الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الآثار بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جماعة من رعيته اشتكوا من عماله فأمرهم أن يوافوه فلما أتوه قام فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال أيها الناس : أيتها الرعية ، إن لنا عليكم حقا النصيحة بالغيب والمعاونة على الخير أيتها الرعاة إن للرعية عليكم حقا فاعلموا ، أنه لا شيء أحب إلى الله ، ولا أعز من حلم إمام ، ورفقه وليس ، جهل أبغض إلى الله ، ولا أغم من جهل إمام وخرجه ، واعلموا أنه من يأخذ بالعافية فيمن بين ظهريه يرزق العافية ممن هو دونه .

وقال وهب بن منبه الرفق بني الحلم .

وفي الخبر موقوفا ، ومرفوعا : العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله والعمل قيمه والرفق والده واللين أخوه والصبر أمير جنوده وقال بعضهم : ما أحسن الإيمان يزينه العلم ، وما أحسن العلم يزينه العمل ، وما أحسن العمل يزينه الرفق ، وما أضيف شيء إلى شيء مثل حلم إلى علم وقال عمرو بن العاص لابنه عبد الله ما الرفق ? قال : تكون ذا أناة فتلاين الولاة قال : فما الخرق ? قال : معاداة إمامك ومناوأة من يقدر على ضررك وقال سفيان لأصحابه تدرون : ما الرفق ? قالوا : قل يا أبا محمد ، قال : أن تضع الأمور مواضعها ; الشدة في موضعها ، واللين في موضعه ، والسيف في موضعه ، والسوط في موضعه وهذه إشارة إلى أنه لا بد من مزج الغلظة باللين ، والفظاظة بالرفق كما قيل .


ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى

فالمحمود وسط بين العنف واللين ، كما في سائر الأخلاق ولكن لما كانت الطباع إلى العنف والحدة أميل ، كانت الحاجة إلى ترغيبهم في جانب الرفق أكثر ; فلذلك كثر ثناء الشرع على جانب الرفق دون العنف وإن كان العنف في محله حسنا ، كما أن الرفق في محله حسن ، فإذا كان الواجب هو العنف ، فقد وافق الحق الهوى ، وهو ألذ من الزبد بالشهد وهكذا وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله روي أن عمرو بن العاص كتب إلى معاوية يعاتبه في التأني فكتب إليه معاوية أما بعد ، فإن الفهم في الخير زيادة رشد وإن الرشيد من رشد عن العجلة وإن الخائب من خاب عن الأناة وإن المتثبت مصيب أو كاد أن يكون مصيبا ، وإن العجل مخطئ أو كاد أن يكون مخطئا وأن ، من لا ينفعه الرفق يضره الخرق ، ومن لا ينفعه التجارب لا يدرك المعالي وعن أبي عون الأنصاري قال : ما تكلم الناس بكلمة صعبة إلا وإلى جانبها كلمة ألين منها تجري مجراها وقال أبو حمزة الكوفي لا تتخذ من الخدم إلا ما لا بد منه ، فإن مع كل إنسان شيطانا واعلم أنهم لا يعطونك بالشدة شيئا إلا أعطوك باللين ما هو أفضل منه وقال الحسن المؤمن وقاف متأن وليس كحاطب ليل فهذا ثناء أهل العلم على الرفق ; وذلك لأنه محمود ومفيد في أكثر الأحوال ، وأغلب الأمور ، والحاجة إلى العنف قد تقع ، ولكن على الندور وإنما الكامل من يميز مواقع الرفق عن مواضع العنف فيعطي كل أمر حقه ، فإن كان قاصر البصيرة أو أشكل عليه حكم واقعة من الوقائع ، فليكن ميله إلى الرفق فإن النجح معه في الأكثر .

التالي السابق


(الآثار)

روي أنه (بلغ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن جماعة من عماله) جمع عامل، وهم الذين ولاهم على بعض الأعمال (اشتكوا) ، أي: شكاهم بعض الرعايا (فأمرهم أن يوافوه) ، أي: يلاقوه (فلما أتوه قام فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيتها الرعية، إن لنا عليكم حقا) ، أي: حقان; سقطت النون للإضافة، أحدهما: (النصيحة بالغيب) ، أي: ينصحون ولاة الأمور على غيبتهم (و) الثاني: (المعاونة على الخير) ، أي: يعاون بعضهم بعضا في أمور الخير، (أيتها الرعاة) ، أي: الولاة، والعمال (إن للرعية عليكم حقا، واعلموا أنه لا حلم أحب إلى الله، ولا أعز من حلم إمام، ورفقه، وليس جهل أبغض إلى الله، ولا أغم من جهل إمام وخرقه، واعلموا أنه من يأخذ بالعافية فيمن بين ظهريه يرزق العافية ممن هو دونه) .

أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب، (وقال وهب بن منبه) - رحمه الله تعالى -: (الرفق بني الحلم) تصغير الابن، أي: ثمرته، ونتيجته، منه يتولد .

أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب، وأبو نعيم في الحلية، (وفي الخبر موقوفا، ومرفوعا: العلم) ، أي: الشرعي النافع (خليل المؤمن) ; لأنه لا نجاة، ولا نور إلا به، فكأنه خالل المؤمن، بمحبته يطلبه عند غيبته، ويتمسك به عند وجوده، ويستضيء بنوره عند جهله (والحلم وزيره) ، أي:

[ ص: 49 ] معينه المتحمل لأثقاله، ويستعين به على أموره الدينية والدنيوية; ولهذا قيل: ما ضم شيء إلى شيء أحسن من الحلم إلى العلم (والعقل دليله) ، أي: يرشده من جهله (والعمل قيمه) ، وفي رواية: قائده، أي: القائم بحفظ أصله، والمراد به العمل بمقتضى كل من العلم والحلم والعقل، (والرفق والده) لا يصدر في أمر إلا بمراجعته وطاعته; رجاء بركته، والمراد أصله الذي نشأ منه، ويتفرع عليه، وكل من كان سببا لإيجاد شيء، أو إصلاحه، أو ظهوره يسمى أبا، (واللين أخوه) لا ينفصل، ولا يتصل، ولا يستقل دونه، (والصبر أمير جنوده) جعل ما تقدم جنودا، وأميرها الصبر لا يعمل كل منها فيما أهل له إلا به; لأن عجلة النفس وخفتها تفسد كل خلق حسن ما لم يتقدم الصبر أمامها، ويصير إمامها .

قال العراقي: رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب وفضائل الأعمال، من حديث أنس بسند ضعيف، ورواه القضاعي في مسند الشهاب من حديث أبي الدرداء، وأبي هريرة، وكلاهما ضعيف. ا ه .

قلت: رواه ابن أبي الدنيا هكذا موقوفا ومرفوعا، ورواه البيهقي عن الحسن البصري مرسلا، ولفظه: العلم خليل المؤمن، والعقل دليله، والعمل قيمه، والحلم وزيره، والصبر أمير جنوده، والرفق والده، واللين أخوه .

وفيه سوار بن عبد الله العنبري قاضي البصرة، وقد تقدم أنه ثقة، لكن تكلم فيه الثوري لأجل دخوله في القضاء، وفيه عبد الرحمن بن عثمان أبو بحر البكراوي، قال أحمد: طرح الناس حديثه، قال الحاكم في نوادر الأصول، عن ابن عباس، قال: كنت ذات يوم رديفا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ قلت: بلى، قال: عليك بالعلم، فإن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قيمه ، والرفق أبوه، واللين أخوه، والصبر أمير جنوده.

(وقال بعضهم: ما أحسن الإيمان بزينة العلم، وما أحسن العلم بزينة العمل، وما أحسن العمل بزينة الرفق، وما أضيف شيء إلى شيء مثل حلم إلى علم) .

أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب، (وقال عمرو بن العاص) بن وائل السهمي القرشي (لابنه عبد الله) - رضي الله عنهما -: (ما الرفق؟ قال: أن تكون ذا إناة) بالكسر اسم من التأني، وهو التثبت في الأمور، وعدم التسرع فيها، (وتلاين الولاة) ، أي: تلاطفهم، وتصانعهم في القول والعمل، (قال: فما الخرق؟ قال: معاداة إمامك) ، أي: ولي الأمر (ومناواة) ، أي: معارضة (من يقدر على ضررك) .

أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب (وقال سفيان) بن عيينة (لأصحابه: أتدرون ما الرفق؟ قالوا: قل يا أبا محمد، قال: أن تضع الأمور مواضعها; الشدة في موضعها، واللين في موضعه، والسيف في موضعه، والسوط في موضعه) .

أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب، وغلط من زعم أنه سفيان الثوري، فإن الثوري يكنى أبا عبد الله، (وهذا إشارة إلى أنه لا بد من مزج الغلظة باللين، والفظاظة بالرفق كما قيل) قائله أبو الحسين أحمد بن الحسين المتنبي:


(ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى)

(فالمحمود) من ذلك (وسط بين العنف واللين، كما في سائر الأخلاق) على ما سبق ذكره في كتاب رياضة النفس .

(ولكن لما كانت الطباع إلى العنف والحدة أميل، كانت الحاجة إلى ترغيبهم في جانب الرفق أكثر; فلذلك كثر ثناء الشرع على جانب الرفق) في أخبار تقدم ذكرها (دون العنف) ، بل ورد فيه ما يصرح بذمه وتقبيحه، (وإن كان العنف في محله) حيث أمره الشرع (حسنا، كما أن الرفق في محله حسن، فإذا كان الواجب هو العنف، فقد وافق الحق الهوى، وهو ألذ من الزبد) إذا خلط (بالشهد) بالضم، وهو العسل الأبيض (هكذا قاله عمر بن عبد العزيز) .

كما أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب (وروي أن عمرو بن العاص كتب إلى معاوية) - رضي الله عنهما - (يعاتبه في التأني) ، ويحض على اغتنام الفرصة في أمر كان قصده، (فكتب إليه معاوية) في الجواب: (أما بعد، فإن التفهم في الخير زيادة) علم و (رشد) من الضلالة (وإن الرشيد من رشد عن العجلة) ، أي: استبصر، فلم يعجل في أمره (وإن الخائب من خاب عن [ ص: 50 ] الإناة) بالكسر اسم من التأني (وإن المتثبت) في أمره (مصيب) ، أي: واجد الصواب (أو كاد أن يكون مصيبا، وإن العجل في) الأمور (مخطئ) عن طريق الصواب، (أو كاد أن يكون مخطئا، وإن من لا ينفعه الرفق يضره الخرق، ومن لا تنفعه التجارب لا يدرك المعالي) .

أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب، (وعن أبي عون الأنصاري) الأعور الشامي اسمه عبد الله بن أبي عبد الله، مقبول، روى له النسائي (قال: ما تكلم الناس بكلمة صعبة إلا وإلى جانبها كلمة ألين منها تجري مجراها) .

أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب، (وقال أبو حمزة الكوفي) اسمه سيار، مقبول، روى له البخاري في كتاب الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، ووقع في الإسناد، عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، والصواب، عن سيار أبي حمزة، فإنه هو الذي روى عن طارق بن شهاب، وأما سيار أبو الحكم العنزي، فإنه لم تثبت روايته عن طارق، نبه عليه الحافظ في مختصر التهذيب: (لا تتخذ من الخدم إلا ما لا بد منه، فإن مع كل إنسان شيطانا) فإكثار الخدم إكثار من الشياطين (واعلم أنهم لا يعطونك بالشدة شيئا إلا أعطوك باللين ما هو أفضل منه) .

أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الغضب، (وقال الحسن) البصري - رحمه الله تعالى -: (المؤمن وقاف) ، أي: كثير الوقوف والتثبت (متأن) في أموره (وليس كحاطب ليل) ; إذ لا يخوض فيما لا يعنيه، فإن الذي يجمع الحطب بالليل يوشك أن يلم ما يؤذيه من حية، وغيرها، يظنه حطبا .

أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الغضب (فهذا ثناء أهل العلم على الرفق; وذلك لأنه محمود) العاقبة (مفيد في أكثر الأحوال، وأغلب الأمور، والحاجة إلى العنف قد تقع، ولكن على الندور) ، والقلة (وإنما الكامل من يميز مواقع الرفق عن مواقع العنف) بحسن تبصرة (فيعطي كل أمر حقه، فإن كان قاصر البصيرة) عن التمييز (أو أشكل عليه حكم واقعة من الوقائع، فليكن ميله إلى الرفق) دون العنف، (فإن النجح معه) ، أي: مع الرفق (في الأكثر) ، وإن لم يصب، فلا تلحقه مذمة، والله أعلم .




الخدمات العلمية