الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 315 ] ذكر بناء المسجد

وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المربد لمن هو؟ فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسهل ، وسهيل ابني عمرو، وهما يتيمان لي وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدا، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب حتى بني مسجده ومساكنه، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرغب المسلمين في العمل فيه، فعمل فيه المهاجرون والأنصار، ودأبوا فيه، فقال قائل من المسلمين:


لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة، يبنى له فيها مسجده ومساكنه.

قال أبو عمر: وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أبى أن يأخذه إلا بثمن، فالله أعلم. فبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده، وجعل عضادتيه الحجارة، وسواريه جذوع النخل، وسقفه جريدها، بعد أن نبش قبور المشركين وسواها، وسوى الخرب، وقطع النخل، وعمل فيه المسلمون (حسبة) .

ومات أبو أمامة أسعد بن زرارة حينئذ، فوجد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدا شديدا، وكان قد كواه من ذبحة نزلت به، وكان نقيب بني النجار فلم يجعل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبا بعده، وقال لهم: "أنا نقيبكم". فكانت من مفاخرهم.

وذكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، قال: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أبي أيوب، وأراده قوم من الخزرج على النزول عليهم، فقال: "المرء مع رحله". فكان مقامه في منزل أبي أيوب سبعة أشهر، ونزل عليه تمام الصلاة بعد مقدمه بشهر، ووهبت الأنصار لرسول [ ص: 316 ] الله صلى الله عليه وسلم كل فضل كان في خططها، وقالوا: يا نبي الله! إن شئت فخذ منازلنا، فقال لهم خيرا، قالوا: وكان أبو أمامة أسعد بن زرارة يجمع بمن يليه في مسجد له، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيه، ثم إنه سأل أسعد أن يبيعه أرضا متصلة بذلك المسجد كانت في يده ليتيمين في حجره يقال لهما: سهل ، وسهيل ابنا رافع بن عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم.

كذا نسبهما البلاذري وهو يخالف ما سبق عن ابن إسحاق وغيره، والأول أشهر.

قال: فعرض عليه أن يأخذها ويغرم عنه لليتيمين ثمنها، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وابتاعها منهما بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باتخاذ اللبن فاتخذ، وبني به المسجد، ورفع أساسه بالحجارة، وسقف بالجريد، وجعلت عمده جذوعا، فلما استخلف أبو بكر لم يحدث فيه شيئا، واستخلف عمر فوسعه، فكلم العباس بن عبد المطلب في بيع داره ليزيدها فيه، فوهبها العباس لله وللمسلمين، فزادها عمر في المسجد، ثم إن عثمان بناه في خلافته بالحجارة والقصة، وجعل عمده حجارة، وسقفه بالساج، وزاد فيه ونقل إليه الحصباء من العقيق. وكان أول من اتخذ فيه المقصورة مروان بن الحكم، بناها بحجارة منقوشة، ثم لم يحدث فيه شيء إلى أن ولي الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد أبيه، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز وهو عامله على المدينة يأمره بهدم المسجد وبنائه، وبعث إليه بمال وفسيفساء ورخام، وبثمانين صانعا من الروم والقبط من أهل الشام ومصر، فبناه وزاد فيه، وولي القيام بأمره والنفقة عليه صالح بن كيسان، وذلك في سنة سبع وثمانين، ويقال: في سنة ثمان وثمانين.

ثم لم يحدث فيه أحد من الخلفاء شيئا حتى استخلف المهدي. قال الواقدي: بعث [ ص: 317 ] المهدي عبد الملك بن شبيب الغساني ورجلا من ولد عمر بن عبد العزيز إلى المدينة لبناء مسجدها والزيادة فيه، وعليها يومئذ جعفر بن سليمان بن علي، فمكثا في عمله سنة، وزادا في مؤخره مائة ذراع، فصار طوله ثلاثمائة ذراع، وعرضه مائتي ذراع.

وقال علي بن محمد المدائني: ولى المهدي ، جعفر بن سليمان مكة والمدينة واليمامة، فزاد في مسجد مكة ومسجد المدينة، فتم بناء مسجد المدينة في سنة اثنتين وستين ومائة، وكان المهدي أتى المدينة في سنة ستين قبل الهجرة، فأمر بقلع المقصورة وتسويتها مع المسجد.

[ ص: 318 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية