الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
مثال آخر لتأدية علائق الدنيا بعضها إلى بعض حتى الهلاك قال عيسى عليه السلام : مثل طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله .

مثال آخر لمخالفة آخر الدنيا أولها ، ولنضارة أوائلها وخبث عواقبها : اعلم أن شهوات الدنيا في القلب لذيذة كشهوات الأطعمة في المعدة ، وسيجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنتن والقبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا بلغت في المعدة غايتها ، وكما أن الطعام كلما كان ألذ طعما ، وأكثر دسما ، وأظهر حلاوة ; كان رجيعه أقذر وأشد نتنا فكذلك ، كل شهوة في القلب هي أشهى وألذ وأقوى ، فنتنها وكراهتها والتأذي بها عند الموت أشد ، بل هي في الدنيا مشاهدة ، فإن من نهبت داره ، وأخذ أهله وماله ، وولده ، فتكون مصيبته ، وألمه ، وتفجعه في كل ما فقد بقدر لذته به ، وحبه له ، وحرصه عليه ، فكل ما كان عند الوجود أشهى عنده ، وألذ فهو عند الفقد أدهى وأمر ، ولا معنى للموت إلا فقد ما في الدنيا وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للضحاك بن سفيان الكلابي ألست تؤتى بطعامك وقد ملح وقزح ثم تشرب عليه اللبن ، والماء ? قال : بلى ، قال فإلام : يصير قال : إلى ما قد علمت يا رسول الله ، قال : فإن الله عز وجل ضرب مثل الدنيا بما يصير إليه طعام ابن آدم .

وقال أبي بن كعب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الدنيا ضربت مثلا لابن آدم ، فانظر إلى ما يخرج من ابن آدم ، وإن قزحه وملحه إلام يصير وقال صلى الله عليه وسلم : إن الله ضرب الدنيا لمطعم ابن آدم مثلا ، وضرب مطعم ابن آدم للدنيا مثلا ، وإن قزحه وملحه .

وقال الحسن قد رأيتهم يطيبونه بالأفاويه والطيب ، ثم يرمون به حيث رأيتم وقد قال الله عز وجل : فلينظر الإنسان إلى طعامه ، قال ابن عباس : إلى رجيعه وقال رجل لابن عمر إني أريد أن أسألك ، وأستحي ، قال : فلا تستحي واسأل قال : إذا قضى أحدنا حاجته ، فقام ينظر إلى ذلك منه ، قال : نعم ، إن الملك يقول : له : انظر إلى ما بخلت به انظر إلى ماذا صار وكان بشر بن كعب يقول : انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب ، بهم إلى ، مزبلة ، فيقول : انظروا إلى ثمارهم ، ودجاجهم ، وعسلهم ، وسمنهم .

مثال آخر في نسبة الدنيا إلى الآخرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر أحدكم بم يرجع إليه .

التالي السابق


(مثال آخر لتأدية علائق الدنيا بعضها إلى بعض حتى الهلاك) ، أي: بعضها يجبر بعضا، ويستدعيه حتى يوقعه في الهلاك (قال عيسى - عليه السلام -: مثل طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر) ، أي: مالح (كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله) نقله صاحب القوت; وهذا لأن شارب ماء البحر لا يحصل له الري مما يشربه، بل يزيده وهجا في جوفه، فلم يزل يسيغ منه جرعة جرعة بعد أخرى حتى يكون حتفه فيه، وعلائق الدنيا كذلك; كلما يتعلق بعلاقة منها تستدعي الأخرى، ولا يقنع بها حتى تستولي عليه العلائق، وتحيط به، فيكون سبب هلاكه الأبدي .

نعوذ بالله من ذلك .

