الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقال صلى الله عليه وسلم : إن الله جواد يحب الجود ، ويحب مكارم الأخلاق ، ويكره سفسافها .

وقال أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل على الإسلام شيئا إلا أعطاه وأتاه ، رجل ، فسأله ، فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة ، فرجع إلى قومه ، فقال : يا قوم ، أسلموا ; فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة .

وقال ابن عمر قال صلى الله عليه وسلم : إن لله عبادا يخصهم بالنعم لمنافع العباد فمن بخل بتلك المنافع على العباد نقلها الله تعالى عنه ، وحولها إلى غيره .

وعن الهلالي قال أتي : رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسرى من بني العنبر فأمر بقتلهم ، وأفرد منهم رجلا فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : يا رسول الله ، الرب واحد ، والدين واحد ، والذنب واحد ، فما بال هذا من بينهم ? فقال صلى الله عليه وسلم : نزل علي جبريل ، فقال : اقتل هؤلاء واترك هذا ، فإن الله تعالى شكر له سخاء فيه .

وقال صلى الله عليه وسلم : إن لكل شيء ثمرة ، وثمرة المعروف تعجيل السراح .

وعن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : طعام الجواد دواء وطعام البخيل داء .

وقال صلى الله عليه وسلم : من عظمت نعمة الله عنده عظمت مؤنة الناس عليه .

فمن لم يحتمل تلك المؤنة عرض تلك النعمة للزوال .

التالي السابق


(وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله جواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها) .

قال العراقي: رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز، وهذا مرسل، وللطبراني في الكبير والأوسط، والحاكم، والبيهقي من حديث سهل بن سعد: إن الله كريم يحب الكرم، ويحب معالي الأمور، وفي الكبير، والبيهقي: معالي الأخلاق... الحديث، وإسناده صحيح، وتقدم آخر الحديث في أخلاق النبوة. ا ه .

قلت: لفظ الخرائطي هو سياق المصنف، لكنه زاد: وإن من إكرام الله إكرام ذي الشيبة في الإسلام، والحامل للقرآن غير الجافي، ولا الغالي، والإمام المقسط.

وقد رواه هناد بن السري في الزهد أيضا هكذا، وقد روى الخرائطي هذا المرسل أيضا بلفظ آخر، قال: إن الله كريم يحب الكرم، ويحب معالي الأخلاق .

وفي لفظ: الأمور، ويكره سفسافها ،
وقد رواه كذلك عبد الرزاق في المصنف، والبخاري في التاريخ، والحاكم، والبيهقي، كلهم عن طلحة بن عبيد الله بن كرز الخزاعي، وقد روي بهذا اللفظ من حديث سهل بن سعد، وكذلك رواه الطبراني في الكبير، وابن قانع، والحاكم، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي، وقد روي أيضا من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ: إن الله كريم يحب الكرماء، وجواد يحب الجود، يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها.

رواه ابن عساكر، وابن النجار، والضياء، وروى الطبراني في الكبير، وابن عدي ، والباوردي من حديث فاطمة بنت الحسين، عن أبيها رفعه: وإن [ ص: 175 ] الله يحب معالي الأمور، وأشرافها، ويكره سفسافها.

ويروى من حديث ابن سعد: إن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها.

رواه ابن حبان في روضة العقلاء، والخرائطي في مكارم الأخلاق .

(وقال أنس) - رضي الله عنه -: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل على الإسلام شيئا إلا أعطاه، فأتاه رجل، فسأله، فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا; فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة) .

رواه مسلم، وقد تقدم في كتاب أخلاق النبوة .

(وقال ابن عمر) - رضي الله عنه -: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله عبادا يخصهم بالنعم لمنافع العباد) ، أي: لأجل منافعهم (فمن بخل بتلك المنافع عن العباد) بأن لم يعطوا منها لمن يستحق (نقلها الله تعالى عنه، وحولها إلى غيره) ; لأن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فالعاقل الحازم من يستديم النعمة عليه بدوام الشكر، والإفضال منها لعباده .

قال العراقي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأبو نعيم، وفيه محمد بن حسان السمتي، فيه لين، ووثقه ابن معين، يرويه عن أبي عثمان عبد الله بن زيد الحمصي، ضعفه الأزدي. انتهى .

قلت: سياق المصنف لتمام في فوائده، إلا أنه قال: اختصهم بدل: يخصهم، وفيه: نقل الله تلك النعم عنهم، وحولها إلى غيرهم.

ولفظ الطبراني في الكبير، وكذا لفظ أبي نعيم: إن لله - عز وجل - أقواما يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم.

وهكذا رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، وأحمد، والحاكم، والبيهقي في الشعب، والخطيب، وابن النجار، فالطبراني، والبيهقي روياه من طريق الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن ابن عمر، وقيل بإدخال نافع بين عبدة وابن عمر، (وعن الهلالي) منسوب إلى بني هلال .

قال ابن حبيب: في هوازن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، نسب إليه خلق (قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى من بني العنبر) ، وهم قبيلة من بني تميم، وهم بنو العنبر بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، ومنهم كانت سجاح ابنة أوس بن جوبر بن أسامة بن العنبري التي تنبأت، وهي مشهورة (فأمر بقتلهم، وأفرد منهم رجلا) ، أي: فلم يقتله (فقال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: يا رسول الله، الرب واحد، والدين واحد، والذنب واحد، فما بال هذا من بينهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نزل علي جبريل، فقال: اقتل هؤلاء واترك هذا، فإن الله تعالى شكر له سخاء فيه) .

قال العراقي: لم أجد له أصلا، والهلالي لا يعرف اسمه، فإن كان هو عبد الحميد بن الحسن الهلالي، فإنه يروي عن ابن المنكدر، فانظره .

(وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لكل شيء ثمرة، وثمرة المعروف تعجيل السراح) .

قال العراقي: لم أقف له على أصل .

قلت: ولكن المعنى صحيح، ومنه قولهم: إما نعم صريحة، وإلا مريحة .

(وعن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) - رضي الله عنه -، (قال: قال رسول الله - صلى عليه وسلم -: طعام الجواد دواء) لكونه يطعم الضيف مع سماحة نفس، وطيب خاطر، وانشراح صدر (وطعام البخيل داء) ; لأنه يطعم مع تفجع، وضيق نفس .

قال العراقي: رواه ابن عدي ، والدارقطني في غرائب مالك، وأبو علي الصوفي في عواليه، وقال: رجاله ثقات أئمة .

قال ابن القطان: وإنهم لمشاهير ثقات، إلا مقدام بن داود; فإن أهل مصر تكلموا فيه. انتهى .

قلت: هو في الكامل لابن عدي من طريق أحمد بن محمد بن شبيب السجزي، عن محمد بن معمر البحراني، عن روح بن عبادة، عن الثوري، عن مالك عن نافع، عن ابن عمر به مرفوعا .

رواه الخطيب في المؤتلف والمختلف، وفي ذم البخلاء، وأبو القاسم الخرقي في فوائده بلفظ: طعام السخي دواء، أو قال: شفاء، وطعام الشحيح داء .

ولفظ بعضهم: طعام الكريم.

كذلك رواه الحاكم في التاريخ، ومن طريقه الديلمي في مسنده بلفظ: طعام السخي دواء، وطعام الشحيح داء.

قال السخاوي: قال شيخنا: هو حديث منكر، وقال الذهبي: كذب، وقال ابن عدي: إنه باطل عن مالك، فيه مجاهيل، وضعفاء، ولا يثبت. انتهى .

ورواه ابن لال في مكارم الأخلاق، والديلمي من حديث عائشة بمثل لفظ الحاكم.

(وقال صلى الله عليه وسلم: من عظمت نعمة الله عنده عظمت مؤنة الناس عليه) ، أي: ثقلهم، فمن أنعم الله عليه بنعمة تهافتت عليه عوام الخلق (فمن لم يحتمل تلك المؤنة) ، فقد (عرض تلك النعمة للزوال) ; لأن النعمة إذا لم تشكر زالت; ولذا قال حكيم: النعم وحشية قيدوها بالشكر، ومن ثم قال الفضيل بن عياض: أما [ ص: 176 ] علمتم أن حاجة الناس إليكم نعمة من الله عليكم؟ فاحذروا أن تملوا، وتضجروا من حوائج الناس، فتصير النعم نقما .

أخرجه أبو نعيم في الحلية، وقال محمد بن الحنفية: أيها الناس، اعلموا أن حوائج الناس إليكم نعم الله عليكم، فلا تملوها، فتتحول نقما، واعلموا أن أفضل المال ما أفاد ذخرا، وأورث شكرا، وأوجب أجرا، ولو رأيتم المعروف رجلا لرأيتموه حسنا جميلا يسر الناظرين .

أخرجه البيهقي.

والحديث قال العراقي: رواه ابن عدي ، وابن حبان في الضعفاء من حديث معاذ بلفظ: ما عظمت نعمة الله على عبد إلا...

فذكره، وفيه أحمد بن معدان، قال أبو حاتم: مجهول، والحديث باطل، ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عمر بإسناد منقطع، وفيه حليس بن محمد، أحد المتروكين، ورواه العقيلي من حديث ابن عباس، قال ابن عدي: يروى من وجوه كلها محفوظة. انتهى .

قلت: روي هذا من حديث معاذ، وعمر، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس.

أما حديث معاذ، فرواه البيهقي في الشعب، وأبو يعلى، والعسكري من طريق ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان ، عن معاذ بن جبل به مرفوعا، ورواه البيهقي أيضا بإثبات مالك بن يخامر بين خالد ومعاذ، ورواه أيضا أبو سعد السمان في مشيخته، وأبو إسحاق المستملي في معجمه، والخطيب، وابن النجار.

وراويه عن ثور بن يزيد عندهم جميعا أحمد بن معدان العبدي، وهو مجهول، وقال البيهقي بعد أن أخرجه: هذا حديث لا أعلم أنا كتبناه إلا بإسناد، وهو كلام مشهور عن الفضيل. انتهى .

وأما حديث عمر، فرواه أيضا الشيرازي في الألقاب موقوفا، ولفظهم جميعا: ما عظمت نعمة على عبد إلا وعظمت مؤنة الناس عليه، فمن لم يحتمل مؤنة الناس، فقد عرض تلك النعمة للزوال.

وأما حديث عائشة، فرواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، والطبراني، قال المنذري: ضعيف، ولفظه: ما عظمت نعمة الله على عبد إلا اشتدت عليه مؤنة الناس، فمن لم يحتمل تلك المؤنة للناس، فقد عرض تلك النعمة للزوال.

وأما حديث ابن عباس، فرواه العقيلي في الضعفاء، وضعفه، ورواه أبو نعيم في الحلية، ولفظه: ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها، ثم جعل إليها شيئا من حوائج الناس، فتبرم، فقد عرض تلك النعمة للزوال.

وأما حديث أبي هريرة، فلفظه: ما من عبد أنعم الله عليه نعمة سبغها عليه إلا جعل شيئا من حوائج الناس إليه، فإن تبرم بهم عرض تلك النعمة للزوال.

رواه البيهقي من طريق الأوزاعي، عن ابن جريج، عن عطاء عنه .

فهذه الأخبار وإن كانت طرقها غير محفوظة، ولكن بعضها يؤكد بعضا، وأمثلها إسناد أبي هريرة.




الخدمات العلمية