الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الثانية : أن يعرف أن الجدال والقتال نقصان في السلوك ، فيقتصر على تكذيبه ودفعه ولا يشتغل بمجادلته .

الثالثة : أن لا يشتغل بتكذيبه أيضا ؛ لأن ذلك وقفة وإن قلت : بل يكون قد قرر في عقد ضميره كراهة الرياء ، وكذب الشيطان ، فيستمر على ما كان عليه ، مستصحبا للكراهة ، غير مشتغل بالتكذيب ولا بالمخاصمة .

الرابعة : أن يكون قد علم أن الشيطان سيحسده عند جريان أسباب الرياء ، فيكون قد عزم على أنه مهما نزغ الشيطان زاد فيما هو فيه من الإخلاص ، والاشتغال بالله ، وإخفاء الصدقة والعبادة ؛ غيظا للشيطان وذلك هو الذي يغيظ الشيطان ويقمعه ويوجب يأسه وقنوطه حتى لا يرجع .

يروى عن الفضيل بن غزوان أنه قيل له : إن فلانا يذكرك فقال : والله لأغيظن من أمره قيل ومن أمره ? قال : الشيطان : اللهم اغفر له ، أي : لأغيظنه بأن أطيع الله فيه .

ومهما عرف الشيطان من عبد هذه العادة كف عنه ؛ خيفة من أن يزيد في حسناته .

وقال إبراهيم التيمي إن الشيطان ليدعو العبد إلى الباب من الإثم فلا يطعه ، وليحدث عند ذلك خيرا ، فإذا رآه كذلك تركه وقال أيضا : إذا رآك الشيطان مترددا طمع فيك ، وإذا رآك مداوما ملك وقلاك .

وضرب الحارث المحاسبي رحمه الله لهذه الأربعة مثالا أحسن فيه ، فقال : مثالهم كأربعة قصدوا مجلسا من العلم والحديث ؛ لينالوا به فائدة وفضلا وهداية ورشدا ، فحسدهم على ذلك ضال مبتدع ، وخاف أن يعرفوا الحق ، فتقدم إلى واحد فمنعه وصرفه عن ذلك ، ودعاه إلى مجلس ضلال فأبى فلما عرف إباءه شغله بالمجادلة ، فاشتغل معه ؛ ليرد ضلاله ، وهو يظن أن ذلك مصلحة له وهو غرض الضال ليفوت عليه بقدر تأخره .

فلما مر الثاني عليه نهاه واستوقفه فوقف ، فدفع في نحر الضال ، ولم يشتغل بالقتال ، واستعجل ، ففرح منه الضال بقدر توقفه للدفع فيه .

ومر به الثالث فلم يلتفت إليه ، ولم يشتغل بدفعه ولا بقتاله ، بل استمر على ما كان فخاب ، منه رجاؤه بالكلية .

فمر الرابع فلم يتوقف له ، وأراد أن يغيظه فزاد في عجلته ، وترك التأني في المشي ، فيوشك إن عادوا ومروا عليه مرة أخرى أن يعاود الجميع إلا هذا الأخير ؛ فإنه لا يعاود ؛ خيفة من أن يزداد فائدة باستعجاله .

فإن قلت فإذا كان الشيطان : لا تؤمن نزغاته فهل يجب الترصد له قبل حضوره للحذر منه انتظارا لوروده ، أم يجب التوكل على الله ليكون هو الدافع له ، أو يجب الاشتغال بالعبادة والغفلة عنه ؟ قلنا : اختلف الناس فيه على ثلاثة أوجه : فذهبت فرقة من أهل البصرة إلى أن الأقوياء قد استغنوا عن الحذر من الشيطان ؛ لأنهم انقطعوا إلى الله ، واشتغلوا بحبه فاعتزلهم الشيطان ، وأيس منهم ، وخنس عنهم كما أيس من ضعفاء العباد في الدعوة إلى الخمر والزنا ، فصارت ملاذ الدنيا عندهم وإن كانت مباحة كالخمر والخنزير ، فارتحلوا من حبها بالكلية فلم يبق للشيطان إليهم سبيل فلا حاجة بهم إلى الحذر .

