الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
115 - " اتق الله حيثما كنت؛ وأتبع السيئة الحسنة تمحها؛ وخالق الناس بخلق حسن " ؛ (د حم ت ك هب) ؛ عن أبي ذر ؛ (حم ت هب) ؛ عن معاذ ؛ ابن عساكر ؛ عن أنس .

التالي السابق


(اتق الله) ؛ بامتثال أمره؛ وتجنب نهيه؛ (حيثما كنت) ؛ أي: وحدك؛ أو في جمع؛ فإن كانوا أهل بغي أو فجور؛ فعليك بخويصة نفسك؛ أو المراد: في أي زمان ومكان كنت فيه؛ رآك الناس أم لا؛ فإن الله مطلع عليك: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ؛ والخطاب لكل من يتوجه إليه الأمر؛ فيعم كل مأمور؛ وإفراد الضمير باعتبار كل فرد؛ و" ما" ؛ زائدة؛ بشهادة رواية حذفها؛ وهذا من جوامع الكلم؛ فإن التقوى - وإن قل لفظها - كلمة جامعة؛ فحقه - تقدس - أن يطاع فلا يعصى؛ ويذكر فلا ينسى؛ ويشكر فلا يكفر؛ بقدر الإمكان؛ ومن ثم شملت خير الدارين؛ إذ هي تجنب كل منهي عنه؛ وفعل كل مأمور به؛ فمن فعل ذلك فهو من المتقين؛ الذين أثنى عليهم في كتابه المبين؛ ثم نبه على تدارك ما عساه يفرط من تقصيره في بعض الأوامر؛ والتورط في بعض النواهي؛ فقال: (وأتبع) ؛ بفتح الهمزة؛ وسكون المثناة فوق؛ وكسر الموحدة؛ ألحق؛ (السيئة) ؛ الصادرة منك؛ صغيرة؛ وكذا كبيرة؛ كما اقتضاه ظاهر الخبر؛ والحسنة بالنسبة إليها التوبة منها؛ فلا ملجئ لقصره على الصغيرة؛ كما ظن؛ وأيا ما كان فالحسنات تؤثر في السيئات؛ بالتخفيف منها؛ يعني: ألحق (الحسنة) ؛ إياها؛ صلاة؛ أو صدقة؛ أو استغفارا؛ أو تسبيحا؛ أو غيرها؛ (تمحها) ؛ أي: السيئة المثبتة في صحيفة الكاتبين؛ وذلك لأن المرض يعالج بضده؛ كالبياض يزال بالسواد؛ وعكسه؛ إن الحسنات يذهبن السيئات ؛ يعني: فلا يعجزك إذا فرطت منك سيئة أن تتبعها حسنة؛ كصلاة؛ قال ابن عربي: والحسنة تمحو السيئة؛ سواء كانت قبلها؛ أو بعدها؛ وكونها بعدها أولى؛ إذ الأفعال تصدر عن القلوب؛ وتتأثر بها؛ فإذا فعل سيئة فقد تمكن في القلب اختيارها؛ فإذا أتبعها حسنة نشأت عن اختيار في القلب؛ فتمحو ذلك؛ وظاهر قوله: " تمحها" ؛ أنها تزال حقيقة من الصحيفة؛ وقيل: عبر به عن ترك المؤاخذة؛ ثم إن ذا يخص من عمومه السيئة المتعلقة بآدمي؛ فلا يمحها إلا الاستحلال؛ مع بيان جهة الظلامة؛ إن أمكن؛ ولم يترتب عليه مفسدة؛ وإلا فالمرجو كفاية الاستغفار والدعاء؛ (وخالق الناس بخلق) ؛ بضمتين؛ (حسن) ؛ بالتحريك؛ أي: تكلف معاشرتهم بالمجاملة؛ من نحو طلاقة وجه وحلم؛ وشفقة؛ وخفض جانب؛ وعدم ظن السوء بهم؛ وتودد إلى كل كبير؛ وصغير؛ وتلطف في سياستهم؛ مع تباين طباعهم؛ يقال: " فلان يتخلق بغير خلقه" ؛ أي: يتكلف؛ وجمع هذا بعضهم في قوله: " وأن تفعل معهم ما تحب أن يفعلوه معك؛ فتجتمع القلوب؛ وتتفق الكلمة؛ وتنتظم الأحوال؛ وذلك جماع الخير؛ وملاك الأمر" ؛ و" الخلق" ؛ بالضم: الطبع؛ والسجية؛ وعرفا: ملكة نفسانية تحمل على فعل الجميل؛ وتجنب القبيح؛ كذا ذكره البعض هنا؛ وليس بصواب؛ فإنه تفسير لمطلق " الخلق" ؛ بـ: " الخلق الحسن" ؛ وهو فاسد؛ وقد تكفل حجة الإسلام بتعريفه على طرف التمام؛ فقال: " الخلق" : هيئة للنفس؛ تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر؛ من غير حاجة إلى فكر وروية؛ فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا؛ سميت الهيئة التي هي المصدر " خلقا حسنا" ؛ وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر " خلقا سيئا" ؛ وحسن [ ص: 121 ] الخلق - وإن كان جليا - لكن في الحديث رمز إلى إمكان اكتسابه؛ وإلا لما صح الأمر به؛ كما سيجيء إيضاحه؛ والأمر به عام؛ خص بمستحقه؛ فخرج الكفرة والظلمة؛ فأغلظ عليهم؛ ثم هذا الحديث من القواعد المهمة لإبانته لخير الدارين؛ وتضمنه لما يلزم المكلف من رعاية حق الحق والخلق؛ وقال بعضهم: وهو جامع لجميع أحكام الشريعة؛ إذ لا يخرج عنه شيء؛ وقال آخر: فصل فيه تفصيلا بديعا؛ فإنه اشتمل على ثلاثة أحكام؛ كل منها جامع في بابه؛ ومترتب على ما قبله.

(تنبيه) : قال الراغب : الفرق بين الخلق؛ والتخلق؛ أن التخلق معه استثقال واكتساب؛ ويحتاج إلى بعث وتنشيط من خارج؛ والخلق معه استخفاف وارتياح؛ ولا يحتاج إلى بعث من خارج.

(حم ت) ؛ في الزهد؛ (ك)؛ في الإيمان؛ وقال: على شرطهما؛ وأيده وأقره الذهبي ؛ واعترض؛ (هب)؛ وكذا الضياء؛ في المختارة؛ والدارمي ؛ (عن أبي ذر) ؛ الغفاري ؛ وقال الترمذي : حسن صحيح؛ ( ابن عساكر ) ؛ في تاريخه؛ (عن أنس ) ؛ ابن مالك ؛ بسند ضعيف؛ ورواه عنه أيضا الطبراني وغيره؛ فالإسناد الأول صحيح؛ والثاني حسن؛ والثالث ضعيف؛ وأكثر المصنف من مخرجيه؛ إشارة إلى رد الطعن فيه.



الخدمات العلمية