الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
فإذا : لا فائدة إلا في اجتماع الثلاث ، وهي المعرفة والكراهة والإباء .

فالإباء ثمرة الكراهة ، والكراهة ثمرة المعرفة ، وقوة المعرفة بحسب قوة الإيمان ونور العلم وضعف المعرفة بحسب الغفلة ، وحب الدنيا ، ونسيان الآخرة ، وقلة التفكر فيما عند الله وقلة التأمل في آفات الحياة الدنيا وعظيم نعيم الآخرة ، وبعض ذلك ينتج بعضا ويثمره وأصل ذلك كله حب الدنيا ، وغلبة الشهوات فهو رأس كل خطيئة ، ومنبع كل ذنب لأن حلاوة حب الجاه والمنزلة ، ونعيم الدنيا ، هي التي تغضب القلب ، وتسلبه ، وتحول بينه وبين التفكر في العاقبة والاستضاءة ، بنور الكتاب والسنة ، وأنوار العلوم .

فإن قلت : فمن صادف من نفسه كراهة الرياء ، وحملته الكراهة على الإباء ، ولكنه مع ذلك غير خال عن ميل الطبع إليه وحبه له ، ومنازعته إياه ، إلا أنه كاره لحبه ولميله إليه ، وغير محبب إليه ، فهل يكون في زمرة المرائين فاعلم أن الله لم يكلف العباد إلا ما تطيق وليس في طاقة العبد منع الشيطان عن نزغاته ولا قمع الطبع حتى لا يميل إلى الشهوات ولا ينزع إليها ، وإنما غايته أن يقابل شهوته بكراهة استثمارها من معرفة العواقب ، وعلم الدين ، وأصول الإيمان بالله واليوم الآخر ، فإذا فعل ذلك فهو الغاية في أداء ما كلف به .

ويدل على ذلك من الأخبار ما روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا إليه وقالوا : تعرض لقلوبنا أشياء لأن نخر من السماء فتخطفنا الطير أو تهوي بنا الريح في مكان سحيق أحب إلينا من أن نتكلم بها فقال صلى الله عليه وسلم أو قد وجدتموه ? قالوا : نعم قال : ذلك صريح الإيمان ولم يجدوا إلا الوسواس والكراهة له، ولا يمكن أن يقال: أراد بصريح الإيمان الوسوسة، فلم يبق إلا حمله على الكراهة المساوقة للوسوسة، والرياء فإنه وإن كان عظيما فهو دون الوسوسة في حق الله تعالى، فإذا اندفع ضرر الأعظم بالكراهة فبأن يندفع بها ضرر الأصغر أولى. وكذلك يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس أنه قال: الحمد لله الذي رد كيد الشيطان إلى الوسوسة .

» وقال أبو حازم « ما كان من نفسك وكرهته نفسك لنفسك فلا يضرك ما هو من عدوك ، وما كان من نفسك فرضيته نفسك لنفسك فعاتبها عليه .

فإذا » : وسوسة الشيطان ومنازعة النفس لا تضرك مهما رددت مرادهما بالإباء والكراهة ، والخواطر التي هي العلوم والتذكرات والتخيلات للأسباب المهيجة للرياء هي من الشيطان ، والرغبة والميل بعد تلك الخواطر من النفس والكراهة من الإيمان ، ومن آثار العقل إلا أن للشيطان ههنا مكيدة ، وهي أنه إذا عجز عن حمله على قبول الرياء خيل إليه أن صلاح قلبه في الاشتغال بمجادلة الشيطان ومطاولته في الرد والجدال ؛ حتى يسلبه ثواب الإخلاص وحضور القلب لأن الاشتغال بمجادلة الشيطان ومدافعته انصراف عن سر المناجاة مع الله فيوجب ذلك نقصانا في منزلته عند الله .

والمتخلصون عن الرياء في دفع خواطر الرياء على أربع مراتب :

الأولى : أن يرده على الشيطان فيكذبه ، ولا يقتصر عليه ، بل يشتغل بمجادلته ويطيل الجدال معه ؛ لظنه أن ذلك أسلم لقلبه وهو على التحقيق نقصان لأنه اشتغل عن مناجاة الله ، وعن الخير الذي هو بصدده وانصرف إلى قتال قطاع الطريق ، والتعريج على قتال قطاع الطريق نقصان في السلوك .