وذهبت فرقة من أهل الشام إلى أن الترصد للحذر منه إنما يحتاج إليه من قل يقينه ، ونقص توكله ، فمن أيقن بأن لا شريك لله في تدبيره فلا يحذر غيره ، ويعلم أن الشيطان ذليل مخلوق ليس ، له أمر ، ولا يكون إلا ما أراده الله ، فهو الضار والنافع والعارف يستحيي منه أن يحذر غيره ، فاليقين بالوحدانية يغنيه عن الحذر .

وقالت فرقة من أهل العلم : لا بد من الحذر من الشيطان ، وما ذكره البصريون من أن الأقوياء قد استغنوا عن الحذر وخلت قلوبهم عن حب الدنيا بالكلية ، فهو وسيلة الشيطان ، يكاد يكون غرورا ؛ إذ الأنبياء عليهم السلام لم يتخلصوا من وسواس الشيطان ونزغاته فكيف يتخلص غيرهم ؟! وليس كل وسواس الشيطان من الشهوات وحب الدنيا بل في صفات الله تعالى وأسمائه ، وفي تحسين البدع والضلال ، وغير ذلك ، ولا ينجو أحد من الخطر فيه ؛ ولذلك قال تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إنه ليغان على قلبي مع أن شيطانه قد أسلم ولا يأمره إلا بخير .

فمن ظن أن اشتغاله بحب الله أكثر من اشتغال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء عليهم السلام فهو مغرور ، ولم يؤمنهم ذلك من كيد الشيطان ؛ ولذلك لم يسلم منه آدم وحواء في الجنة التي هي دار الأمن والسرور بعد أن قال الله لهما : إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ومع أنه لم ينه إلا عن شجرة واحدة وأطلق له وراء ذلك ما أراد فإذا لم يأمن نبي من الأنبياء وهو في الجنة دار الأمن والسعادة من كيد الشيطان فكيف يجوز لغيره أن يأمن في دار الدنيا وهي منبع المحن والفتن ومعدن الملاذ والشهوات المنهي عنها ؟! وقال موسى عليه السلام فيما أخبر عنه تعالى هذا من عمل الشيطان ولذلك حذر الله منه جميع الخلق فقال الله تعالى : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة وقال عز وجل : إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم والقرآن من أوله إلى آخره تحذير من الشيطان فكيف يدعى الأمن منه ؟! وأخذ الحذر من حيث أمر الله به لا ينافي الاشتغال بحب الله ؛ فإن من الحب له امتثال أمره ، وقد أمر بالحذر من العدو كما أمر بالحذر من الكفار ، فقال تعالى : وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم وقال تعالى : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم فإذا لزمك بأمر الله الحذر من العدو الكافر وأنت تراه فبأن يلزمك الحذر من عدو يراك ولا تراه أولى .

ولذلك قال ابن محيريز صيد تراه ولا يراك يوشك أن تظفر به وصيد ، يراك ولا تراه يوشك أن يظفر بك .

فأشار ، إلى الشيطان فكيف وليس في الغفلة عن عداوة الكافر إلا قتل هو شهادة وفي إهمال الحذر من الشيطان التعرض للنار والعقاب الأليم ، فليس من الاشتغال بالله الإعراض عما حذر الله .

وبه يبطل مذهب الفرقة الثانية في ظنهم أن ذلك قادح في التوكل ، فإن أخذ الترس والسلاح وجمع الجنود وحفر الخندق لم يقدح في توكل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يقدح في التوكل الخوف مما خوف الله به ، والحذر مما أمر بالحذر منه ؟! وقد ذكرنا في كتاب التوكل ما يبين غلط من زعم أن معنى التوكل النزوع عن الأسباب بالكلية وقوله تعالى : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل لا يناقض امتثال التوكل مهما اعتقد القلب أن الضار والنافع والمحيي والمميت هو الله تعالى فكذلك يحذر الشيطان ويعتقد أن الهادي والمضل هو الله ويرى الأسباب وسائط مسخرة كما ذكرناه في التوكل .

وهذا ما اختاره الحارث المحاسبي رحمه الله وهو الصحيح الذي يشهد له نور العلم ، وما قبله يشبه أن يكون من كلام العباد الذين لم يغزر علمهم ، ويظنون أن ما يهجم عليهم من الأحوال في بعض الأوقات من الاستغراق بالله ، يستمر على الدوام ، وهو بعيد .

