الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر الكلام في محمد بن إسحاق والطعن عليه:

روينا عن يعقوب بن شيبة، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن نمير وذكر ابن إسحاق فقال: إذا حدث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق، وإنما أتي من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة.

وقال أبو موسى محمد بن المثنى: ما سمعت يحيى القطان يحدث عن ابن إسحاق شيئا قط.

وقال الميموني: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن حنبل بحديث استحسنه عن محمد بن إسحاق، فقلت له: يا أبا عبد الله ما أحسن هذه القصص التي يجيء بها ابن إسحاق! فتبسم إلي متعجبا. وروى ابن معين ، عن يحيى بن القطان أنه كان لا يرضى محمد بن إسحاق، ولا يحدث عنه.

وقال عبد الله بن أحمد، وسأله رجل عن محمد بن إسحاق، فقال: كان أبي يتتبع حديثه ويكتبه كثيرا بالعلو والنزول، ويخرجه في المسند، وما رأيته اتقى حديثه قط. قيل له: يحتج به؟ قال: لم يكن يحتج به في السنن. وقيل لأحمد: يا أبا عبد الله! إذا تفرد بحديث تقبله؟ قال: لا والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا.

وقال ابن المديني مرة: هو صالح وسط. وروى الميموني ، عن ابن معين: ضعيف. وروى عنه غيره: ليس بذلك. وروى الدوري عنه: ثقة ولكنه ليس بحجة.

وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو:

قلت ليحيى بن معين وذكرت له الحجة، فقلت: محمد بن إسحاق منهم؟ فقال: كان ثقة، إنما الحجة عبيد الله بن عمر ، ومالك بن أنس، وذكر قوما آخرين.

وقال أحمد بن زهير: سئل يحيى عنه مرة، فقال: ليس بذاك، ضعيف. قال: وسمعته مرة أخرى يقول: هو عندي سقيم ليس بالقوي.

وقال النسائي: ليس بالقوي.

وقال البرقاني: سألت الدارقطني ، عن محمد بن إسحاق بن يسار ، عن أبيه، فقال: جميعا لا يحتج بهما وإنما يعتبر بهما.

وقال علي: قلت ليحيى بن سعيد: كان [ ص: 60 ] ابن إسحاق بالكوفة وأنت بها؟ قال: نعم. قلت: تركته متعمدا؟ قال: نعم، ولم أكتب عنه حديثا قط. وروى أبو داود ، عن حماد بن سلمة، قال: لولا الاضطرار ما حدثت عن محمد بن إسحاق.

وقال أحمد: قال مالك وذكره فقال: دجال من الدجاجلة. وروى الهيثم بن خلف الدوري ، حدثنا أحمد بن إبراهيم ، حدثنا أبو داود، قال: حدثني من سمع هشام بن عروة، وقيل له: إن ابن إسحاق يحدث بكذا وكذا عن فاطمة، فقال: كذب الخبيث. وروى القطان ، عن هشام أنه ذكره فقال: العدو لله الكذاب يروي عن امرأتي! من أين رآها؟.

وقال عبد الله بن أحمد: فحدثت أبي بذلك فقال: وما ينكر؟ لعله جاء فاستأذن عليها فأذنت له. أحسبه قال ولم يعلم.

وقال مالك: كذاب.

وقال ابن إدريس: قلت لمالك - وذكر المغازي فسكت - قال ابن إسحاق: أنا بيطارها. فقال: نحن نفيناه عن المدينة.

وقال مكي بن إبراهيم: جلست إلى محمد بن إسحاق، وكان يخضب بالسواد، فذكر أحاديث في الصفة، فنفرت منها، فلم أعد إليه.

وقال مرة: تركت حديثه وقد سمعت منه بالري عشرين مجلسا. وروى الساجي ، عن المفضل بن غسان: حضرت يزيد بن هارون وهو يحدث بالبقيع وعنده ناس من أهل المدينة يسمعون منه، حتى حدثهم عن محمد بن إسحاق، فأمسكوا، وقالوا: لا تحدثنا عنه، نحن أعلم به. فذهب يزيد يحاولهم فلم يقبلوا، فأمسك يزيد.

وقال أبو داود سمعت أحمد بن حنبل ذكره فقال: كان رجلا يشتهي الحديث فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه; وسئل أبو عبد الله أيهما أحب إليك: موسى بن [ ص: 61 ] عبيدة الربذي أو محمد بن إسحاق؟ قال: لا، محمد بن إسحاق.

وقال أحمد: كان يدلس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد إذا كان سماع قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال.

وقال أبو عبد الله: قدم محمد بن إسحاق إلى بغداد فكان لا يبالي عمن يحكي عن الكلبي وغيره، وقال: ليس بحجة.

وقال الفلاس: كنا عند وهب بن جرير فانصرفنا من عنده، فمررنا بيحيى القطان، فقال: أين كنتم؟ فقلنا: كنا عند وهب بن جرير - يعني نقرأ عليه كتاب المغازي عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق - فقال: تنصرفون من عنده بكذب كثير.

وقال عباس الدوري: سمعت أحمد بن حنبل - وذكر محمد بن إسحاق - فقال: أما في المغازي وأشباهها فيكتب، وأما في الحلال والحرام فيحتاج إلى مثل هذا، ومد يده وضم أصابعه. وروى الأثرم ، عن أحمد: كثير التدليس جدا، أحسن حديثه عندي ما قال: أخبرني وسمعت، وعن ابن معين: ما أحب أن أحتج به في الفرائض.

وقال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي ضعيف الحديث، وهو أحب إلي من أفلح بن سعيد يكتب حديثه.

وقال سليمان التيمي: كذاب.

وقال يحيى القطان: ما تركت حديثه إلا لله، أشهد أنه كذاب. وقد قال يحيى بن سعيد: قال لي وهيب بن خالد إنه كذاب. قلت لوهيب: ما يدريك؟ قال: قال لي مالك: أشهد أنه كذاب. قلت لمالك: ما يدريك؟ قال: قال لي هشام بن عروة: أشهد أنه كذاب. قلت لهشام: ما يدريك؟ قال: حدث عن امرأتي فاطمة... الحديث.

[ ص: 62 ] قلت: والكلام فيه كثير جدا، وقد قال أبو بكر الخطيب: قد احتج بروايته في الأحكام قوم من أهل العلم وصدف عنها آخرون.

وقال في موضع آخر: قد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء لأسباب، منها: أنه كان يتشيع، وينسب إلى القدر، ويدلس، وأما الصدق فليس بمدفوع عنه. انتهى كلام الخطيب.

وقد استشهد به البخاري، وأخرج له مسلم متابعة، واختار أبو الحسن بن القطان في كلام له: أن يكون حديثه من باب الحسن; لاختلاف الناس فيه.

وأما روايته عن فاطمة، فروينا عن أبي بكر الخطيب قال: حدثنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو بدمشق، حدثنا أحمد بن خالد الوهبي ، حدثنا محمد بن إسحاق، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: سمعت امرأة وهي تسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن لي ضرة وإني أتشبع من زوجي بما لم يعطنيه لتغيظها بذلك قال: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور".

وقال أبو الحسن بن القطان الحديث الذي من أجله وقع الكلام في ابن إسحاق من روايته عن فاطمة حتى قال هشام إنه كذاب، وتبعه في ذلك مالك، وتبعه يحيى بن سعيد، وتتابعوا بعدهم تقليدا لهم: حديث "فلتقرصه، ولتنضح ما لم تر ولتصلي فيه".

وقد روينا من حديثه عنها غير ذلك.

[ ص: 63 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية