الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
والقضاء والخلافة مما يحتاج الناس إليه في دينهم كالوعظ والتدريس والفتوى، وفي كل واحد منها فتنة ولذة، فلا فرق بينهما، فأما قول القائل: نهيك عن ذلك يؤدي إلى اندراس العلم فهو غلط إذ نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القضاء لم يؤد إلى تعطل القضاء، بل الرياسة وحبها يضطر الخلق إلى طلبها ، وكذلك حب الرياسة لا يترك العلوم تندرس ، بل لو حبس الخلق وقيدوا بالسلاسل والأغلال عن طلب العلوم التي فيها القبول والرياسة لأفلتوا من الحبس وقطعوا السلاسل وطلبوها .

وقد وعد الله أن يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم فلا تشغل قلبك بأمر الناس ؛ فإن الله لا يضيعهم ، وانظر لنفسك ثم إني أقول مع هذا : إذا كان في البلد جماعة يقومون بالوعظ مثلا ، فليس في النهي عنه إلا امتناع بعضهم ، وإلا فليعلم أن كلهم لا يمتنعون ، ولا يتركون لذة الرياسة ، فإن لم يكن في البلد إلا واحد وكان وعظه نافعا للناس من حيث حسن كلامه وحسن سمعته في الظاهر وتخييله إلى العوام أنه إنما يريد الله بوعظه وأنه تارك للدنيا ، ومعرض عنها ، فلا نمنعه منه ، ونقول له : اشتغل ، وجاهد نفسك فإن ، قال : لست أقدر على نفسي فنقول : اشتغل وجاهد ؛ لأنا نعلم أنه لو ترك ذلك لهلك الناس كلهم ؛ إذ لا قائم به غيره .

ولو واظب وغرضه الجاه فهو الهالك وحده وسلامة دين الجميع أحب عندنا من سلامة دينه وحده ، فنجعله فداء للقوم ، ونقول : لعل هذا هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ثم الواعظ هو الذي يرغب في الآخرة، ويزهد في الدنيا بكلامه، وبظاهر سيرته، فأما ما أحدثه الوعاظ في هذه الأعصار من الكلمات المزخرفة والألفاظ المسجعة المقرونة بالأشعار مما ليس فيه تعظيم لأمر الدين، وتخويف للمسلمين، بل فيه الترجية والتجرئة على المعاصي بطيارات النكت، فيجب إخلاء البلاد منهم فإنهم نواب الدجال وخلفاء الشيطان وإنما كلامنا في واعظ حسن الوعظ، جميل الظاهر، يبطن في نفسه حب القبول، ولا يقصد غيره، وفيما أوردناه في كتاب العلم من الوعيد الوارد في حق علماء السوء ما يبين لزوم الحذر من فتن العلم وغوائله، ولهذا قال المسيح عليه السلام يا علماء السوء تصومون وتصلون وتتصدقون ولا تفعلون ما تؤمرون، وتدرسون ما لا تعلمون، فيا سوء ما تحكمون، تتوبون بالقول والأماني، وتعملون بالهوى، وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة بحق أقول لكم: لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب وتبقى فيه النخالة، كذلك أنتم تخرجون الحكم من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم، يا عبيد الدنيا كيف يدرك الآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته، ولا تنقطع منها رغبته، بحق أقول لكم: إن قلوبكم تبكي من أعمالكم جعلتم الدنيا تحت ألسنتكم، والعمل تحت أقدامكم بحق أقول لكم: أفسدتم آخرتكم بصلاح دنياكم، فصلاح الدنيا أحب إليكم من صلاح الآخرة، فأي ناس أخس منكم؟! لو تعلمون ويلكم! حتى متى تصفون الطريق للمدلجين وتقيمون في محلة المتحيرين كأنكم تدعون أهل الدنيا ليتركوها لكم مهلا مهلا! ويلكم! ماذا يغني عن البيت المظلم أن يوضع السراج فوق ظهره وجوفه وحش مظلم كذلك لا يغني عنكم أن يكون نور العلم بأفواهكم، وأجوافكم منه وحشة معطلة يا عبيد الدنيا، لا كعبيد أتقياء، ولا كأحرار كرام، توشك الدنيا أن تقلعكم عن أصولكم فتلقيكم على وجوهكم ثم تكبكم على مناخركم ثم تأخذ خطاياكم بنواصيكم، ثم يدفعكم العلم من خلفكم، ثم يسلمكم إلى الملك الديان حفاة عراة، فرادى، فيوقفكم على سوآتكم ثم يجزيكم بسوء أعمالكم .

