الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقال أبو طالب المكي الكبائر سبع عشر ، جمعتها من جملة الأخبار وجملة ما اجتمع من قول ابن عباس وابن مسعود وابن عمر .

وغيرهم أربعة في القلب وهي الشرك بالله والإصرار على معصيته ، والقنوط من رحمته والأمن ، من مكره وأربع ، في اللسان وهي شهادة الزور ، وقذف المحصن واليمين الغموس وهي التي يحق بها باطلا ، أو يبطل بها حقا ، وقيل : هي التي يقتطع بها مال امرئ مسلم باطلا ولو سواكا من أراك وسميت غموسا ; لأنها تغمس صاحبها في النار ، والسحر وهو كل كلام يغير الإنسان وسائر الأجسام عن موضوعات الخلقة وثلاث في البطن ، وهي شرب الخمر والسكر ، من كل شراب وأكل مال اليتيم ظلما ، وأكل الربا وهو يعلم ، واثنتان في الفرج ، وهما الزنا واللواط واثنتان في اليدين ، وهما القتل والسرقة ، وواحدة في الرجلين ، وهي الفرار من الزحف ; الواحد من اثنتين ، والعشرة من العشرين وواحدة في جميع الجسد ، وهي عقوق الوالدين .

قال : وجملة عقوقهما أن يقسما عليه في حق فلا يبر قسمهما وإن سألاه ، حاجة فلا يعطيهما وأن يسباه فيضربهما ويجوعان فلا يطعمهما هذا ما قاله .

التالي السابق


ولنرجع لشرح كلام المصنف، وقد تقدم أن ما قالوه في حدودها إنما هو على سبيل التقريب فقط، وأن بعضهم ضبطها بالعد دون الحد، (وقال أبو طالب) محمد بن علي بن عطية الحارثي (المكي) رحمه الله تعالى في كتاب قوت القلوب بعد أن نقل أقوال من قال: إنها خمس، أو سبع، أو أكثر، أو أقل، قال: وكان عبد الرزاق يقول: الكبائر إحدى عشرة، وهذا أكثر ما قيل في جملة عددها مجملا، ثم قال: والذي عندي في جملة ذلك مجتمعا من التفرق: (الكبائر سبع عشرة، جمعتها من جملة الأخبار) الواردة بلفظ الكبائر، وبلفظ أكبر الكبائر، (وجملة ما اجتمع من قول ابن عباس وابن مسعود وابن عمر) ، وهم العبادلة الثلاثة، (وغيرهم) رضي الله عنهم كما سيأتي بيان ذلك، تفصيلها: (أربعة في القلب) أي: من أعمال القلوب، (وهي الشرك بالله) تعالى، (والإصرار على معصيته، والقنوط من رحمته، والأمر من مكره، وأربعة في اللسان) أي: من أعماله، (وهي شهادة الزور، وقذف المحصن) ، وهو الحر البالغ المسلم، (واليمين الغموس وهي التي يحق بها باطل، أو يبطل بها حق، وقيل: هي التي يقتطع بها مال امرئ مسلم باطلا) ، ولفظ القوت [ ص: 535 ] ظلما، (ولو) كان ذلك المقتطع (سواكا من أراك) إشارة إلى حقارته، (و) إنما (سميت غموسا; لأنها تغمس صاحبها) في غضب الله تعالى، وقيل: (في النار، والسحر) بكسر فسكون، (وهو كل) ما كان من (كلام) أو فعل (يغير الإنسان وسائر الأجسام) عن أعيانها، أو ينقل المعاني (عن موضوعات الخلقة) التي خلقت لها، والسحرة هي النفاثات في العقد الذين أمر الله تعالى بالاستعاذة منهم، (وثلاثة في البطن، وهي شرب الخمر، والمسكر من كل شراب) أسكر، ولفظ القوت: شرب الخمر، والسكر من الأشربة، (وأكل مال اليتيم ظلما، وأكل الربا وهو يعلم، واثنتان في الفرج، وهما الزنا واللواط) في الأدبار، (واثنتان في اليدين، وهما القتل والسرقة، وواحدة في الرجلين، وهي الفرار من الزحف; الواحد من اثنين، والعشرة من العشرين) غير متحيزة إلى فئة، ولا ممتد لكرة، (وواحدة في جميع الجسد، وهي عقوق الوالدين قال: وجملة عقوقهما) .

