الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأجمع دعاء مأثور ما روي في الصحيح عن عوف بن مالك قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة : فحفظت من دعائه : اللهم اغفر له ، وارحمه ، وعافه ، واعف عنه ، وأكرم نزله ، ووسع مدخله ، واغسله بالماء والثلج والبرد ، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، وأبدله دارا خيرا من داره ، وأهلا خيرا من أهله ، وزوجا خيرا من زوجه ، وأدخله الجنة ، وأعذه من عذاب القبر ، ومن عذاب النار حتى ، قال عوف تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت .

التالي السابق


( و) قال البخاري وسائر الحفاظ: ( أجمع دعاء مأثور) عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجنازة وأصحها هو ( ما روي في الصحيح عن) أبي عبد الرحمن ( عوف بن مالك) بن أبي عون الأشجعي الغطفاني رضي الله عنه، ويقال في كنيته أيضا: أبو عبد الله، ويقال أبو محمد، ويقال أبو حماد، ويقال أبو عمرو: شهد فتح مكة، ويقال: كانت معه راية أشجع يومئذ، ثم نزل الشام، وسكن دمشق، ومات سنة ثلاث وسبعين، روى له الجماعة، ( قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة: فحفظت من دعائه، وهو يقول: اللهم اغفر لي وله، وارحمني وارحمه، وعافني وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار، قال عوف) رضي الله عنه راوي هذا الحديث: ( حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت) هكذا في سائر نسخ الكتاب، قال العراقي : أخرجه مسلم دون الدعاء للمصلي. ا هـ. أي: نص مسلم: اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه.. إلخ، وهكذا رواه الترمذي والنسائي أيضا، وقد وجدت أيضا في بعض نسخ الكتاب موافقا لما عند الجماعة، وكأنه من تصليح النساخ والدعاء الذي ذكره الشافعي التقطه من عدة أحاديث قاله البيهقي، قال البيهقي : وما ذكره في الروضة عن أبي هريرة رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم. قال: وله شاهد صحيح، فرواه من حديث أبي سلمة، عن عائشة نحوه، وأعله الدارقطني بعكرمة بن عمار، وقال: إنه يتهم في حديثه، وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فقال: الحفاظ لا يذكرون أبا هريرة إنما يقولون: أبو سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ا هـ، ورواه أحمد والنسائي والترمذي من حديث أبي إبراهيم الأشهلي، عن أبيه مرفوعا مثل حديث أبي هريرة ، قال البخاري : أصح هذه الروايات رواية أبي إبراهيم، عن أبيه. نقله عنه الترمذي، قال: فسألته عن أبيه، فلم يعرفه، وقال ابن أبي حاتم : عن أبيه أو إبراهيم مجهول، وقد توهم بعض الناس أنه عبد الله بن أبي قتادة، وهو غلط؛ لأن أبا إبراهيم من بني عبد الأشهل، وأبو قتادة من بني سلمة، وقال البخاري : أصح حديث في هذا الباب حديث عوف بن مالك، وقال بعض العلماء: اختلاف الأحاديث في ذلك محمول على أنه كان يدعو على ميت بدعاء، وعلى آخر بغيره، والذي أمر به أصل الدعاء، ثم قال في الروضة: وإن كان طفلا اقتصر على رواية أبي هريرة ، ويضم إليه: اللهم اجعله فرطا لأبويه وسلفا وذخرا، وعظة واعتبارا وشفيعا، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره. وأما التكبيرة الرابعة فلم يتعرض الشافعي لذكر عقبها، ونقل البويطي عنه أن يقول عقبها: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، كذا نقله الجمهور، وهذا الذكر ليس بواجب قطعا، وهو مستحب على المذهب، وأما السلام فالأظهر أنه يستحب تسليمتان، وقال في الإملاء: تسليمة يبدأ بها إلى يمينه، ويختمها ملتفتا إلى يساره فيدير وجهه، وهو فيها هذا نصه، وقيل: يأتي بها تلقاء وجهه بغير التفات، وإذا اقتصر على تسليمة فهل يقتصر على: السلام عليكم، أو يزيد: ورحمة الله. فيه تردد، حكاه أبو علي .



