الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
ومن كان بصيرا بحقائق الأمور ، وسلم له هذه الثلاثة يتصور أن لا يغضب في غيرها ، فهذه ثلاثة أقسام ، فلنذكر غاية الرياضة في كل واحد منها .

أما القسم الأول : فليست الرياضة فيها لينعدم غيظ القلب ولكن لكي يقدر على أن لا يطيع الغضب ولا يستعمله في الظاهر إلا على حد يستحبه الشرع ، ويستحسنه العقل ، وذلك ممكن بالمجاهدة وتكلف الحلم ، والاحتمال مدة حتى يصير الحلم ، والاحتمال خلقا راسخا فأما قمع أصل الغيظ من القلب فذلك ليس مقتضى الطبع وهو غير ممكن ، نعم ، يمكن كسر سورته وتضعيفه حتى لا يشتد هيجان الغيظ في الباطن ، وينتهي ضعفه إلى أن لا يظهر أثره في الوجه ولكن ذلك شديد جدا وهذا حكم القسم الثالث أيضا ; لأن ما صار ضروريا في حق شخص ، فلا يمنعه من الغيظ استغناء غيره عنه ، فالرياضة فيه تمنع العمل به ، وتضعف هيجانه في الباطن حتى لا يشتد التألم بالصبر عليه .

وأما القسم الثاني : فيمكن التوصل بالرياضة إلى الانفكاك عن الغضب عليه ; إذ يمكن إخراج حبه من القلب وذلك بأن يعلم الإنسان أن وطنه القبر ومستقره ، الآخرة وأن ، الدنيا معبر يعبر عليها ويتزود منها قدر الضرورة وما وراء ذلك عليه وبال في وطنه ، ومستقره ، فيزهد في الدنيا ويمحو حبها عن قلبه ولو كان للإنسان كلب لا يحبه لا يغضب إذا ضربه غيره فالغضب تبع للحب ، فالرياضة في هذا تنتهي إلى قمع أصل الغضب ، وهو نادر جدا وقد تنتهي إلى المنع من استعمال الغضب والعمل ، بموجبه وهو أهون .

التالي السابق


(ومن كان بصيرا بحقائق الأمور، وسلم له هذه الثلاث يتصور أن لا يغضب في غيرها، فهذه ثلاثة أقسام، فلنذكر غاية الرياضة في كل واحد منها .

[ ص: 16 ] أما القسم الأول: فليست الرياضة فيه لينعدم غيظ القلب) من أصله (ولكن لكي يقدر على أن لا يطيع الغضب) ، بل يكف نفسه عنه، (فلا يستعمله في الظاهر إلا على حد يستحبه الشرع، ويستحسنه العقل، وذلك ممكن بالمجاهدة) ، والرياضة (وتكلف الحلم، والاحتمال مدة) من الزمان (حتى يصير الحلم، والاحتمال خلقا) فيه (راسخا) بعد أن كان مكلفا، فأما قمع أصل الغيظ من القلب (فذلك مقتضى الطبع) ، أي: يقتضيه الطبع البشري لا ينفك عنه (وهو) ، أي: قمعه (غير ممكن، نعم، يمكن كسر سورته) ، أي: شوكته (وتضعيفه) ، أي: توهينه، (حتى لا يشتد هيجان الغيظ في الباطن، وينتهي ضعفه) ، وكسر قوته (إلى أن لا يظهر أثره في الوجه) ، ولا في الأطراف، وهذا ممكن، (ولكن ذلك شديد جدا) إلا من خفف الله عليه، (وهذا حكم القسم الثالث أيضا; لأن ما صار ضروريا في حق الشخص، فلا يمنعه من الغيظ استغناء غيره عنه، فالرياضة فيه تمنع العمل به، وتضعف هيجانه في الباطن حتى لا يشتد التألم بالصبر عليه) .

هذا حال القسم الأول، والثالث .

(وأما القسم الثاني: فيمكن التوصل بالرياضة إلى الانفكاك من الغضب عليه; إذ يمكن إخراج حبه من القلب) بنوع من الاعتبار؛ (وذلك بأن يعلم الإنسان أن وطنه القبر، ومستقره الآخرة، وإنما الدنيا) دار ممر لا دار مقر، بل هي بمنزلة (معبرة يعبر عليها) ، ولا يعمرها كما رواه أبو نعيم في الحلية، عن عيسى - عليه السلام -: الدنيا قنطرة فاعبروها، ولا تعمروها، (ويتزود منها قدر الضرورة) الداعية (وما وراء ذلك عليه وبال) ، أي: ثقل (في وطنه، ومستقره، فيزهد في الدنيا) ، ويرغب عنها (ويهجر حبها من قلبه) ، وفي بعض النسخ: ويمحي بدل ويهجر، (ولو كان للإنسان كلب لا يحبه لم يغضب عليه إذا ضربه غيره) ، أي: لا يتأثر في قلبه شيء من ضربه، (فالغضب تبع للحب، فالرياضة في هذا قد تنتهي إلى قمع أصل الغضب، وهو نادر جدا) قليل الوقوع، (وقد تنتهي إلى المنع من استعمال الغضب، و) من (العمل بموجبه) ، ومقتضاه (وهو أهون) بالنسبة إلى قمع أصله .




الخدمات العلمية