التالي السابق


(الرتبة الثانية: أن يعرف أن الجدال والقتال نقصان في السلوك، فيقتصر على تكذيبه ودفعه) فقط (ولا يشتغل بمجادلته) ولا يصرف وقته في ذلك .

(الرتبة الثالثة: أن لا يشتغل بتكذيبه أيضا؛ لأن ذلك وقفة) في السلوك (وإن قلت: بل يكون قد قرر في عقد [ ص: 297 ] ضميره كراهة الرياء، وكذب الشيطان، فيستمر على ما كان عليه، مستصحبا للكراهة، غير مشتغل بالتكذيب ولا بالمخاصمة .

الرتبة الرابعة: أن يكون قد علم أن الشيطان سيصيده) وفي بعض النسخ: سيحسده (عند جريان أسباب الرياء، فيكون قد عزم على أنه مهما نزغ الشيطان زاد فيما هو فيه من الإخلاص، والاشتغال بالله، وإخفاء الصدقة والعبادة؛ غيظا للشيطان) وإرغاما له (وذلك) أي: عدم الالتفات إليه في نزغاته والاستمرار على الإخلاص (هو الذي يغيظ الشيطان ويقمعه) ويدفعه (ويوجب يأسه) عنه (وقنوطه) فيه (حتى لا يرجع إليه) ثانيا .

(يروى عن) أبي الفضل (فضيل) مصغرا (بن غزوان) بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي، ابن جرير الضبي، مولاهم الكوفي، ثقة، مات سنة أربعين، روى له الجماعة (أنه قيل له: إن فلانا ذكرك) أي: سبك (قال: والله لأغيظن من أمره قيل) له (ومن أمره؟ قال: الشيطان، ثم قال: اللهم اغفر له، أي: لأغيظنه بأن أطيع الله فيه) وفي نسخة بعد قوله: "اللهم اغفر له" "أي: لأطيعن الله فيه" .

(ومهما عرف الشيطان من عبد هذه العادة كف عنه؛ خيفة من أن يزيد في حسناته، وقال إبراهيم) بن يزيد (التيمي) رحمه الله تعالى: (إن الشيطان ليدعو العبد إلى الأسباب من الإثم فلا يطيعه، وليحدث عند ذلك خيرا، فإذا رآه كذلك تركه) أخرجه أبو نعيم في الحلية .

(وقال أيضا: إذا رآك الشيطان مترددا طمع فيك، وإذا رآك مداوما ملك وقلاك) أي: أبغضك، وفي نسخة: خلاك .

(وضرب الحارث) بن أسد (المحاسبي) رحمه الله تعالى (لهذه الأربعة مثالا) في كتاب الرعاية (أحسن فيه، فقال: مثالهم كأربعة) أشخاص (قصدوا مجلسا من العلم والحديث؛ لينالوا به فائدة وفضلا وهداية ورشدا، فحسدهم على ذلك ضال مبتدع، يضل الناس ببدعته، وخاف أن يعرفوا الحق، فتقدم إلى واحد فمنعه وصرفه عنه، ودعاه إلى مجلس ضلال فأبى) عليه، ولم يطعه (فلما عرف إباءه شغله بالمجادلة معه، فاشتغل معه؛ ليرد ضلالته، وهو يظن أن ذلك مصلحة له وهو غرض الضال) ومقصوده الأعظم (ليفوت عليه) فائدة المجلس (بقدر تأخيره) في جداله .

(فلما مر الثاني عليه نهاه واستوقفه) أي: طلب أن يقف معه (فوقف، فدفع في نحر الضال، ولم يشتغل بالقتال، واستعجل، ففرح منه الضال بقدر توقفه للدفع فيه .

ومر به الثالث فلم يلتفت إليه، ولم يشتغل بدفعه ولا بقتاله، بل استمر على ما كان، فخاب منه رجاؤه بالكلية .

فمر به الرابع فلم يتوقف له، وأراد أن يغيظه فزاد في عجلته، وترك التأني في المشي، فيوشك إن عادوا ومروا عليه مرة أخرى أن يعاود الجميع إلا هذا الأخير؛ فإنه لا يعود إليه؛ خيفة من أن يزداد فائدة باستعجاله) .

فهذا المثال يفهمك أن الاشتغال بمجادلة الشيطان، والوقوف له لاستماع زخرفته ولو لحظة، والتأني لسماع ما يلقيه في التسويلات ولو غير ملتفت إليه، كما هو حال هؤلاء الثلاثة - محض خسران .

