الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الثالث : التكبر بالحسب والنسب ، فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب ، وإن كان أرفع منه عملا وعلما ، وقد يتكبر بعضهم فيرى أن الناس له أموال وعبيد ويأنف من مخالطتهم ومجالستهم وثمرته على اللسان التفاخر به فيقول لغيره : يا نبطي يا هندي ويا أرمني من أنت ? ومن أبوك فأنا ؟ فلان ابن فلان وأين ، لمثلك أن يكلمني ، أو ينظر إلي ، ومع مثلي تتكلم ؟! وما يجري مجراه .

وذلك عرق دفين في النفس ، لا ينفك عنه نسيب وإن كان صالحا وعاقلا ، إلا أنه قد لا يترشح منه ذلك عند اعتدال الأحوال ، فإن غلبه غضب أطفأ ذلك نور بصيرته ، وترشح منه ، كما روي عن أبي ذر أنه قال : قاولت رجلا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له : يا ابن السوداء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر طف الصاع طف الصاع ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل ، قال أبو ذر رحمه الله: فاضطجعت، وقلت للرجل قم فطأ على خدي ، فانظر كيف نبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى لنفسه فضلا بكونه ابن بيضاء، وأنه خطأ وجهل، وانظر كيف تاب، وقلع من نفسه شجرة الكبر بأخمص قدم من تكبر عليه؛ إذ عرف أن العز لا يقمعه إلا الذل .

ومن ذلك ما روي أن رجلين تفاخرا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما للآخر : أنا فلان ابن فلان، فمن أنت لا أم لك؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: افتخر رجلان عند موسى عليه السلام فقال أحدهما: أنا فلان ابن فلان، حتى عد تسعة، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام قل للذي افتخر: بل التسعة من أهل النار، وأنت عاشرهم .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليدعن قوم الفخر بآبائهم وقد صاروا فحما في جهنم ، أو ليكون أهون على الله من الجعلان التي تدوف بآنافها القذر .

التالي السابق


(الثالث: التكبر بالنسب والحسب، فالذي له نسب شريف) بأن يكون منتسبا إلى بيت شريف مشهور (يستحقر من ليس له ذلك، وإن كان أرفع منه عملا وعلما، وقد يتكبر بعضهم فيرى أن الناس له موال وعبيد) أي: بمنزلتهم (ويأنف من مخالطتهم ومجالستهم) وهو يترفع عنهم (وثمرته على اللسان التفاخر به) بين الناس (فيقول لغيره: يا نبطي ويا هندي ويا أرمني) وأشباه ذلك (من أنت؟ ومن أبوك؟ وأنا فلان ابن فلان، وأنى لمثلك أن يكلمني، أو ينظر إلي، ومع مثلي تتكلم؟! وما يجري مجراه) مما يقع في محاورة الكلام .

(وذلك عرق دفين) دساس (في النفس، لا ينفك عنه نسيب وإن كان صادقا) وفي نسخة: صالحا (وعاقلا، إلا أنه قد لا يترشح ذاك منه عند اعتدال الأحوال، فإن غلبه غضبه [ ص: 375 ] أطفأ ذلك نور بصيرته، وترشح منه، كما روي عن أبي ذر) جندب بن جنادة الغفاري -رضي الله عنه- (أنه قال: قاولت) أي: خاصمت (رجلا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت له: يا ابن السوداء، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- طف الصاع طف الصاع) الصاع: مكيال معروف، وطفا منه ما قرب من ملئه، وقيل: هو ما علا فوق رأسه، شبههم في نقصانهم بالمكيل الذي لم يبلغ أن يملأ المكيال، كذا في مجمع البحار (ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل) أي: كلكم في الأنساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النقص عن غاية التمام .

(قال أبو ذر: فاضطجعت، وقلت للرجل) المذكور: (قم فطأ على خدي) قال العراقي: رواه ابن المبارك في البر والصلة مع اختلاف .

ولأحمد من حديثه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: "انظر؛ فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود، إلا أن تفضله بتقوى" الحديث .

وفي الصحيحين "أنه ساب رجلا فعيره بأمه" وفيه: فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنك امرؤ فيك جاهلية" وقد تقدم. اهـ. أي: في أوائل كتاب الغضب والحقد والحسد .

(فانظر كيف نبهه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه رأى لنفسه فضلا) على أخيه (لكونه ابن بيضاء، وأنه خطأ وجهل، وانظر كيف) رجع أبو ذر، و (تاب، وقلع عن نفسه شجرة الكبر بأخمص قدم من تكبر عليه؛ إذ عرف أن العز لا يقمعه إلا الذل) وكل ذلك بين يديه -صلى الله عليه وسلم- ولم يمنعه من ذلك، وصوب فعله .

(ومن ذلك ما روي أن رجلين تفاخرا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال أحدهما للآخر: أنا فلان ابن فلان، فمن أنت لا أم لك! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: افتخر رجلان عند موسى -عليه السلام- فقال أحدهما: أنا فلان ابن فلان، حتى عد تسعة، فأوحى الله تعالى إلى موسى - عليه السلام- قل للذي افتخر: بل التسعة من أهل النار، وأنت عاشرهم) وفي نسخة: وأنت العاشر .

قال العراقي: رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، من حديث أبي بن كعب بإسناد صحيح، ورواه أحمد موقوفا على معاذ بقصة موسى -عليه السلام- فقط. اهـ .

قلت: وروى أحمد والبخاري في التاريخ وأبو يعلى والبغوي وابن قانع والطبراني والبيهقي وابن عساكر من حديث أبي ريحانة: " من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزا وكرما كان عاشرهم في النار".

(وقال صلى الله عليه وسلم: ليدعن) أي: ليتركن (أقوام الفخر بآبائهم وقد صاروا فحما في جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان) بكسر الجيم وسكون العين المهملة جمع جعل بضم ففتح، كصرد وصردان اسم الدويبة التي (تدوف بآنافها القذر) قيل: هي أم حبين، تدحرج القذر برجليها .

قال العراقي: رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن حبان من حديث أبي هريرة. اهـ .

قلت: وأخرج البزار من حديث حذيفة رفعه: "كلكم بنو آدم، وآدم خلق من التراب، ولينتهين أقوام يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان".

والسياق المذكور للمصنف من حديث أبي هريرة ليس هو أول الحديث، بل أوله: "إن الله -عز وجل- قد أذهب عنكم غيبة الجاهلية" الحديث، وسيأتي في آخر الفصول من هذا الكتاب، وفيه: "ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي ترفع بأنفها النتن".




الخدمات العلمية