الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فإن قلت : فلو ترك الوعاظ الوعظ إلا عند نيل هذه الدرجة لخلت الدنيا عن الوعظ ، وخربت القلوب فأقول قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حب الدنيا رأس كل خطيئة » . .

ولو لم يحب الناس الدنيا لهلك العالم ، وبطلت المعايش وهلكت القلوب والأبدان جميعا ، إلا أنه صلى الله عليه وسلم علم أن حب الدنيا مهلك ، وأن ذكر كونه مهلكا لا ينزع الحب من قلوب الأكثرين لا الأقلين الذين لا تخرب الدنيا بتركهم فلم يترك النصح ، وذكر ما في حب الدنيا من الخطر ولم يترك ذكره خوفا من أن يترك نفسه بالشهوات المهلكة التي سلطها الله على عباده ليسوقهم بها إلى جهنم تصديقا لقوله تعالى : ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين فكذلك لا تزال ألسنة الوعاظ مطلقة لحب الرياسة ولا يدعونها بقول من يقول : إن الوعظ لحب الرياسة حرام ، كما لا يدع الخلق الشرب والزنا والسرقة والرياء والظلم وسائر المعاصي يقول الله تعالى ورسوله إن ذلك حرام ، فانظر لنفسك ، وكن فارغ القلب من حديث الناس فإن الله تعالى يصلح خلقا كثيرا بإفساد شخص واحد وأشخاص ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض وإن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم .

فإنما يخشى أن يفسد طريق الاتعاظ فأما أن تخرس ألسنة الوعاظ ووراءهم باعث الرياسة وحب الدنيا ، فلا يكون ذلك أبدا .

فإن قلت : فإن علم المريد هذه المكيدة من الشيطان فاشتغل بنفسه وترك النصح أو نصح وراعى شرط الصدق والإخلاص فيه فما الذي يخاف عليه ، وما الذي بقي بين يديه من الأخطار وحبائل الاغترار فاعلم أنه بقي عليه أعظمه ، وهو أن الشيطان يقول له : قد أعجزتني وأفلت مني بذكائك وكمال عقلك وقد قدرت على جملة من الأولياء والكبراء وما قدرت عليك فما أصبرك وما أعظم عند الله قدرك ومحلك إذ قواك على قهري ، ومكنك من التفطن لجميع مداخل غروري فيصغي إليه ويصدقه ويعجب بنفسه من فراره في الغرور كله ، فيكون إعجابه بنفسه غاية الغرور ، وهو المهلك الأكبر ، فالعجب أعظم من كل ذنب ولذلك قال الشيطان يا ابن آدم إذا ظننت أنك بعلمك تخلصت مني فبجهلك قد وقعت في حبائلي .

التالي السابق


(فإن قلت: فلو ترك الوعاظ الوعظ إلا عند نيل هذه الدرجة خلت الدنيا عن الوعظ، وخربت القلوب) ; لأن عمارتها بسماع النصح، والناصح بالوصف [ ص: 494 ] المذكور نادر الوجود. (فأقول قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حب الدنيا رأس كل خطيئة") رواه الديلمي في الفردوس من حديث علي، وتبعه ولده، ولم يذكره سندا، ورواه البيهقي في الحادي والسبعين من الشعب من مرسل الحسن البصري، وإسناده حسن، ويروى من قول عيسى عليه السلام كما في الحلية، ومن قول مالك بن دينار كما عند ابن أبي الدنيا، ومن قول سعد بن مسعود التجيبي كما عند ابن يونس في تاريخ مصر، ومن قول جندب البجلي كما جزم به ابن تيمية، وقد تقدم كل ذلك في كتاب ذم الدنيا .

(ولو لم يحب الناس الدنيا لهلك العالم، وبطلت المعايش) ، واضمحلت الأسباب، (وهلكت القلوب والأبدان جميعا، إلا أنه صلى الله عليه وسلم علم أن حب الدنيا مهلك، وأن ذكر كونه مهلكا لا ينزع الحب من قلوب الأكثرين لا الأقلين الذين لا تخرب الدنيا بتركهم) لها (فلم يترك النصح، وذكر ما في حب الدنيا من الخطر) العظيم، (ولم يترك ذكره خوفا من أن يترك ثقة بالشهوات المهلكة التي سلطها الله تعالى على عباده ليسوقهم بها إلى جهنم تصديقا لقوله: ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) أي: ممن ركن إلى الشهوات ووثق بها، ولم يرفع رأسه إلى اتباع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، (فكذلك لا تزال ألسنة الوعاظ مطلقة لحب الرياسة) والجاه، (ولا يدعونها) أي: لا يتركونها (بقول من يقول: إن الوعظ لحب الرياسة حرام، كما لا يدع الخلق الشرب والزنا والسرقة والربا والظلم وسائر المعاصي بقول الله وقول رسوله) صلى الله عليه وسلم: (إن ذلك حرام، فانظر لنفسك، وكن فارغ القلب من حديث الناس) غير ملتفت إليهم; (فإن الله يصلح خلقا كثيرا بإفساد شخص واحد وأشخاص) كما قال الله تعالى: ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ، و) كما جاء في الخبر: (إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم) ، وقد تقدم الكلام عليه، (فإنما يخشى أن يفسد طريق الاتعاظ) أي: قبول الوعظ، (فأما أن تخرس ألسنة الوعاظ ووراءهم باعث الرياسة وحب الدنيا، فلا يكون ذلك أبدا .

فإن قلت: فإن علم المريد هذه المكيدة من الشيطان فاشتغل بنفسه وترك النصح) والخلطة، (أو نصح وراعى شرط الصدق والإخلاص فيه فما الذي يخاف عليه، وما الذي بقي بين يديه من الأخطار) أي: الأمور المخطرة، (وحبائل الاغترار) وشبكاته (فاعلم أنه بقي عليه أعظمه، وهو أن الشيطان يقول له: قد أعجزتني) ، وغلبت علي، (وأفلت مني بذكائك وكمال عقلك) ، وقوة يقينك، (وقد قدرت على جملة من الأولياء والكبراء) فأمكنت منهم، (وما قدرت عليك فما أصبرك) أي: أقواك صبرا، (وما أعظم عند الله قدرك ومحلك إذ قواك على قهري، ومكنك من التفطن) ، والتنبه (لجميع مداخل غروري فيصغي إليه) بأذن قلبه، (ويصدقه) فيما زخرفه، (ويعجب بنفسه في فراره من الغرور كله، فيكون إعجابه بنفسه غاية الغرور، وهو المهلك الأكبر، فالعجب أعظم من كل ذنب) كما تقدم بيانه في شرح كتاب ذم العجب، ولذلك قال الشيطان: يا ابن آدم إذا ظننت أنك بعملك تخلصت مني، فبجهلك قد وقعت في حبائلي. أخرجه أبو نعيم في الحلية .




الخدمات العلمية