(فإن قلت: فالشيطان لا تؤمن نزغاته) وفي نسخة: مراوغاته (فهل يجب الترصد له قبل حضوره للحذر منه انتظارا لوروده، أم يجب التوكل على الله ليكون هو الدافع له، أو يجب الاشتغال بالعبادة والغفلة عنه وعدم الالتفات إليه بالكلية؟

قلنا: اختلف الناس فيه على ثلاثة أوجه:

فذهبت فرقة من) عباد (أهل البصرة إلى أن الأقوياء قد استغنوا عن الحذر من الشيطان؛ لأنهم انقطعوا إلى الله، واشتغلوا بحبه) فلم يكن في قلوبهم سعة لغير الله (فاعتزلهم [ ص: 298 ] الشيطان، وأيس منهم، وخنس عنهم) أي: تأخر (كما أيس من ضعفاء العباد في الدعوة إلى) شرب (الخمر، و) مقارفة (الزنا، فصارت ملاذ الدنيا عندهم وإن كانت مباحة كالخمر والخنزير، فارتحلوا من حبها بالكلية، ولم يبق للشيطان إليهم سبيل) يوسوس لهم به (فلا حاجة بهم إلى الحذر) منه .

(وذهبت فرقة من) عباد (أهل الشام إلى أن الترصد للحذر منه إنما يحتاج إليه من قل يقينه، ونقص توكله، فمن أيقن أنه لا شريك لله في تدبيره فلا يحذر غيره، ويعلم أن الشيطان ذليل مخلوق، وليس له) في عباد الله (أمر، ولا يكون إلا ما أراده الله تعالى، فهو الضار النافع) وهو الفاعل المختار في خلقه (والعارف يستحيي منه أن يحذر غيره، فاليقين بالوحدانية يغنيه عن الحذر .

وقالت فرقة) وفي نسخة: طائفة (من أهل العلم: لا بد من الحذر من الشيطان، وما ذكره البصريون من أن الأقوياء استغنوا عن الحذر) عنه (أن خلت قلوبهم من حب الدنيا) وفي نسخة: أن خلا من قلوبهم حب الدنيا (بالكلية، فهو وسيلة الشيطان، يكاد يكون غرورا؛ إذ الأنبياء -عليهم السلام- لم يتخلصوا من وسواس الشيطان ونزغاته فكيف يتخلص غيرهم؟! وليس كل وسواس الشيطان من الشهوات وحب الدنيا) كما ظنوا (بل في صفات الله تعالى وأسمائه، وفي تحسين البدع والضلال، وغير ذلك، ولا ينجو أحد من الخطر فيه؛ ولذلك قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) وقد تقدم الكلام على الرسول والنبي في كتاب قواعد العقائد ( إلا إذا تمنى ) أي: زور في نفسه ما يهواه ( ألقى الشيطان في أمنيته ) في تشهيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا، كما في الخبر: "وإنه ليغان على قلبي" ( فينسخ الله ما يلقي الشيطان ) أي: فيبطله ويذهبه بعصمته عن الركون إليه، والإرشاد إلى ما يريحه ( ثم يحكم الله آياته ) أي: ثم يثبت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة ( والله عليم ) بأحوال الناس ( حكيم ) فيما يفعل بهم .

قيل: حدث نفسه بزوال المسكنة فنزلت، وقيل: تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليهم ما يقربهم إليه، فاستمر بذلك حتى كان في ناديهم، فنزلت عليه سورة النجم، يقرؤها، فلما بلغ ومناة الثالثة الأخرى وسوس إليه الشيطان حتى سبق لسانه إلى أن قال: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، ففرح به المشركون حتى تابعوه في السجود لما سجد في آخرها، بحيث لم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرك إلا سجد، ثم نبهه جبريل، فاغتم به، فعزاه الله بهذه الآية، وهو مردود عند المحققين، وإن صح فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه .

وقيل: تمنى: قرأ، كقوله:


تمنى كتاب الله أول مرة تمني داود الزبور على رسل

وأمنيته قراءته، وألقى الشيطان فيها أن تكلم بذلك رافعا صوته، بحيث ظن السامعون أنه من قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد رد أيضا مما نجد بالوثوق على القرآن، ولا يندفع بقوله: فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته لأنه أيضا يحتمله، والآية تدل على جواز السهو على الأنبياء، وتطرق الوسوسة إليهم، كل هذا سياق البيضاوي.

