقالتي ثم وعاها، ثم حفظها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" الحديث .

وعند الخطيب من حديث ابن عمر: "نضر الله من سمع مقالتي فلم يزد فيها، ورب حامل علم إلى من هو أوعى منه". وعند الطبراني وأبي نعيم في الحلية من حديث معاذ بن جبل: "نضر الله عبدا سمع كلامي فلم يزد فيه، فرب حامل كلمة إلى من هو أوعى لها منه" الحديث .

وأما حديث النعمان بن بشير فلفظه: "نضر الله وجه عبد سمع مقالتي فحملها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" الحديث. رواه الطبراني، والحاكم.

وأما حديث والده بشير بن سعد فلفظه: "رحم الله عبدا سمع مقالتي فحفظها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" الحديث هكذا رواه الطبراني، وابن قانع، وأبو نعيم، وابن عساكر من رواية النعمان بن بشير، عن أبيه .



(فصل)

وإنما خص مبلغ سننه بالدعاء لكونه سعى في نضارة العلم، وتجديد السنة فجوزي بما يليق بحاله، وقد رأى بعض العلماء النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له: أنت قلت: نضر الله امرأ.. إلخ قال: نعم -ووجهه يتهلل - أنا قلته، وكرره ثلاثا. قالوا: ولذلك لا يزال في وجوه المحدثين نضارة ببركة دعائه .

وفيه وجوب تبليغ العلم، وهو الميثاق المأخوذ على العلماء، وأنه يكون في آخر الزمان من له من الفهم والعلم ما ليس لمن تقدمه، لكنه قليل بدلالة رب، ذكره بعضهم. ومنعه ابن جماعة بمنع دلالته على المدعى، وإن حامل السنة يجوز أن يؤخذ عنه، وإن كان جاهلا بمعناها فهو مأجور على نقلها وإن لم يفهمها .




الخدمات العلمية