الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقال سعيد بن المسيب من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك ، وعن شماله ملك فإن أذن وأقام صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة .

التالي السابق


(وقال سعيد بن المسيب ) التابعي رحمه الله تعالى -تقدمت ترجمته-: (من صلى بأرض فلاة) ، أي: الخلاء، (صلى عن يمينه ملك، وعن شماله ملك) ، أي: إكراما له، (فإن أذن وأقام صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة) ، وقد روى ابن الضريس من حديث جابر مرفوعا: "من صلى ركعتين في خلاء لا يراه إلا الله والملائكة، كتبت له براءة من النار".



(تنبيه)

قد بقيت في فضيلة الأذان أحاديث وآثار لم يذكرها المصنف، منها عن أنس مرفوعا: "من أذن سنة عن نية صادقة لا يطلب عليه أجرا، دعي يوم القيامة، ووقف على باب الجنة، فقيل له: اشفع لمن شئت". أخرجه ابن عساكر وابن النجار، والرافعي وأبو عبد الله الحسين بن جعفر الجرجاني في أماليه، وحميد بن يوسف السهمي في معجمه من طريق موسى الطويل عنه، وأخرج الترمذي وابن ماجه وأبو الشيخ في الأذان عن ابن عباس : "من أذن سبع سنين محتسبا كتبت له براءة من النار". قال الترمذي : غريب، وأخرج ابن ماجه والطبراني وأبو الشيخ عن ابن عمر : من أذن ثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة، وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة، وبإقامته ثلاثون حسنة".

وأخرج أبو الشيخ في كتاب الأذان، والخطيب وابن النجار عن أبي هريرة: "من أذن خمس صلوات إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن أم أصحابه خمس صلوات إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه". وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه عن معاوية: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة". وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رفعه: "المؤذن يغفر له مد صوته، ويصدقه كل رطب ويابس". وأخرج أيضا عن ابن عمر أنه قال لرجل: "ما عملك؟ قال: الأذان، قال: نعم العمل، يشهد لك كل شيء سمعك".

وأخرج أيضا عن عمر بن الخطاب قال: "لو أطقت الأذان مع الخليفي لأذنت". وأخرج أيضا عن سعد : "لأن أقوى على الأذان أحب إلي من أني أحج وأعتمر وأجاهد". وأخرج أيضا عن ابن مسعود : "لو كنت مؤذنا ما باليت أن لا أحج، ولا أغزو". وأخرج أيضا من طريق هشام بن يحيى قال: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو علم الناس ما في الأذان لتحاربوه". وأخرج أيضا وسعيد بن منصور عن الحسن قال: "المؤذن المحتسب أول من يكسى يوم القيامة".



استطراد

قال الحافظ في "تخريج الأذكار": قد اختلف في معنى "أطول الناس أعناقا"، فروي عن أبي داود أنه قال: معناه: أن الناس يعطشون يوم القيامة، ومن عطش التوت عنقه، والمؤذنون لا يعطشون، فأعناقهم قائمة. وجاء عن النضر بن شميل نحو ذلك، وقال ابن حبان في صحيحه: أن المراد أن أعناقهم تمتد شوقا للثواب، وقال غيره: تمتد لكونهم كانوا يمدونها عند رفع الصوت في الدنيا، فمدت يوم القيامة ليمتازوا بذلك عن غيرهم، وفي هذا إبقاء [ ص: 8 ] للطول على حقيقته، وقيل: المعنى أن الناس إذا ألجمهم العرق لم يلجمهم، وهذا إذا انضم إلى الذي قبله بين ثمرته، ومنهم من حمل الأعناق والطول على معنى آخر، فقال: هو جمع عنق، بمعنى جماعة، فكأنه قيل: إنهم أكثر الناس أتباعا؛ لأن من أجاب دعوتهم يكون معهم، وقيل: معنى العنق العمل، فكأنه قيل: أكثر الناس أعمالا، وقيل: المراد أنهم رؤوس الناس، والعرب تصف السيد بطول العنق، وهذا عن ابن الأعرابي، وشذ بعضهم، فكسر الهمزة وقال: الإعناق بمعنى العنق، محركة، وهو ضرب من السير السريع، والمعنى أنهم أسرع الناس سيرا إلى الجنة، فهذه ثمانية أقوال جمعتها من متفرقات كلامهم، والله أعلم .




الخدمات العلمية