الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه، قال ابن هشام: لثمان ليال خلون منه.

وقال ابن سعد: يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، بعد ما وجه طلحة بن عبيد الله ، وسعيد بن زيد بعشر ليال، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكره ببئر أبي عنبة، [ ص: 383 ] وهي على ميل من المدينة، فعرض أصحابه، ورد من استصغر، وخرج في ثلاثمائة رجل وخمسة نفر، كان المهاجرون منهم أربعة وسبعين رجلا، وسائرهم من الأنصار، وثمانية تخلفوا لعذر، ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهامهم وأجورهم: ثلاثة من المهاجرين; عثمان بن عفان، خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة، فأقام عليها حتى ماتت. وطلحة ، وسعيد بن زيد، بعثهما يتجسسان خبر العير. وخمسة من الأنصار: أبو لبابة بن عبد المنذر، خلفه على المدينة، وعاصم بن عدي العجلاني، خلفه على أهل العالية، والحارث بن حاطب العمري، رده من الروحاء إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم، والحارث بن الصمة كسر من الروحاء، وخوات بن جبير كسر أيضا.

قال ابن إسحاق: ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير - وكان أبيض - وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان، إحداهما مع علي بن أبي طالب، والأخرى مع بعض الأنصار.

وقال ابن سعد: كان لواء المهاجرين مع مصعب بن عمير، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ.

كذا قال، والمعروف أن سعد بن معاذ كان يومئذ على حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش، وأن لواء المهاجرين كان بيد علي. قرئ على أبي حفص عمر بن عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن غدير بعربيل - قرية بغوطة دمشق - وأنا أسمع، أخبركم أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بن الحرستاني قراءة عليه وأنت حاضر في الرابعة؟ فأقر به، أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم بن محمد السلمي سماعا، أخبرنا أبو عبد الله [ ص: 384 ] الحسن بن أحمد بن أبي الحديد ، أخبرنا أبو الحسن علي بن موسى بن الحسين السمسار ، أخبرنا أبو القاسم المظفر بن حاجب بن مالك بن أركين الفرغاني ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يزيد بن عبد الصمد الدمشقي ، حدثنا أحمد - يعني ابن أبي أحمد - الجرجاني ، حدثنا شبابة بن سوار الفزاري ، حدثنا قيس بن الربيع ، عن الحجاج بن أرطاة ، عن الحكم ، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عليا الراية يوم بدر وهو ابن عشرين سنة.

قال ابن إسحاق: وكانت إبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعين بعيرا، فاعتقبوها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب ، ومرثد بن أبي مرثد يعتقبون بعيرا، وكان حمزة ، وزيد بن حارثة ، وأبو كبشة ، وأنسة موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبون بعيرا، وكان أبو بكر ، وعمر ، وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا.

وروينا عن ابن سعد: ، أخبرنا يونس بن محمد المؤدب ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن عاصم ، عن زر، عن ابن مسعود، قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، وكان أبو لبابة ، وعلي زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا كانت عقبة النبي صلى الله عليه وسلم قالا: اركب حتى نمشي عنك، فيقول: "ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما" .

انتهى ما رويناه عن ابن سعد، والمعروف أن أبا لبابة رجع من بئر أبي عنبة، ولم يصحبهم إلى بدر، رده رسول الله صلى الله عليه وسلم واليا على المدينة وقد تقدم.

قال ابن إسحاق: وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، أحد بني مازن بن النجار، [ ص: 385 ] فسلك طريقه إلى المدينة، حتى إذا كان بعرق الظبية لقوا رجلا من الأعراب، فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا ، ثم ارتحل حتى أتى على واد يقال له: ذفران، وجزع فيه، ثم نزل، فأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله! امض لما أمر الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك، فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشيروا علي (أيها الناس)"
، فذكر ابن عقبة ، وابن عائذ أن عمر، قال: يا رسول الله: إنها قريش وعزها، والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت، والله لتقاتلنك، فأهب لذلك أهبته، وأعدد لذلك عدته.

رجع إلى خبر ابن إسحاق: قال: وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلنا إليها فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد [ ص: 386 ] بن معاذ: لعلك تريدنا يا رسول الله؟ فقال: "أجل". قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله تعالى.

وقد روينا من طريق مسلم أن الذي قال ذلك سعد بن عبادة سيد الخزرج، وإنما يعرف ذلك عن سعد بن معاذ. كذلك رواه ابن إسحاق ، وابن عقبة ، وابن سعد ، وابن عائذ وغيرهم.