وقد روى الحارث المحاسبي هذا الحديث في بعض كتبه ثم قال: هؤلاء علماء السوء، شياطين الإنس، وفتنة على الناس رغبوا في عرض الدنيا ورفعتها، وآثروها على الآخرة، وأذلوا الدين للدنيا، فهم في العاجل عار وشين، وفي الآخرة هم الأخسرون .

التالي السابق


(فالقضاء والخلافة مما يحتاج إليه الناس في دينهم كالوعظ والتدريس والفتوى، وفي كل واحد منها فتنة ولذة، فلا فرق بينهما، فأما قول القائل: نهيك عن ذلك يؤدي إلى اندراس العلم) وانطماسه (فهو غلط) نشأ من وهم (إذ نهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن القضاء) قال العراقي: رواه مسلم من حديث أبي ذر: "لا تأمرن على اثنين، ولا تلين مال يتيم" انتهى .

قلت: ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم بلفظ: "يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تتأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم".

وروى أبو نعيم من حديث أنس: "لا تأمرن على اثنين ولا تقد منهما".

(لم يؤد إلى تعطل القضاء، بل الرياسة وحبها يضطر الخلق إلى طلبها، وكذلك حب الرياسة لا يترك العلوم تندرس، بل لو حبس الناس) في موضع (وقيدوا بالسلاسل) في أرجلهم (والأغلال) في أعناقهم، ومنعوا (عن طلب العلوم التي فيها القبول والرياسة لأفلتوا من الحبس وقطعوا السلاسل وطلبوها، وقد وعد الله تعالى أن يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم) كما في الخبر وتقدم ذكره (فلا تشغل قلبك بأمر الناس؛ فإن الله لا يضيعهم، وانظر في نفسك) وما أنت فيه .

(ثم إني أقول مع هذا: إذا كان في البلد جماعة يقومون بالوعظ مثلا، فليس في النهي عنه إلا امتناع بعضهم، وإلا فنعلم أن كلهم لا يمتنعون، ولا يتركون لذة الرياسة، فإن لم يكن في البلد إلا واحد وكان وعظه نافعا للناس من حيث حسن كلامه) بأن يكون سلسا منقادا، لا تعقيد فيه، (وحسن سمته في الظاهر) مما يوافق الشرع في لباسه وهيئته وغض بصره، وغير ذلك (وتخييله إلى العوام أنه إنما يريد الله بوعظه) لا غيره (وأنه تارك للدنيا، ومعرض عنها، فلا نمنعه منه، ونقول له: اشتغل، وجاهد نفسك، وإن قال: لست أقدر على نفسي فنقول: اشتغل وجاهد؛ لأنا نعلم أنه لو ترك ذلك لهلك الناس كلهم؛ إذ لا قائم به غيره، ولو واظب وغرضه الجاه فهو الهالك وحده) دون غيره (وسلامة دين الجميع أحب إلينا من سلامة دينه وحده، فنجعله فداء للقوم، ونقول: لعل هذا هو الذي قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم) رواه النسائي، وقد تقدم .

(ثم الواعظ هو الذي يرغب في الآخرة، ويزهد في الدنيا بكلامه، وبظاهر سيرته، وأما ما أحدثه الوعاظ في هذه الأمصار من) إلقاء (الكلمات المزخرفة والألفاظ المسجعة) الموزونة (المقرونة بالأشعار) الغريبة (مما ليس فيه تعظيم لأمر الدين، وتخويف للمسلمين، بل فيه الترجية والتجرئة على المعاصي بطيارات النكت) أي: بالنكت النوادر الغريبة المهيجة للأوصاف المستكنة في الضمائر مما يكون باعثا على آفاته غرض شيطاني (فيجب إخلاء البلاد منهم) ومنعهم عن صعود المنابر والكراسي (فإنهم نوائب الدجال وخلفاء الشيطان) بجامع الإفساد والافتتان .

