الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور، بل قد يتعين على الإنسان فرضان أحدهما يفوت، والآخر لا يفوت، أو فضلان أحدهما يضيق وقته، والآخر يتسع وقته، فإن لم يحفظ الترتيب فيه كان مغرورا، ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى، فإن المعصية ظاهرة، والطاعة ظاهرة، وإنما الغامض تقديم بعض الطاعات على بعض كتقديم الفرائض كلها على النوافل، وتقديم فروض الأعيان على فروض الكفايات، وتقديم فرض كفاية لا قائم به على ما قام به غيره، وتقديم الأهم من فروض الأعيان على ما دونه، وتقديم ما يفوت على ما لا يفوت، وهذا كما يجب تقديم حاجة الوالدة على حاجة الوالد، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: من أبر يا رسول الله قال : أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أباك. قال: ثم من؟ قال: ثم أدناك فأدناك فينبغي أن يبتدئ في الصلة بالأقرب فإن استويا فبالأحوج ، فإن استويا فبالأتقى والأورع .

وكذلك من لا يفي ماله بنفقة الوالدين والحج فربما يحج وهو مغرور ، بل ينبغي أن يقدم حقهما على الحج ، وهذا من تقديم فرض أهم من فرض هو دونه .

وكذلك إذا كان على العبد ميعاد ودخل وقت الجمعة ، فالجمعة تفوت والاشتغال بالوفاء بالوعد ، معصية ، وإن كان هو طاعة في نفسه .

وكذلك قد تصيب ثوبه النجاسة ، فيغلظ القول على أبويه وأهله بسبب ذلك ، فالنجاسة محذورة ، وإيذاؤهما محذور والحذر من الإيذاء أهم من الحذر من النجاسة .

وأمثلة تقابل المحذورات والطاعات لا تنحصر .

ومن ترك الترتيب في جميع ذلك فهو مغرور .

وهذا غرور في غاية الغموض لأن المغرور فيه في طاعة إلا أنه لا يفطن لصيرورة الطاعة معصية حيث ترك بها طاعة واجبة هي أهم منها .

ومن جملته الاشتغال بالمذهب والخلاف من الفقه في حق من بقي عليه شغل من الطاعات والمعاصي الظاهرة والباطنة المتعلقة بالجوارح والمتعلقة بالقلب ; لأن مقصود الفقه معرفة ما يحتاج إليه غيره في حوائجه .

فمعرفة ما يحتاج هو إليه في قلبه أولى به إلا أن حب الرياسة والجاه ولذة المباهاة وقهر الأقران والتقدم عليهم يعمي عليه حتى يغتر به مع نفسه ، ويظن أنه مشغول بهم دينه .

التالي السابق


(وترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور، بل قد يتعين على الإنسان فرضان أحدهما يفوت، والآخر لا يفوت، أو فضلان) أي: نفلان (أحدهما يضيق وقته والآخر يتسع وقته، فإن لم يحفظ الترتيب فيه فهو مغرور ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى، فإن المعصية ظاهرة، والطاعة ظاهرة) ، والأمر فيهما ظاهر، (وإنما الغامض الخفي تقديم بعض الطاعات على بعض كتقديم الفرائض كلها على النوافل، وتقديم فروض الأعيان على فروض الكفايات، وتقديم فرض كفاية لا قائم به على ما قام به غيره، وتقديم الأهم من فروض الأعيان على ما دونه) مما ليس بأهم، (وتقديم ما يفوت) بفوات الوقت (على ما لا يفوت، وهذا كما يجب أن يقدم حاجة الوالدة على حاجة الوالد، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: من أبر) أي: من أحق بالبر؟ (قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أباك. قال: ثم من؟ قال: ثم أدناك فأدناك) أي: الأقرب بالأقرب منك. رواه الترمذي، والحاكم وصححه من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وقد تقدم في كتاب آداب الصحبة [ ص: 478 ] وروى الديلمي من حديث ابن مسعود: "بر أمك، ثم أباك، ثم أخاك، ثم أختك"، (فينبغي أن يبتدئ في الصلة بالأقرب) نسبا منه (فإن استويا فبالأحوج، فإن استويا فبالأتقى والأورع) على هذا الترتيب، (وكذلك من لا يفي ماله بنفقة الوالدين والحج) فإن أنفق عليهما ما لم يف بالحج وبالعكس، (فربما يحج) ويترك الإنفاق عليهما، (وهو مغرور، بل ينبغي أن يقدم حقهما على الحج، وهذا من تقديم فرض أهم على فرضه هو دونه) في الرتبة، (وكذلك إذا كان على العبد ميعاد) لرجل، (ودخل وقت) صلاة (الجمعة، فالجمعة تفوت بالاشتغال بالوفاء بالوعد، وهو) أي: تفويت الجمعة به (معصية، وإن كان هو) أي: الوفاء بالوعد (طاعة في نفسه، وكذلك تصيب ثوبه النجاسة، فيغلظ القول على أبويه وأهله بسبب ذلك، فالنجاسة محذورة، وإيذاؤهما محذور) أيضا (والحذر من الأذى أهم من الحذر من النجاسة) ; لأن زوال الأذى عن قلوبهم عسر، بخلاف إزالة النجاسة من الثوب .

(وأمثلة تقابل المحذورات والطاعات) كثيرة (لا تنحصر، ومن ترك الترتيب في جميع ذلك فهو مغرور، وهذا غرور في غاية الغموض) والدقة; (لأن المغرور فيه في طاعة إلا أنه لا يفطن لصيرورة الطاعة معصية حيث ترك بها طاعة واجبة هي أهم منها) ، والأكياس يظنون ذلك (ومن جملته الاشتغال بالمذهب) الذي يتعبد الله به (والخلاف من الفقه من حق من بقي عليه شغل من الطاعات والمعاصي الظاهرة والباطنة المتعلقة بالجوارح والمتعلقة بالقلب; لأن مقصود الفقه معرفة ما يحتاج إليه غيره في حوائجه) ، ومهماته (فمعرفة ما يحتاج إليه في قلبه أولى به) وأليق (إلا أن حب الرياسة والجاه ولذة المباهاة) أي: المفاخرة (وقهر الأقران) والنظراء (والتقدم عليهم يعمي عليه) سلوك طريق الأولى (حتى يغتر به مع نفسه، ويظن أنه مشغول بمهم دينه) ، والله الموفق.. .




الخدمات العلمية