(مثال آخر لمخالفة آخر الدنيا أولها، ولنضارة أوائلها) ، أي: طراوتها، وبهجتها (وخبث عواقبها: اعلم) هداك الله تعالى (أن شهوات الدنيا في القلب لذيذة كشهوات أطعمة في المعدة، وسيجد العبد عند [ ص: 112 ] الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والفتن والقبح ما يجده في الأطعمة اللذيذة إذا بلغت في المعدة غايتها، وكما أن الطعام كلما كان ألذ طعما، وأكثر دسما، وأظهر حلاوة; كان رجيعه أقذر) ، أي: ما خرج من بطنه أكثر قذرا (وأشد نتنا، وكذلك كل شهوة في القلب هي أشهى وألذ وأقوى، فنتنها وكراهتها والتأذي بها عند الموت أشد، بل هي في الدنيا مشاهدة، فإن من نهبت داره، وأخذ أهله، وولده، وماله، فتكون مصيبته، وألمه، وتفجعه في كل ما فقد بقدر لذته به، وحبه له، وحرصه عليه، فكل ما كان عند الوجود أشهى عنده، وألذ فهو عند الفقد أدهى وأمر، ولا معنى للموت إلا فقد ما في الدنيا) ، ومن هنا، قال من قال:


ومن سره أن لا يرى ما يسوؤه فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا

(وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للضحاك بن سفيان) بن عوف بن أبي بكر بن كلاب أبي سعيد (الكلابي) كان من عمال النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقات، وروى البغوي، وابن قانع أنه كان سيافا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على رأسه متوشحا بسيفه، روى له الأربعة أرباب السنن: (ألست تؤتى بطعامك وقد ملح) ، أي: أصلح بالملح (وقزح) ، أي: أصلح بالقزح بكسر فسكون، وهي الأبزار، وقزح قدره بالتخفيف والتثقيل جعل فيها القزح (ثم تشرب عليه اللبن، والماء؟ قال: بلى، قال: فإلى ما يصير) ، أي: يرجع، (قال: إلى ما قد علمت يا رسول الله، قال: فإن الله - عز وجل - ضرب مثل الدنيا لما يصير إليه طعام ابن آدم) .

قال العراقي: رواه أحمد، والطبراني بنحوه، وفيه علي بن زيد بن جدعان مختلف فيه اهـ، ولفظ القوت: وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الدنيا بما يخرج من نحو ابن آدم بقوله للأعرابي: أرأيتم ما تأكلون وتشربون، تنظفون وتطيبون، وتبردون؟ قال: بلى، قال: فإلى أي شيء يصير؟ قال: إلى ما قد علمت يا رسول الله، قال: أليس أحدكم يقعد خلف بيته فيجعل يده على أنفه من نتن ريحه؟ قال: نعم، قال: فإن الله جعل الدنيا مثلا لما يخرج من ابن آدم .

(وقال أبي بن كعب) - رضي الله عنه -: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الدنيا ضربت مثلا لابن آدم، فانظر إلى ما يخرج من ابن آدم، وإن قزحه وملحه) بالتشديد فيهما، وبروايات بالتخفيف أيضا (إلى ما يصير) يعني ما يخرج منه كان قبل ذلك ألوانا من أطعمة طيبة ناعمة، وشرابا سائغا، فصارت عاقبته إلى ما ترى .

قال العراقي: رواه الطبراني، وابن حبان بلفظ: إن مطعم ابن آدم قد ضرب للدنيا مثلا، ورواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند بلفظ: جعل. ا ه .

قلت: وقد رواه أحمد أيضا، ولفظهم جميعا: إن مطعم ابن آدم ضرب مثلا للدنيا، وإن قزحه وملحه، فانظر إلى ما يصير.

قال المنذري: إسناد جيد قوي .

(وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله ضرب الدنيا لمطعم ابن آدم مثلا، وضرب مطعم ابن آدم للدنيا مثلا، وإن قزحه وملحه) .

قال العراقي: في الشطر الأول منه غريب، والشطر الأخير هو الذي تقدم من حديث الضحاك بن سفيان: إن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا. ا ه .

قلت: ولفظ القوت: ورواه يحيى السعدي، عن أبي بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ضرب، فذكره مثل سياق المصنف، وزاد في آخره: فانظر ما يخرج من ابن آدم.

(قال الحسن) - رحمه الله تعالى -: (وقد رأيتهم يطيبونه بالأفاويه) ، أي: التوابل (والطيب، ثم يرمونه بأخبث ما رأيتم) نقله صاحب القوت، (وقد قال الله - عز وجل -: فلينظر الإنسان إلى طعامه، قال ابن عباس: إلى رجيعه) كيف صار، وإلى ما آل؟ نقله صاحب القوت .

