الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومر شاس بن قيس - وكان شيخا قد عسا ، عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم - على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج يتحدثون، فغاظه ما رأى من إلفتهم وجماعتهم بعد ما كان بينهم من العداوة، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر فتى شابا من يهود كان معهم، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث، وما كان فيه، وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا حتى تواثب رجلان على الركب: أوس بن قيظي من الأوس، وجبار بن صخر من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددتها الآن [ ص: 343 ] جذعة، وغضب الفريقان جميعا، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة والظاهرة: الحرة - السلاح السلاح، فخرجوا، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه، حتى جاءهم، فقال: "يا معشر المسلمين: الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، بعد أن هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم من الكفر، وألف به بينكم" ؟ فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا، وعانق الرجال من الأوس الرجال من الخزرج، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله في شاس بن قيس: ( قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا ) الآية. وفي أوس وجبار: ( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ) إلى قوله: ( وأولئك لهم عذاب عظيم )

.وكان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من يهود لما كان بينهم من الجوار، فأنزل الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ) إلى ( عليم بذات الصدور )


. ودخل أبو بكر بيت المدراس، فقال لفنحاص: اتق الله وأسلم، والله إنك لتعلم أن محمدا لرسول الله. فقال: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير. فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال: لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك. فشكاه فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له أبو بكر ما كان منه، فأنكر قوله ذلك، فأنزل الله تعالى: ( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ) الآية. وأنزل في أبي بكر رضي الله عنه: ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ) الآية.

[ ص: 344 ] وكان كردم بن قيس ، وأسامة بن حبيب في نفر من يهود يأتون رجالا من الأنصار يتنصحون لهم، فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر، فأنزل الله فيهم: ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ) - أي التوراة التي فيها تصديق ما جاء به محمد - ( وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا )

. وكان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهود، إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه، وقال: أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه: ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ) إلى ( ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا )

. وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود، منهم عبد الله بن صوريا الأعور ، وكعب بن أسد، فقال لهم: "يا معشر يهود! اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق". قالوا: ما نعرف ذلك، فأنزل الله: ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا )

. وقال سكين بن عدي بن زيد: يا محمد! ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله تعالى: ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) إلى قوله: ( وكان الله عزيزا حكيما )

. ودخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة منهم، فقال لهم: أما والله إنكم لتعلمون أني رسول الله. قالوا: ما نعلمه وما نشهد عليه، فأنزل الله تعالى: ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا )

. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضا ، وبحري بن عمرو ، وشاس بن عدي، فكلموه [ ص: 345 ] وكلمهم، ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد، نحن أبناء الله وأحباؤه - كقول النصارى - فأنزل الله فيهم: ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ) الآية.

ودعاهم إلى الإسلام مرة وحذرهم عقوبة الله، فأبوا عليه، فقال لهم معاذ بن جبل ، وسعد بن عبادة ، وعقبة بن وهب: يا معشر يهود! اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه بصفته، فقال رافع بن حريملة ، ووهب بن يهوذا: ما قلنا لكم هذا، وما أنزل الله من كتاب بعد موسى، وما أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده. فأنزل الله في ذلك من قولهما: ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ) الآية.

التالي السابق


الخدمات العلمية