الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الصنف الثالث المتصوفة وما أغلب الغرور عليهم ، والمغترون منهم فرق كثيرة .

ففرقة منهم وهم متصوفة أهل الزمان إلا من عصمه الله اغتروا بالزي والهيئة والمنطق فساعدوا الصادقين من الصوفية في زيهم وهيئتهم وفي ألفاظهم وفي آدابهم ومراسمهم واصطلاحاتهم وفي أحوالهم الظاهرة في السماع ، والرقص والطهارة ، والصلاة ، والجلوس على السجادات مع إطراق الرأس وإدخاله في الجيب كالمتفكر ، وفي تنفس الصعداء وفي خفض الصوت في الحديث إلى غير ذلك من الشمائل والهيئات ، فلما تكلفوا هذه الأمور وتشبهوا بهم فيها ظنوا أنهم أيضا صوفية ولم يتعبوا أنفسهم قط في المجاهدة والرياضة ومراقبة القلب وتطهير الباطن والظاهر من الآثام الخفية والجلية ، وكل ذلك من أوائل منازل التصوف ولو فرغوا عن جميعها لما جاز لهم أن يعدوا أنفسهم في الصوفية كيف ولم يحوموا قط حولها ، ولم يسوموا أنفسهم شيئا منها ، بل يتكالبون على الحرام والشبهات وأموال السلاطين ويتنافسون في الرغيف والفلس والحبة ، ويتحاسدون على النقير والقطمير ويمزق بعضهم أعراض بعض مهما خالفه في شيء من غرضه .

وهؤلاء غرورهم ظاهر ومثالهم مثال امرأة عجوز سمعت أن الشجعان والأبطال من المقاتلين ثبت أسماؤهم في الديوان ويقطع لكل واحد منهم قطر من أقطار المملكة فتاقت نفسها إلى أن يقطع لها مملكة فلبست درعا ووضعت على رأسها مغفرا وتعلمت من رجز الأبطال أبياتا وتعودت إيراد تلك الأبيات بنغماتهم حتى تيسرت عليها وتعلمت كيفية تبخترهم في الميدان وكيف تحريكهم بالأيدي وتلقفت جميع شمائلهم في الزي والمنطق والحركات والسكنات ، ثم توجهت إلى المعسكر ليثبت اسمها في ديوان الشجعان ، فلما وصلت إلى المعسكر أنفذت إلى ديوان العرض ، وأمر بأن تجرد عن المغفر والدرع وينظر ، ما تحته وتمتحن بالمبارزة مع بعض الشجعان ، ليعرف قدر عنائها في الشجاعة فلما جردت عن المغفر والدرع ، فإذا هي عجوز ضعيفة زمنة لا تطيق حمل الدرع والمغفر فقيل لها : أجئت للاستهزاء بالملك وللاستخفاف بأهل حضرته والتلبيس عليهم ، خذوها فألقوها قدام الفيل لسخفها فألقيت إلى الفيل .

فكهذا يكون حال المدعين للتصوف في القيامة إذا كشف عنهم الغطاء ، وعرضوا على القاضي الأكبر الذي لا ينظر إلى الزي والمرقع بل إلى القلب .

التالي السابق


(الصنف الثالث المتصوفة)

(وما أغلب الغرور عليهم، والمغترون منهم فرق كثيرة; ففرقة منهم متصوفة أهل الزمان إلا من عصمه الله) وأيده بتوفيقه (اغتروا بالزي والمنظر والهيئة) الظاهرة، (فساعدوا الصادقين من الصوفية في زيهم وهيئتهم وفي ألفاظهم) في محاوراتهم، (وفي آدابهم) الظاهرة، (ومراسمهم) التي يجرونها بينهم، (واصطلاحاتهم) التي توافقوا عليها، (وفي أحوالهم الظاهرة في) حال (السماع، والرقص) والتواجد (و) في (الطهارة، والصلاة، والجلوس على السجادات مع إطراق الرأس) كالمراقب، (وإدخاله في الجيب) أي: جيب الخرقة (كالمتفكر، وفي تنفس الصعداء) كالمتأسف لما فاته شيء، (وفي خفض الصوت) عند التكلم (في الحديث إلى غير ذلك من الشمائل والهيآت، فلما تكلفوا هذه الأمور وتشبهوا بهم فيها ظنوا أيضا أنهم صوفية، و) على ذلك (لم يتعبوا أنفسهم قط في المجاهدة والرياضة ومراقبة القلب) بالذكر (وتطهير الباطن والظاهر من الآثام الخفية والجلية، وكل ذلك من أوائل منازل التصوف) عند هذه الطائفة العلية، (ولو فرغوا من جميعها) عملا وتحققا (لما جاز لهم أن يعدوا أنفسهم من الصوفية) ; إذ بينه وبين الوصول إلى مراتبهم مفاوز تقطع الأعناق (كيف ولم يحوموا قط حولها، ولم يسوموا بأنفسهم شيئا منها) فهم عنها (معرضون، بل يتكالبون على الحرام [ ص: 479 ] والشبهات وأموال السلاطين) من المرتبات، والإدرارات وغيرها، (ويتنافسون في الرغيف) الواحد (والفلس والحبة، ويتحاسدون على النقير) النقطة التي على النواة، (والقطمير) القشر الداخل على النواة (ويمزق بعضهم أعراض بعض مهما خالفه في شيء من غرضه، وهؤلاء غرورهم ظاهر) لا يحتاج التنبيه بأكثر من ذلك. (ومثالهم مثال امرأة عجور سمعت أن الشجعان والأبطال من المقاتلين) في سبيل الله (ثبتت أسماؤهم في الديوان) السلطاني (ويقطع كل واحد منهم قطرا من أقطار المملكة) أي: يكتب له إقطاعات في البلاد تحت شجاعته (فتاقت نفسها إلى أن تقطع) أيضا (مملكة فلبست درعا) من حديد، (ووضعت على رأسها مغفرا) وهو طاس من حديد يستر الرأس، (وتعلمت من رجز الأبطال أبياتا) مما جرت عادتهم بإنشادها إرهابا للعدو، (وتعودت إيراد تلك الأبيات بنغماتهم حتى تيسرت عليها وتعلمت) مع ذلك (كيف هيئة تبخترهم) في الميدان عند قيام الصفين، (وكيف تحريكهم الأيدي) بالسلام (وتلقت جميع شمائلهم في الزي والمنطق والحركات والسكون، ثم توجهت إلى العسكر) أي: الموضع الذي اجتمعت فيه العساكر; (ليثبت اسمها في ديوان الشجعان، فلما دخلت إلى المعسكر أنفذت إلى ديوان العرض، وأمر بأن تجرد عن المغفر والدرع، فينظر ما تحته) من قوة البنية (وتمتحن بالمبارزة مع بعض الشجعان، ليعرف قدر غنائها في الشجاعة فلما جردت عن المغفر والدرع، فإذا هي عجوز ضعيفة زمنة) أي: ملابسة الضعف (لا تطيق حمل الدرع والمغفر) فضلا عن قوة البراز، (فقيل لها: أجئت للاستهزاء بالملك وللاستخفاف بأهل حضرته والتلبيس عليهم، خذوها فألقوها قدام الفيل ليثخنها) أي: يهلكها وطأ بأقدامه (فألقيت إلى الفيل) فوطئت، (وهكذا يكون حال المدعين للتصوف في القيامة إذا كشف عنهم الغطاء، وعرضوا على القاضي الأكبر) جل جلاله (الذي لا ينظر إلى الزي والمرقع) والهيئة، (بل إلى سر القلب) أي: باطنه .




الخدمات العلمية