ويروى عن ابن عباس أنه لما أهبط آدم إلى الأرض وأحدث، نظر إلى ما خرج منه، وأتاه ريحه، فاغتم لذلك، فقال له: جبريل: هذه رائحة خطيئتك .

(وقال رجل لابن عمر) - رضي الله عنه -: (إني أريد أن أسألك، وأستحي، قال: فلا تستحي وسل) عما بدا لك (قال: إذا قضى أحدنا حاجته، فقام نظر إلى ذلك منه، قال: نعم، إن الملك يقول: له: انظر إلى ماذا صار) نقله صاحب القوت، وقال: فهذه مشاهدة ذوي الألباب الذين فهموا عن الله تعالى باطن الخطاب من قوله تعالى: وفي أنفسكم أفلا تبصرون قيل: مجاري الطعام والشراب إلى ما يؤول، فيزهدون في أوله; إذ قد كوشفوا بآخره .

(وكان بشير) مصغرا (ابن كعب) [ ص: 113 ] بن أبي الحميري العدوي أبو أيوب البصري، مخضرم، قال النسائي، وابن سعد: ثقة، احتفر قبرا في طاعون الجارف، فقرأ فيه القرآن، فلما مات دفن فيه .

ذكره مسلم في مقدمة كتابه، وروى له الباقون (يقول: انطلقوا حتى أريكم الدنيا، فذهب بهم إلى السوق، وهي مزبلة، فيقول: انظروا إلى ثمارهم، ودجاجهم، وعسلهم، وسمنهم) نقله صاحب القوت قال: وفي حديث الحسن: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على مزبلة، فقال: من سره أن ينظر إلى الدنيا بحذافيرها، فلينظر إلى هذه المزبلة.

قال: وروي عن عمر أنه مر بمزبلة، فاحتبس عندها، فكأن أصحابه تأذوا من ذلك، فقال: هذه دنياكم التي تحرصون عليها.

(مثال آخر في نسبة الدنيا إلى الآخرة) ، أي: إنها حقيرة (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الدنيا في الآخرة) ، أي: في جنبها، وبالإضافة إليها، وهو حال عاملها معنى النفي، وقد يقدر، أي: ما قدر الدنيا واعتبارها، فهو العامل (إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم) ، أي: البحر (فلينظر أحدكم بم يرجع إليه) ، فإنه لا يجدي لواجديه، ولا يضر فقده لفاقديه .

أخرجه أبو نعيم في الحلية، قال: أخبرت عن سهل بن السري البخاري، وأذن له في الرواية عنه، قال: حدثنا محمد بن علي بن سهل، حدثنا النضر بن سلمة، حدثنا إبراهيم بن الأشعث، عن فضيل بن عياض، عن سليمان الشيباني، وبيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن المستورد بن شداد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع.

قال أبو نعيم: وهو غريب، من حديث فضيل، عن سليمان، وصححه، ورواه إسماعيل بن زيد، حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا فضيل، عن إسماعيل بن خالد، عن قيس، عن المستورد، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ا ه .

ورواه الحاكم في المستدرك، عن المستورد، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتذاكروا في الدنيا والآخرة، فقال بعضهم: إنما الدنيا بلاغ للآخرة فيها العمل، وقالت طائفة: الآخرة فيها الجنة، وقالوا ما شاء الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم فأدخل أصبعه فيه، فما خرج منه فهو الدنيا، قال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي، ثم اعلم أن المثل إنما يضرب عن غائب بحاضر يشبهه من بعض وجوهه، أو معظمها، وما لا شبه له منع فيه من ضرب المثل، ومثل الدنيا بالذي يعلق بالأصبع من البحر تقريبا للعوام في احتقار الدنيا، وإلا فالدنيا كلها في جنب الجنة ودوامها أقل; لأن البحر يفنى بالقطرات، والجنة لا تبيد، ولا ينفد نعيمها، بل يزيد للواحد من العبيد، فكيف بجميع أهل التوحيد .




الخدمات العلمية