ولفظ القوت: وتفسير العقوق جملة (أن يقسما عليه في حق فلا يبر قسمهما، وأن يسألاه) في (حاجة فلا يعطيهما) ، وأن يؤمناه فيخونهما، وأن يجوعا فيشبع ولا يطعمهما، (وأن يسباه فيضربهما) ، وذكر وهب بن منبه: أصل البر بالوالدين في التوراة أن تقي مالهما بمالك وتوفر مالهما، وتطعمهما من مالك، وأصل العقوق أن تقي مالك بمالهما، وتوفر مالك وتأكل مالهما .

(هذا ما قاله) أبو طالب المكي رحمه الله تعالى .

قال ابن حجر في شرح الشمائل: وعقوق الوالدين أو أحدهما، وجمعهما لأن عقوق أحدهما يستلزم عقوق الآخر، أو يجر إليه من العق، وهو لغة القطع والمخالفة، وأما شرعا فقيل ضابطه: أن يعصيه في جائز، وليس هذا الإطلاق بمرض، والذي آل إليه أمر أئمتنا بعد طول البحث أن ضابطه أن يفعل معه ما يتأذى به تأذيا ليس بالهين، لكن هل المراد بقولهم ليس بالهين بالنسبة للوالد حتى أن من تأذى به كثيرا وهو عرفا بخلاف ذلك كبيرة، أو بالنسبة للعرف فما عده أهله مما يتأذى به كثيرا ليس بكبيرة، وإن تأذى به كثيرا كل محتمل، ولم يبينوه، والذي يظهر أن المراد الثاني بدليل أنه لو أمر ولده بنحو فراق حليلته لم تلزمه طاعته، وأنه تأذى بذلك كثيرا .



(تنبيه)

قد تقدم عن ابن عباس أن الكبائر إلى السبعمائة أقرب، وفي رواية: إلى السبعين، والقول الأول أكثر ما قيل فيه، وصنف الديلمي من الشافعية جزء ذكر فيه أكثر من أربعين، وصنف العلائي جزءا ذكر فيه خمسة وعشرين من مجموع ما جاء في الأحاديث منصوصا عليه أنه كبيرة، وزاد عليه الجلال البلقيني أشياء كثيرة، وكنت قد أمليت في زاوية القطب أبي محمود الحنفي قدس سره نيفا وتسعين كبيرة مرتبة على حروف التهجي مع بيان حقائقها وحدودها .

وذكر ابن حجر منها في شرح الشمائل جملة سردها إجمالا، وفي كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر تفصيلا فأوصلها في الباب الأول منه إلى ستة وستين كبيرة، وفي الباب الثاني منه إلى أربعمائة وسبع وستين كبيرة، ورتبها على ترتيب كتب الفقه، وبرهن عليها بالآيات والأخبار فهو أجمع كتاب في هذا الباب، وقد سبقه إلى ذلك الحافظ الذهبي فأورد جملة منها في كتاب ولم يرتب، ولا حاجة إلى تعداد ما أورده لما فيه من التطويل الممل، وإنما ذكر هنا بيان ما ذكره صاحب القوت، واستنبطه من الأخبار مع زيادة عليه؛ فالأربعة منها في حديث عبد الله بن عمرو، وقد تقدم للمصنف، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: "اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله ما هي؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". ولهما من حديث أبي بكرة: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور -أو قال: وقول الزور-، ولهما من حديث أنس: سئل عن الكبائر قال: "الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين"، وقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟" قال: "قول الزور، أو قال: شهادة الزور". ولهما من حديث ابن مسعود: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت: ثم أي ؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك. قلت: ثم أي: قال: أن تزاني حليلة جارك. وللطبراني من حديث سلمة بن قيس: إنما هي أربع: لا تشركوا بالله، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا. وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله [ ص: 536 ] شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا" وفي الأوسط للطبراني من حديث ابن عباس: الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر، وفيه موقوفا على عبد الله بن عمر، وأعظم الكبائر شرب الخمر، وكلاهما ضعيف، وللبزار من حديث ابن عباس بإسناد حسن أن رجلا قال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: الشرك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله.