( فصل)

وقال أصحابنا: أركان صلاة الجنازة التكبيرات، والقيام، لكن التكبيرة الأولى شرط باعتبار الشروع بها، ركن باعتبار أنها قائمة مقام ركعة كباقي التكبيرات، وشرائطها ست: إسلام الميت، وطهارته، وتقدمه، وحضوره، وكون المصلي عليها غير راكب، وكون الميت موضوعا على الأرض إلا لعذر، وسنتها أربع: قيام الإمام بحذاء صدر الميت ذكرا كان أو أنثى، والثناء بعد التكبيرة الأولى، ولو قرأ الفاتحة بقصد الثناء جاز، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الثانية، والدعاء بعد الثالثة، ولا يتعين له شيء، والمأثور أحسن، ويسلم وجوبا بعد الرابعة من غير دعاء في ظاهر الرواية، واستحسن بعضهم أن يقال: ربنا آتنا في الدنيا حسنة ..الآية، أو ربنا لا تزغ قلوبنا الآية، وينوي بالتسليمتين الميت مع القوم يخافت في الدعاء [ ص: 452 ] ويجهر بالتكبير، ولا يرفع يديه في غير الأولى في ظاهر الرواية، وكثير من مشايخ بلخ اختاروا الرفع في كل تكبيرة، ولو كبر الإمام خمسا لم يتبع، ولكن ينتظر سلامه على المختار ليسلم معه، وهذا الذي ذكروه من عدم متابعة الإمام على ما زاد على الأربع هو قول مالك والشافعي، وعن أحمد روايات إحداها أنه يتابع في الخامسة، واختارها الخرقي، والأخرى كمذهب الجماعة، والثالثة يتبعه إلى سبع .



( فصل)

واتفقوا على أن تكبيرات الجنازة أربعة، وكان ابن أبي ليلى يقول: هي خمس تكبيرات، وهو رواية عن أبي يوسف، والآثار اختلفت في فعله صلى الله عليه وسلم فروي الخمس، والسبع، والتسع، وأكثر من ذلك، إلا أن آخر فعله كان أربع تكبيرات، فكان ناسخا لما قبله، إلا أن ابن ليلى قال: التكبيرة الأولى للافتتاح، فينبغي أن يكون بعدها أربع تكبيرات كل تكبيرة قائمة مقام ركعة كما في الظهر والعصر، وأجبت بأن التكبيرة الأولى وإن كانت للافتتاح، ولكن بهذا لا تخرج من أن تكون تكبيرا أي قائما مقام ركعة، ومعنى الافتتاح يترجح فيها؛ ولذا خصت برفع اليدين. اهـ .



( فصل)

وقال الشيخ الأكبر قدس سره في كتاب الشريعة في عدد التكبير: اختلف الصدر الأول في ذلك من ثلاث إلى سبع وما بينهما لاختلاف الآثار؛ ورد حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر على الجنازة أربعا، وخمسا، وستا، وسبعا، وثمانيا، وقد ورد أنه كبر ثلاثا، ولما مات النجاشي وصلى عليه كبر أربعا، وثبت على أربع حتى توفاه الله تعالى .

والاعتبار في ذلك أن أكثر عدد الفرائض أربع، ولا ركوع في صلاة الجنازة بل هي قيام كلها، وكل وقوف فيها للقراءة له تكبيرة يكبر أربعا على أتم عدد ركعات الصلاة المفروضة، فالتكبيرة الأولى للإحرام يحرم فيها؛ أي: لا يسأل في المغفرة لهذا الميت إلا الله تعالى، والتكبيرة الثانية يكبر الله سبحانه من كونه حيا لا يموت؛ إذ كانت كل نفس ذائقة الموت، وكل شيء هالك إلا وجهه، والتكبيرة الثالثة لكرمه ورحمته في قبول الشفاعة في حق ما يشفع فيه، أو يسأل في مثل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لما مات، وقد كان عرفنا أنه من سأل الله له الوسيلة حلت له الشفاعة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع فيه من صلى عليه وإنما يسأل له الوسيلة من الله لتحضيضه أمته على ذلك، والتكبيرة الرابعة تكبيرة شكر لحسن ظن المصلي بربه في أنه قد قبل من المصلي سؤاله فيمن صلى عليه؛ فإنه سبحانه ما شرع الصلاة على الميت إلا وقد تحققنا أنه يقبل سؤال المصلي في المصلى عليه فإنه إذن من الله تعالى لنا في السؤال فيه، وقد أذن لنا أن نشفع في هذا الميت بالصلاة عليه، فقد تحققنا الإجابة بلا شك، ثم يسلم بعد تكبيرة الشكر سلام انصراف عن الميت، أي لقيت من ربك السلام، وأما رفع اليدين عند كل تكبيرة والتكتيف فإنه مختلف فيهما، ولا شك أن رفع اليدين يؤذن بالافتقار في كل حال من أحوال التكبير يقول ما بأيدينا شيء، هذه قد رفعناها إليك في كل حال ليس فيها شيء، ولا تملك شيئا، وأما التكتيف فإنه شافع، والشافع سائل، والسؤال حال ذلة وافتقار فيما يسأل فيه، سواء كان ذلك السؤال في حقه، أو في حق غيره؛ فإن السائل في حق الغير هو نائب في سؤاله عن ذلك الغير؛ فلا بد أن يقف موقف الذلة، والحاجة لما هو مفتقر إليه، والتكتيف صفة الأذلاء وصفة وضع اليد على الأخرى بالقبض عليهما؛ فيشبه أخذ العهد في الجمع بين اليدين يد المعاهد ويد المعاهد؛ أي أخذت علينا العهد أن ندعوك، وأخذنا عليك العهد بكرمك في أن تجيبنا؛ فالإجابة متحققة عند المؤمن؛ ولهذا جعلنا التكبيرة الآخرة شكرا، والسلام انصراف وتعريف بما يلقى الميت من السلام، والسلامة عند الله، ومنا من الرحمة له، والكف عن ذكر مساويه .



