الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
71 - " أبو بكر صاحبي؛ ومؤنسي في الغار؛ سدوا كل خوخة في المسجد؛ غير خوخة أبي بكر " ؛ (عم)؛ عن ابن عباس .

التالي السابق


( أبو بكر صاحبي؛ ومؤنسي في الغار) ؛ أي: الكهف الذي بجبل ثور؛ حين الهجرة؛ كما قال الله (تعالى): ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ؛ قالوا: من أنكر صحبة الصديق كفر؛ لإنكاره النص الجلي؛ وفيه؛ وما قبله؛ جواز التكني بـ " أبي فلان" ؛ وإن لم يكن اسم ابنه؛ إذ لم يكن لأبي بكر ابن اسمه " بكر" ؛ ولا يشترط للجواز كونه ذا ولد؛ فقد كنيت عائشة بـ " أم عبد الله " ؛ ولم تلد؛ وكنى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - الصغير؛ فقال: " يا أبا عمير؛ ما فعل النغير؟" ؛ قال النووي في تهذيبه: ويستحب أن يكنى أهل الفضل من العلماء وغيرهم؛ والتكنية نوع تفخيم للمكنى؛ وإكرام له؛ ومن ثم اختلف في حل كنية الكافر؛ على أقوال؛ ثالثها: يجوز للذمي؛ لا الحربي؛ قال: ويحرم تكنية الإنسان بما يكرهه؛ سواء كان صفة له؛ أو لأحد أصوله؛ أو غير ذلك؛ إلا إن تعين للتعريف؛ وهل الأفضل الاسم أو الكنية؟ قولان في المطامح عن مالك ؛ قال الراغب : و" الصاحب" : الملازم إنسانا؛ أو غيره؛ ولا فرق بين كون مصاحبته بالبدن؛ وهو الأصل؛ أو بالعناية والهمة؛ ولا يقال عرفا إلا لمن كثرت ملازمته.

(تنبيه) : قضية تصرف المؤلف أن سياق الحديث هكذا فحسب؛ والأمر بخلافه؛ بل سقط من قلمه بعضه؛ ولفظه عند مخرجه الذي عزاه إليه: " أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار؛ فاعرفوا ذلك كله؛ فلو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" ؛ ثم قال: (سدوا كل خوخة) ؛ باب صغير؛ (في المسجد) ؛ النبوي؛ صيانة له عن التطرق؛ وقال الزمخشري : " الخوخة" : مخترق [بين] بيتين؛ [لم] ينصب عليهما باب؛ وقال مرة [ ص: 91 ] أخرى: الباب الصغير على الباب الكبير؛ وقال ابن حجر: " الخوخة" : طاقة في الجدار؛ تفتح للضوء؛ ولا يشترط علوها؛ وحيث تكون سفلى يمكن الاستطراق منها لاستقراب الوصول إلى محل مطلوب؛ وهو المقصود هنا؛ ولهذا أطلق عليها " باب" ؛ في بعض الروايات؛ (غير) ؛ وفي رواية البخاري : " إلا" ؛ (خوخة أبي بكر ) ؛ فلا تسد؛ تكريما له؛ وإظهارا لتميزه بين الملإ؛ ثم هذه الكلمة إن أريد بها الحقيقة فذلك لأن أهل المنازل الملاصقة للمسجد قد جعلوا لبيوتهم مخترقا يمرون فيه إلى المسجد؛ أو كوة ينظرون منها إليه؛ فأمر بسدها؛ وترك خوخة أبي بكر ؛ إعظاما له؛ ثم رمز للناس في ضمن ذلك إلى شأن الخلافة؛ وإن أريد بها المجاز فهو كناية عن الخلافة؛ وسد أبواب القالة دون التطرق إليها؛ والتطلع نحوها؛ قال بعضهم: والمجاز أقوى؛ إذ لم يصح أن أبا بكر كان منزله بلصق المسجد؛ بل بعوالي المدينة؛ فالقصد بالأمر بالسد سد طرق منازعته في الخلافة؛ على طريق الاستعارة؛ وتعقبه المحب الطبري بأنه كان له أيضا دار بلصق المسجد؛ كما رواه عمر بن شيبة؛ في تاريخ المدينة؛ ثم إن ما ذكر عورض بما في عدة أخبار؛ قال ابن حجر في موضع؛ بأسانيد قوية؛ وفي آخر؛ برجال ثقات: من الأمر بسد كل باب في المسجد إلا باب علي؛ وفي بعضها للطبراني: " قالوا: يا رسول الله؛ سددت أبوابنا؛ فقال: " ما أنا سددتها؛ ولكن الله سدها" ؛ ولأحمد والنسائي والحاكم : " سدوا هذه الأبواب؛ إلا باب علي" ؛ فتكلم ناس في ذلك؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إني والله ما سددت شيئا؛ ولا فتحته؛ ولكن أمرت بشيء فاتبعته" ؛ قال ابن حجر: ورجال الكل ثقات؛ وللطبراني عن ابن سمرة : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسد الأبواب كلها؛ غير باب علي؛ فربما مر فيه وهو جنب؛ وللنسائي من طريق العلاء بن عرار؛ قلت لابن عمر : أخبرني عن علي وعثمان ؛ فذكر الحديث؛ وفيه: " وأما علي فلا تسأل عنه أحدا؛ وانظر إلى منزلته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ سد أبوابنا في المسجد؛ وأقر بابه" ؛ قال ابن حجر: ورجاله رجال الصحيح؛ إلا العلاء؛ وقد وثقه ابن معين؛ وغيره؛ قال: فهذه أحاديث؛ كل طريق منها صالح للاحتجاج؛ فضلا عن مجموعها؛ وقد أورد ابن الجوزي الحديث في الموضوعات؛ بتوهمه معارضتها لحديث أبي بكر ؛ مع أنه قد جمع جمع؛ منهم البزار والكلاباذي والطحاوي ؛ بأن سد الأبواب وقع مرتين؛ ففي الأولى استثنى باب علي؛ لأن بابه كان إلى جهة المسجد؛ ولم يكن لبيته غيره؛ فلما أمروا بسدها سدوها؛ وأحدثوا خوخا؛ يستقربون الدخول للمسجد منها؛ فأمروا بعد بسدها؛ غير خوخة أبي بكر .

(عم)؛ وكذا الديلمي ؛ وابن مردويه ؛ (عن ابن عباس ) ؛ قال في الفتح: رجاله ثقات.



الخدمات العلمية