التالي السابق


(فإذا: لا فائدة إلا في اجتماع الثلاث، وهي المعرفة والكراهة والإباء، فالإباء ثمرة الكراهة، والكراهة ثمرة المعرفة، وقوة المعرفة بحسب قوة الإيمان ونور العلم) فكلما كان نور العلم زائدا قوي الإيمان، وبقوته تقوى المعرفة، وبقوتها تظهر ثمرتها، وهي كراهة الرياء .

(وضعف المعرفة بحسب) وفي نسخة: بسبب ضعف الإيمان الناشئ عن (الغفلة، وحب الدنيا، ونسيان الآخرة، وقلة التفكير فيما عند الله) من الأجر والنعيم (وقلة التأمل في آفات الحياة الدنيا) ومنغصاتها (و) قلة التأمل في (نعيم الآخرة، وبعض ذلك ينتج بعضا ويثمره) ويفيده .

(وأصل ذلك كله حب الدنيا، وغلبة الشهوات) إلى متاعها (فهو رأس كل خطيئة، ومنبع كل ذنب) كما روي من مرسل الحسن البصري: "حب الدنيا رأس كل خطيئة" رواه البيهقي في الشعب بسند حسن، ورواه أبو نعيم في الحلية من قول عيسى -عليه السلام- ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب مكايد الشيطان من قول مالك بن دينار، ورواه ابن يونس في تاريخ مصر من قول سعد بن مسعود التجيبي، وقد تقدم ذلك .

(لأن حلاوة حب الجاه والمنزلة، ونعيم الدنيا، هي التي تغضب القلب، وتسلبه، وتحول بينه وبين التفكير في العاقبة، والاستبصار بنور الكتاب والسنة، وأنوار العلم) ومعرفة طريق الهداية والتوفيق .

(فإن قلت: فمن صادف من نفسه كراهة الرياء، وحملته الكراهة على الإباء، ولكنه مع ذلك غير خال عن ميل الطبع إليه، وجدله ومنازعته إياه، إلا أنه كاره لحبه ولميله، وغير محبب إليه، فهل يكون في زمرة المرائين) نظرا إلى ذلك الميل، أو لا يعد في زمرتهم نظرا إلى كراهته ونفرته منه؟

(فاعلم أن الله تعالى لم يكلف العبد إلا ما يطيق) ويقدر عليه (وليس في طاقة العبد منع الشيطان من نزغاته) بالكلية (ولا قمع الطبع حتى لا يميل إلى الشهوات) أصلا (ولا ينزع إليها، وإنما غايته أن يقابل شهوته بكراهة استثارها من معرفة العواقب، وعلم الدين، وأصول الإيمان بالله واليوم الآخر، فإذا فعل ذلك فهو الغاية فيما كلفه) وفي نسخة: في أداء ما كلف .

(ويدل على ذلك من الأخبار ما روي أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شكوا إليه وقالوا: تعرض لقلوبنا أشياء لأن نخر من السماء) أي: نسقط (فتخطفنا الطير أو تهوي بنا الريح في مكان سحيق) أي: بعيد الغور (أحب إلينا من أن نتكلم بها فقال) صلى الله عليه وسلم: (أوقد وجدتموه؟ قالوا: نعم) وجدناه (قال: ذلك صريح الإيمان) .

قال العراقي: رواه مسلم من حديث ابن مسعود مختصرا: "سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الوسوسة فقال: ذلك محض الإيمان" ورواه النسائي في اليوم والليلة، وابن حبان في صحيحه، ورواه النسائي فيها من حديث عائشة. اهـ .

قلت: لفظ المصنف أخرجه البزار من حديث عمارة بن أبي حسن المازني، عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم "أن الناس سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الوسوسة التي [ ص: 296 ] يجدها أحدهم لأن يسقط من عند الثريا أحب إليه من أن يتكلم به، قال: ذاك صريح الإيمان، إن الشيطان يأتي العبد فيما دون ذلك، فإذا عصم منه وقع فيما هنالك" وإسناده صحيح .