وأما القراءة فيها، فمن قائل: ما في صلاة الجنازة قراءة؛ إنما هو الدعاء. وقال بعضهم: إنما يحمد الله، ويثني عليه بعد التكبيرة الأولى، ثم يكبر الثانية فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يكبر الثالثة فيشفع للميت، ثم يكبر الرابعة ويسلم، وقال آخر: يقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب، ثم يفعل في سائر التكبيرات مثل [ ص: 453 ] ما تقدم في الذي قبله، وبه أقول. وذلك أنه لابد من التحميد والثناء فبكلام الله أولى، وقد انطلق عليها اسم صلاة، فالعدول عن الفاتحة ليس يحسن، وبه قال الشافعي وأحمد وداود، الاعتبار في ذلك: قال أبو يزيد البسطامي : اطلعت على الخلق فرأيتهم موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات، قال بعض شيوخنا: رأى أبو يزيد عالم نفسه هذه الصفة تكون لمن لا معرفة له بربه، ولا يتعرف إليه، وتكون لأكمل الناس معرفة بالله، فالعارف المكمل يرى نفسه ميتا بين يدي ربه بربه؛ إذ كان الحق سمعه وبصره ولسانه، فتكون نفسه عين الجنازة ويكون الحق من كونه سمعه وبصره ولسانه ويده يصلي عليه، قال تعالى: هو الذي يصلي عليكم ، فإذا كان الحق هو المصلب فيكون كلامه القرآن، فالعارفون لا بد لهم من قراءة فاتحة الكتاب يقرؤها الحق على لسانهم، ويصلي عليهم فيثني على نفسه بكلامه، ثم يكبر نفسه عن هذا الاتصال في ثنائه بلسان عبده في صلاته على جنازة عبده بين يدي ربه، ويكون الرحمن في قبلته، وهو المسئول، ويكون المصلي هو الحي القيوم، ثم يصلي بعد التكبيرة الثانية على نبيه المبلغ عنه، قال الله تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي ، ثم يكبر نفسه على لسان هذا المصلي من العارفين، عن التوهم الذي يعطيه هذا التنزل الإلهي في تفاضل النسب بين الله وبين عباده من حيث ما يجتمعون فيه، ومن حيث ما يتميزون به في مراتب التفضيل، فربما يؤدي ذلك التوهم أن الحقائق الإلهية يفضل بعضها بعضا بتفاضل العباد؛ إذ كل عبد في كل حالة مرتبط بحقيقة إلهية، والحقائق الإلهية نسب تتعالى عن التفاضل، فلهذا كبر الثالثة، ثم شرع بعد القراءة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء للميت، فأول ما يدعى به للميت في الصلاة عليه، ويثنى على الله به في الصلاة القرآن، فإذا عرف العارف فلا يتكلم ولا ينطق إلا بالقرآن، فإن الإنسان ينبغي له أن يكون في جميع أحواله كالمصلي على الجنازة، فلا يزال يشهد ذاته جنازة بين يدي ربه، وهو يصلي على الدوام في جميع الحالات على نفسه بكلام ربه دائما؛ فالمصلي داع أبدا، والمصلى عليه ميت أو نائم أبدا، فمن نام بنفسه فهو ميت، ومن مات بربه فهو نائم نومة العروس، والحق ينوب عنه فيقول: اللهم أبدله دارا خيرا من داره يعني النشأة الآخرة فيقول الله: قد فعلت، فإن النشأة الدنيا هي داره، وهي دار منتنة، كثيرة العلل والأمراض والتهدم، تختلف عليها الأهواء والأمطار، ويخربها مرور الليل والنهار، والنشأة الآخرة التي بدلها، وهي داره كما وصفها الشارع من كونهم لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتمخطون؛ نزهها عن القذارات، وأن تكون محلا يقبل الخراب، أو تؤثر فيها الأهواء، ثم يقول: وأهلا خيرا من أهله، فيقول: قد فعلت، فإن أهله في الدنيا كانوا أهل بغي وحسد وتدابر وتقاطع وغل وشحناء؛ قال تعالى في الأهل الذي تنقلب إليه: ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ثم يقول: وزوجا خيرا من زوجه، وكيف لا يكون خيرا، وهن قاصرات الطرف مقصورات في الخيام لا تشاهد في نظرها أحسن منه، ولا يشاهد أحسن منها، قد زينت له، وزين لها، فدعاؤهم في الصلاة على الميت مقبول؛ لأنه دعاء بظهر الغيب، وما من شيء يدعون به في حق الميت إلا والملك يقول لهذا المصلي: ولك بمثله ولك بمثليه، نيابة عن الميت، ومكافأة له على صلاته، وما أحسنها من رقدة بين ربه عز وجل وبين المصلى عليه! فإن كان المصلى عليه عارفا بربه بحيث أن يكون الحق سمعه وبصره ولسانه؛ فيكون المصلي عليه ربه؛ فنسأل الله تعالى إذا جاء أجلنا أن يكون المصلي علينا عبدا يكون الحق سمعه وبصره، آمين بعزته لنا، ولإخواننا، وأصحابنا، وأولادنا، وأهلينا، وجميع المسلمين .