(وإنما كلامنا في واعظ حسن الوعظ، جميل الظاهر، يبطن في نفسه حب القبول، ولا يقصد غيره، وفيما أوردناه في كتاب العلم من الوعيد الوارد في حق علماء السوء ما يبين لزوم الحذر) والاحتراز (من فتن العلم وغوائله، ولقد قال عيسى عليه السلام) فيما أورده صاحب القوت في مقام الزهد [ ص: 319 ] وهو المقام السادس من مقامات اليقين أنه قال: (يا علماء السوء تصومون وتتصدقون ولا تفعلون ما تؤمرون، وتدرسون ما لا تعلمون، فيا سوء ما تحكمون، تتوبون بالقول والأماني، وتعملون بالهدى، وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم) أي: تنظفوها وتغسلوها بالماء والأشنان (وقلوبكم دنسة) أي: وسخة بالمعاصي الباطنة (بحق أقول لكم: لا تكونوا كالمنخل) بضم الميم (يخرج منه الدقيق الطيب وتبقى فيه النخالة) وهو ما يرمى من الدقيق (كذلك أنتم تخرجون الحكم من أفواهكم) تعظون بها الناس (ويبقى الغل في صدوركم، يا عبيد الدنيا كيف يدرك الآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته، ولا تنقطع منها رغبته، بحق أقول لكم: إن قلوبكم تبكي من أعمالكم) لمخالفتها لها (جعلتم الدنيا تحت ألسنتكم، والعمل تحت أقدامكم) وهو كناية عن الغفلة والإعراض، وعدم الاعتناء؛ فإن من جعل شيئا تحت قدمه فقد استهان به .

(بحق أقول لكم: أفسدتم آخرتكم بصلاح دنياكم، فصلاح الدنيا أحب إليكم من صلاح الآخرة، فأي الناس أخس منكم؟!) أي: أكثر دناءة منكم (لو تعلمون) ذلك (ويلكم! حتى متى تصفون الطريق للمدلجين) أي: السائرين بالليل (وتقيمون في محلة المتحيرين) أي: الواقفين وقوف المتحير الذي لا يجد للسلوك سبيلا (كأنكم تدعون أهل الدنيا ليتركوها لكم) فتمتعون بها، ويسلبون دنياهم لأجل صلاح حالكم .

(مهلا مهلا! ويلكم! ماذا يغني عن البيت المظلم أن يوضع السراج فوق ظهره وجوفه وحش مظلم) لا نور فيه؟! (كذلك لا يغني عنكم أن يكون نور العلم بأفواهكم، وأجوافكم منه وحشة معطلة) من وصول النور إليه .

(يا عبيد الدنيا، لا كعبيد أتقياء، ولا كأحرار كرام، توشك الدنيا أن تقلعكم) أي: تزيلكم (عن أصولكم فتلقيكم على وجوهكم ثم تكبكم) أي: ترميكم (على مناخركم) أي: وجوهكم (ثم تأخذ خطاياكم بنواصيكم، ثم يدفعكم العلم من خلفكم، ثم يسلمكم إلى الملك الديان) المجازي بأعمالكم (حفاة عراة، فرادى، فيوقفكم على سوآتكم) أي: فضيحتكم (ثم يجزيكم بسوء أعمالكم) هكذا نقله صاحب القوت بتمامه .

وروى صاحب الحلية في ترجمة ابن السماك من طريق عبد الله بن صالح قال: سمعت عبد الله بن السماك يقول: قال عيسى -عليه السلام-: "حتى متى تصفون الطريق للمدلجين وأنتم مقيمون في محلة المتحيرين، تنقون البعوض من شرابكم، وتسترطون الجمال بأحمالها .

وفي ترجمة وهب من طريق بحار بن عبد الله قال: سمعت وهب بن منبه يقول: قال الله - عز وجل- فيما يعتب به بني إسرائيل: "تفقهون لغير الدين، وتتعلمون لغير العمل، وتتباهون لعمل الآخرة، تلبسون جلود الضأن، وتخفون أنفس الذئاب، وتنقون القذى من شرابكم، وتبتلعون أمثال الجبال من الحرام، تطيلون الصلاة، وتبيضون الثياب، تقتنصون بذلك مال اليتيم والأرملة، فبعزتي حلفت لأضربنكم بفتنة يضل فيها رأي ذي الرأي، وحكمة الحكيم .

(وقد روى الحارث) بن أسد (المحاسبي) رحمه الله (هذا الحديث في بعض كتبه) بهذا السياق (ثم قال: هؤلاء علماء السوء، شياطين الإنس، وفتنة على الناس) .

وقد روى الطيالسي وأحمد والنسائي وأبو يعلى والحاكم والبيهقي من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن، قال: يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال: نعم" الحديث. ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة.

(رغبوا في عرض الدنيا ورفعتها، وآثروها على الآخرة، وأذلوا الدين للدنيا، فهم في العاجل عار وشين، وفي الآخرة هم الأخسرون) وقد تقدم هذا السياق للمصنف في أول الكتاب .




الخدمات العلمية