والمسألة مختلف فيها قديما، وقد تكلم عليها القاضي عياض في الشفاء، ورد ما ذكروه في توجيه الآية، وأوسع عليه الكلام شارحه الشهاب الخفاجي.

والصحيح ورود القضية، فقد رويت من طرق كثيرة لا تحتمل الخطأ، كما أشار إليه الحافظ في فتح الباري، فقد أخرجه عبد بن حميد من طريق السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.

والبزار والطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند رجاله ثقات، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، بسند صحيح، عن سعيد بن جبير.

وابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس.

وابن مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ومن طريق أبي بكر الهذلي، وأيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس.

وعبد بن حميد وابن جرير من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث.

وابن أبي حاتم من طريق موسى بن عقبة، عن ابن شهاب.

والبيهقي في الدلائل، عن موسى بن عقبة، ولم يذكر ابن شهاب والطبراني عن عروة مثله .

وسعيد بن منصور، وابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي.

ومحمد بن قيس، وابن جرير، عن الضحاك.

وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم بسند صحيح، عن أبي العالية.

وعبد بن حميد، عن مجاهد، وعن عكرمة.

وابن أبي حاتم، عن السدي.

[ ص: 299 ] وألفاظ الكل متقاربة، وفي سوق كل منها تطويل .

ومع ثبوت القصة من هذه الطرق لا يسع العالم ردها، فضلا عن المحقق .

(وقال صلى الله عليه وسلم: "إنه ليغان على قلبي) وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" رواه أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، والبغوي، وابن قانع، والباوردي، والطبراني، كلهم من حديث الأغر بن يسار المزني، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث .

(مع أن شيطانه) صلى الله عليه وسلم (قد أسلم فلا يأمره إلا بخير) رواه الطبراني من حديث المغيرة بلفظ: "ما من أحد إلا جعل معه قرين من الجن، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير".

وروى أحمد وأبو يعلى والطبراني والضياء من حديث ابن عباس: "ليس منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الشيطان، قالوا: وأنت يا رسول الله؟! قال: نعم، ولكن الله أعانني عليه فأسلم" وقد تقدم الكلام عليه أيضا .

(فمن ظن أن اشتغاله بحب الله أكثر من اشتغال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسائر الأنبياء) عليهم السلام (فهو مغرور، ولم يؤمنهم ذلك من كيد الشيطان؛ ولذلك لم يسلم منه) أي: من كيده (آدم وحواء) عليهما السلام، وهما (في الجنة التي هي دار الأمن والسرور بعد أن قال الله لهما: إن هذا ) يعني الشيطان ( عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما ) أي: لا يكون سببا لإخراجكما ( من الجنة ) والمراد: نهاهما عن أن يكون بحيث يتسبب الشيطان إلى إخراجهما ( فتشقى ) أفرده بإسناد الشقاء إليه بعد اشتراكهما في الخروج؛ اكتفاء باستلزام شقائه شقاءها من حيث إنه قيم عليها، أو لأن المراد بالشقاء التعب في طلب المعاش، وذلك وظيفة الرجال، والشقاء بمعنى التعب شائع في كلام العرب، يقولون: أشقى من رائض المهر، وسيد القوم أشقاهم .

ويؤيده قوله: ( إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ) فإنه بيان وتذكير لما له في الجنة من أسباب الكفاية، وأقطاب الكفاية هي: الشبع والري والكسوة والكن، مستغنيا عن اكتسابها والسعي بتحصيل أعراض ما عسى ينقطع ويزول منها بذكر نقائضها؛ لتطرق سمعه بأصناف الشقوة المحذر منها .

(مع أنه لم ينهه إلا عن شجرة واحدة) قيل: هي الحنطة، وقيل: الكرم، وقيل: التين، وقيل: غير ذلك (وأطلق له وراء ذلك ما أراد) وفيه الإشارة بقوله تعالى: فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما .

(فإذا لم يأمن نبي من الأنبياء وهو) مستقر (في الجنة) التي هي (دار الأمن والسعادة من كيد الشيطان) ووسوسته (فكيف يجوز لغيره أن يأمن) من وسوسته، وهو (في دار الدنيا وهي منبع الفتن والمحن ومعدن الملاذ والشهوات المنهي عنها؟!