وله من حديث بريدة: "أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ومنع فضل الماء" ومنع الفحل، وفيه صالح بن حيان ضعفه ابن معين، والنسائي، وغيرهما. وله من حديث أبي هريرة: "الكبائر أولهن الإشراك بالله"، وفيه الانتقال إلى الأعراب بعد هجرته، وفيه خالد بن يوسف السمين ضعيف، وللطبراني في الكبير من حديث سهل بن أبي حثمة في الكبائر والتعرب بعد الهجرة، وفيه ابن لهيعة، وله في الأوسط من حديث أبي سعيد الخدري: الكبائر تسع، وفيه رجوع إلى الأعرابية بعد الهجرة، وفيه أبو بلال الأشعري ضعفه الدارقطني، وللحاكم من حديث عبيد بن عمير عن أبيه: "الكبائر تسع" فذكر منها: واستحلال البيت الحرام، وللطبراني من حديث واثلة من أكبر الكبائر أن يقول الرجل علي ما لم أقل، وله أيضا من حديثه: "إن من أكبر الكبائر أن ينتفي الرجل من والده"، ولمسلم من حديث جابر: "بين الرجل وبين الإشراك والكفر ترك الصلاة"، ولمسلم من حديث عبد الله بن عمر: "ومن الكبائر شتم الرجل والديه"، ولأبي داود من حديث سعيد بن زيد: "من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق".

وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أنه مر صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير; أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله" الحديث، ولأحمد في هذه القصة من حديث أبي بكرة: "أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس" الحديث .

ولأبي داود والترمذي من حديث أنس: "عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل، ثم نسيها". وقال الترمذي: غريب، وروى ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة من حديث ابن عباس: "لا صغيرة مع إصرار"، وفيه أبو شيبة الخراساني يعرف به، والحديث منكر. فهذه المرفوعات .

وأما الموقوفات: فروى الطبراني، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود وقال: الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، وروى البيهقي فيه عن ابن عباس قال: الكبائر: الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وأكل الربا، والسحر، والزنا، واليمين الغموس الفاجرة، والغلول، ومنع الزكاة، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، وشرب الخمر، وترك الصلاة متعمدا، وإيتاء الزكاة مما فرضها الله، ونقض العهد، وقطيعة الرحم.

وروى ابن أبي الدنيا في التوبة عن ابن عباس قال: كل ذنب أصر العبد عليه كبير. وفيه الربيع بن صبيح. مختلف فيه، وروى الديلمي عن أنس قوله: لا صغيرة مع الإصرار، وإسناده جيد قال: قال العراقي: بعد أن ساق هذه العبارة فقد اجتمع من الموقوفات والمرفوعات ثلاثة وثلاثون، أو اثنان وثلاثون إلا أن بعضها لا يصح إسناده كما تقدم، وإنما ذكرت الموقوفات حتى يعلم ما ورد في الموقوفات اهـ .

قلت: وفي الموقوفات عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة السلماني عن الكبائر، قال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم بغير حقه، وأكل الربا، والبهتان، ويقولون: أعرابية بعد الهجرة، قيل لابن سيرين: والسحر، قال: إن البهتان يجمع شرا كثيرا. أخرجه ابن جرير، وعن الأوزاعي قال: يقال من الكبائر أن يعمل الرجل الذنب فيحتقره. أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة، والبيهقي في الشعب .

وعن مغيرة قال: كان يقال: شتم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الكبائر. أخرجه ابن أبي حاتم، ويزاد على هذا مما استنبط من الأخبار نكث الصفقة، وترك السنة، والتسبب إلى شتم الوالدين، والإصرار في الوصية، والإلحاد في البيت، وهو غير استحلاله كما هو ظاهر لصدقه بفعل معصية فيه ولو سرا، وسوء الظن بالله، والجمع بين الصلاتين لغير عذر، وقطيعة الرحم، والمن بالعطية، واعتباد الحر، وتغيير منار الأرض، وإيواء المحدث، والذبح لغير الله، والدياثة، والقيادة، وغير ذلك مما أورده ابن حجر في الزواجر .



(تنبيه)

الفرد المطلق هو الكفر فقد [ ص: 537 ] قال الله تعالى: إن الشرك لظلم عظيم ، ولهذا لا يغفر بالإجماع، فحينئذ وقوع لفظ الكبيرة جمعا في الآيات والأخبار لتنوعه; كعبادة الصنم والشمس والقمر، وكفر اليهود والنصارى والمجوس وأمثالهم، أو لتعدد المخاطب، فوقع مقابلة الجمع بالجمع، أو لأن كفر زيد غير كفر عمرو .

وقال ابن حجر في شرح الشمائل: ادعاء أن الأكبر لا يكون إلا واحدا إنما هو إن أريد الحقيقة، أما إن أريد الأكبر النسبي فهو يكون متعددا، ولا شك أن الأكبر بالنسبة إلى بقية الكبائر أمور أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "اتقوا السبع الموبقات" الحديث، وحينئذ فالأكبر هنا لتعدده في الجواب يراد به الأمر النسبي، والله أعلم .




الخدمات العلمية