واختلف في شهود سعد بن عبادة بدرا، لم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين، وذكره الواقدي ، والمدائني ، وابن الكلبي فيهم. وروينا عن ابن سعد: أنه كان يتهيأ للخروج إلى بدر، ويأتي دور الأنصار يحضهم على الخروج، فنهش قبل أن يخرج، فأقام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لئن كان سعد لم يشهدها لقد كان عليها حريصا" . قال: وروى بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب له بسهمه وأجره وليس ذلك بمجمع عليه، ولا ثبت، ولم يذكره أحد ممن يروي المغازي في تسمية من شهد بدرا، ولكنه قد شهد أحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رجع إلى الأول: قال فسر النبي صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: "سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم". ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران، ثم نزل قريبا من بدر، فركب هو ورجل من أصحابه، قال ابن هشام: هو وأبو بكر الصديق - قال ابن إسحاق: كما حدثني محمد [ ص: 387 ] بن يحيى بن حبان: حتى وقف على شيخ من العرب، فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أخبرتنا أخبرناك". فقال الشيخ: ذاك بذاك؟ قال: "نعم". قال: الشيخ: فإنه قد بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدق فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به قريش. فلما فرغ من خبره، قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن من ماء". ثم انصرف عنه، قال: يقول الشيخ: ماء؟ من ماء؟ أمن ماء بالعراق؟ ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه، فأصابوا راوية لقريش، فيها أسلم غلام بني الحجاج، وعريض أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما، فلما أذلقوهما، قالا: نحن لأبي سفيان. فتركوهما، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه ثم سلم، وقال: "إذا صدقاكما ضربتموهما، وإذا كذباكما تركتموهما، صدقا، والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش" ؟ قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، والكثيب العقنقل. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كم القوم؟" قالا: كثير، قال: "ما عدتهم"؟ قالا: ما ندري. قال: "كم ينحرون كل يوم"؟ قال: يوما تسعا ويوما عشرا، قال صلى الله عليه وسلم: "القوم ما بين التسعمائة والألف" . ثم قال لهما: "فمن فيهم من أشراف قريش"؟ قالا: عقبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو البختري بن هشام، [ ص: 388 ] وحكيم بن حزام ، ونوفل بن خويلد ، والحارث بن عامر بن نوفل ، وطعيمة بن عدي بن نوفل ، والنضر بن الحارث ، وزمعة بن الأسود ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، ونبيه ، ومنبه ابنا الحجاج ، وسهيل بن عمرو ، وعمرو بن عبد ود، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها".

قال ابن عقبة: وزعموا أن أول من نحر لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل بن هشام عشر جزائر، ثم نحر لهم صفوان بن أمية بعسفان تسع جزائر، ونحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشر جزائر، ومالوا من قديد إلى مناة من نحو البحر، فظلوا فيها، فأقاموا فيها يوما فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسع جزائر، ثم أصبحوا بالجحفة ، فنحر لهم عتبة بن ربيعة عشر جزائر، ثم أصبحوا بالأبواء، فنحر لهم مقيس بن عمرو الجمحي تسع جزائر، ونحر لهم العباس بن عبد المطلب عشر جزائر، ونحر لهم الحارث بن عامر بن نوفل تسعا، ونحر لهم أبو البختري على ماء بدر عشر جزائر، ونحر لهم مقيس الجمحي على ماء بدر تسعا، ثم شغلتهم الحرب فأكلوا من أزوادهم.

وقال ابن عائذ: كان مسيرهم وإقامتهم حتى بلغوا الجحفة عشر ليال.

قال ابن إسحاق: وكان بسبس بن عمرو ، وعدي بن أبي الزغباء، قد مضيا حتى نزلا بدرا، فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنا لهما يستقيان فيه، ومجدي بن عمرو الجهني على الماء، فسمع عدي ، وبسبس جاريتين من جواري الحاضر، وهما تلازمان على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنما تأتي العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك. فقال مجدي: صدقت، ثم خلص بينهما، وسمع ذلك عدي ، وبسبس، فجلسا [ ص: 389 ] على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بما سمعا.

ثم أقبل أبو سفيان حتى تقدم العير حذرا، حتى ورد الماء، فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحدا، قال: ما رأيت أحدا أنكره، إلا أني قد رأيت راكبين، قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، ففته ثم شمه، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى أصحابه سريعا، فضرب وجه عيره عن الطريق، فساحل بها، وترك بدرا بيسار، وانطلق حتى أسرع. وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة، رأى جهيم بن أبي الصلت بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إني فيما يرى النائم، وإني لبين النائم واليقظان، إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس، حتى وقف ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو الحكم بن هشام ، وأمية بن خلف، وفلان وفلان - فعدد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش - ثم رأيته ضرب في لبة بعيره، ثم أرسله في العسكر، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه. قال: فبلغت أبا جهل، فقال: وهذا أيضا نبي آخر من بني المطلب، سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.

التالي السابق


الخدمات العلمية