وقد رواه أيضا لكنه مختصرا مسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة، والطبراني في الأوسط من حديث ابن مسعود، وأما حديث عائشة فلفظه: "شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ما يجدون من الوسوسة، قال: ذلك محض الإيمان" هكذا رواه أحمد. ورواه أبو يعلى من حديث أنس، ورواه الطبراني في الكبير من حديث ابن مسعود.

(ولم يجدوا إلا الوسواس والكراهة له، ولا يمكن أن يقال: أراد بصريح الإيمان الوسوسة، فلم يبق إلا حمله على الكراهة المساوقة للوسوسة، والرياء فإنه وإن كان عظيما) في حد نفسه (فهو دون الوسوسة في حق الله تعالى، فإذا اندفع ضرر الأعظم بالكراهة فبأن يندفع بها ضرر الأصغر أولى .

وكذلك يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن عباس) رضي الله عنهما (أنه قال: "الحمد لله الذي رد كيد الشيطان إلى الوسوسة") قال العراقي: رواه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة بلفظ: "كيده" بإسناد جيد. انتهى .

قلت: لفظ المصنف أخرجه أحمد والطيالسي "أنه قال لرجل قال: إني لأتحدث بشيء لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به، فكبر النبي -صلى الله عليه وسلم- مرتين، وقال: الحمد لله" فذكره .

ورواه الطيالسي أيضا، وأبو داود، والترمذي وضعفه، والطبراني، والبيهقي بلفظ: "الحمد لله الذي لم يقدر منكم إلا على الوسوسة".

وعند الطبراني من حديث معاذ قال: قلت: "يا رسول الله إنه ليعرض في نفسي الشيء لأن أكون حممة أحب إلي من أن أتكلم به، فقال: الحمد لله؛ إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضي هذه، ولكنه قد رضي بالمحقرات من أعمالكم".

(وقال أبو حازم) سلمة بن دينار الأعرج المدني رحمه الله تعالى: ("ما كان من نفسك فكرهته نفسك لنفسك فلا يضرك ما هو من عدوك، وما كان من نفسك فرضيته نفسك لنفسك فعاتبها عليه") أخرجه أبو نعيم في الحلية بنحوه .

(فإذا: وسوسة الشيطان ومنازعة النفس لا تضرك مهما رددت مرادهما بالإباء والكراهة، والخواطر التي هي العلوم والتذكرات والتخيلات للأسباب المهيجة) وفي نسخة: المنتجة (للرياء من الشيطان، والرغبة والميل بعد تلك الخواطر من النفس) فالشيطان يوسوس بتلك الخواطر، والنفس ترغب إليها (والكراهة من الإيمان، ومن آثار العقل) فإنه من قوي إيمانه واستنار عقله لا يرغب إلى تلك الخواطر، بل يكرهها (إلا أن للشيطان ههنا مكيدة، وهي أنه إذا عجز عن حمله على قبول الرياء خيل إليه أن إصلاح قلبه في الاشتغال بمجادلة الشيطان) ومحاولته (ومطاولته في الرد والجدال؛ حتى يسلبه ثواب الإخلاص) في العبادة (وحضور القلب) مع الله (لأن الاشتغال بمجادلة الشيطان ومدافعته) عنه (انصراف عن سر المناجاة مع الله) لكون ذلك شغلا بالسوي .

(فيوجب ذلك نقصانا في منزلته عند الله تعالى، والمتخلصون عن الرياء في دفع خواطر الرياء على أربع مراتب:

الرتبة الأولى: أن يرد على الشيطان مكيدته، ولا يقتصر عليه، بل يشتغل بمجادلته) بكل ممكن (ويطول جداله معه؛ لظنه أن ذلك أسلم لقلبه) وأخلص له (وهو على التحقيق نقصان) وليس بكمال (لأنه اشتغل عن مناجاة الله تعالى، وعن الخير الذي هو بصدده) وهو الوصول إلى مرتبة القرب (وانصرف إلى قتال قطاع الطريق، والتعريج على قتال) وفي نسخة: والتفرغ إلى قتال (قطاع الطريق نقصان في السلوك) عند أهل السلوك .




الخدمات العلمية