ولما كان حال الموت حال لقاء الميت بربه، واجتماعه به تعين على المصلي أن يقرأ القرآن في الصلاة على الميت؛ لأن القرآن إنما سمي قرآنا لجمعه ما تفرق في سائر الكتب والصحف المنزلة، واختص من القرآن الفاتحة لكونها مقسمة بين الله وبين عبده، وقد سماها الشرع صلاة، وقال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، وخص الفاتحة بالذكر دون غيرها من القرآن؛ فتعينت قراءتها بكل وجه، وهي سورة تتضمن الثناء والدعاء، ولابد لكل شافع أن يثني على المشفوع عنده بما يستحقه؛ لأن المدح محمود لذاته فتعين على الشافع [ ص: 454 ] أن يمدح ربه بلا شك؛ فإنه أمكن لقبول الشفاعة، والله أعلم .



وأما التسليم من صلاة الجنازة فاختلف الناس فيه: هل تسليمة واحدة أو اثنتين؟ فالجماعة يقولون: تسليمة واحدة، وقالت طائفة: يسلم تسليمتين، وكذلك اختلفوا هل يجهر فيها بالسلام أو لا يجهر، والذي أقول به: إن كان الإمام أو المأموم على يساره أحد سلم عليه فيسلم تسليمتين، وإن لم يكن فلا يسلم إلا واحدة عن يمينه، فإن الملك عن يمينه، فإن كان عن يمينه أحد عم بذلك السلام كل من كان على يمينه، والاعتبار في ذلك لما كان الشافع بين يدي المشفوع عنده، وأقام المشفوع فيه بينه، وبين ربه ليعين المشفوع فيه كما يحضر الشفيع نازلة من يشفع من أجلها عند المشفوع عنده، فأقام حضور الجاني بين يديه مقام النازلة التي كان يذكرها لو لم يحضره فهو في حال غيبة عن كل من دون ربه بتوجهه إليه، فإذا فرغ من شفاعته رجع إلى الناس فسلم عليهم كما يعمل في الصلاة سواء، وهي بشرى من الله في حق الميت كأنه يقول: ما ثم إلا السلامة، وأن الله قد قبل الشفاعة؛ فلهذا ينبغي للداعي للميت بأن يطلب له النجاة من كل ما يحول بينه وبين النعيم والسعادة؛ فإن ذلك أنفع للميت، وإذا فعل هكذا صح التعريف بالسلام من الصلاة، أي لقد لقي السلامة من كل ما يكره، والله أعلم .




الخدمات العلمية