وقال موسى عليه السلام) فيما حكى الله عنه في كتابه العزيز: ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال ( هذا من عمل الشيطان ) لأنه لم يؤمر بقتل الكفار، أو لأنه كان مؤمنا فيهم فلم يكن له اغتياله، ولا يقدح ذلك في عصمته؛ لكونه خطأ، وإنما عده من عمل الشيطان وسماه ظلما، واستغفر منه، على عادتهم في استعظام محقرات فرطت منهم .

( إنه عدو مضل مبين ) ظاهر العداوة (ولذلك حذر الله منه جميع الخلق فقال: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ) آدم وحواء ( ينزع عنهما لباسهما ) أي: حلل الجنة، قيل: إنهما لما تناولا من الشجرة سقطت عنهما الحلل .

(وقال عز وجل: إنه يراكم هو وقبيله ) أي: جماعته وجنوده ( من حيث لا ترونهم والقرآن من أوله إلى آخره تحذير من الشيطان) وتنبيه على غوايته، وإرشاد في مخالفته .

(فكيف يدعى الأمن منه؟! وأخذ الحذر من حيث أمر الله به لا ينافي الاشتغال بحب الله تعالى؛ فإن من الحب له امتثال أمره، وقد أمرنا بالحذر من العدو كما أمرنا بالحذر من الكفار، فقال تعالى: وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ) أي: ليأخذوا ما فيه الحذر -بالكسر- وهو التحرز، والأسلحة جمع سلاح، وهو كل عدة للحرب .

(وقال تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم [ ص: 300 ] فإذا لزمك بأمر الله الحذر من العدو والكافر وأنت تراه) وتشاهده بعينك (فبأن يلزمك الحذر من عدو يراك) هو وقبيله (ولا تراه) ولا ترى قبيله (أولى) وآكد .

(ولذلك قال) عبد الله (بن محيريز) بمهملة وراء، آخره زاي، مصغرا، ابن جنادة بن وهب الجمحي المكي، نزل بيت المقدس، ثقة، عابد، مات سنة تسع وتسعين، روى له الجماعة: (عدو صيد تراه ولا يراك يوشك أن تظفر به، وعدو صائد يراك ولا تراه يوشك أن يظفر بك، وأشار به) أي: بهذا الكلام (إلى الشيطان) فإنه عدوك، وقصده أن يصيدك، وهو يراك، ويخيل لك، ويرمي عليك الفخ، وأنت لا تراه، فما أقرب أن تقع في قبضته .

(كيف وليس في الغفلة من عداوة الكافر إلا قتل هو شهادة) إن تيسر القتل (وفي إهمال الحذر من الشيطان التعرض للنار والعقاب الأليم، فليس من الاشتغال بالله الإعراض عما حذر الله، وبه يبطل مذهب الفرقة الثانية في ظنهم أن ذلك قادح في التوكل، فإن أخذ الترس والسلاح وجمع الجند) وحشد العساكر (وحفر الخندق لم يقدح في توكل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكيف يقدح في التوكل الخوف مما خوف الله تعالى به، والحذر مما أمر الله بالحذر منه؟! وقد ذكرنا في كتاب التوكل ما يبين غلط من ظن أن معنى التوكل النزوع من الأسباب بالكلية) أي: الخروج عنها .

(وقوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل لا يناقض امتثال التوكل مهما اعتقد القلب أن الضار والنافع والمحيي والمميت هو الله) -عز وجل- لا غيره (فكذلك يحذر الشيطان) ويحترز منه (ويعتقد أن المضل والهادي هو الله) -عز وجل- لا غيره (ويرى الأسباب وسائط مسخرة) بلطف الحكمة الإلهية (كما ذكرناه في) كتاب (التوكل) وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى .

(وهذا ما اختاره) الحارث (المحاسبي) رحمه الله تعالى (وهو الصحيح الذي يشهد له نور العلم، وما قبله) مما ذكر (يشبه أن يكون من كلام العباد الذين لا يغزر) أي: يكثر (علمهم، ويظنون أن ما يهجم عليهم من الأحوال في بعض الأوقات من) نتيجة (الاستغراق بالله، يستمر على الدوام، وهو بعيد) لأن الأحوال لا تثبت .




الخدمات العلمية