الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
136 - " اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة؛ واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم؛ وحملهم على أن سفكوا دماءهم؛ واستحلوا محارمهم " ؛ (حم خد م) ؛ عن جابر ؛ (صح).

التالي السابق


(اتقوا الظلم) ؛ بأخذ مال الغير بغير حق؛ أو التناول من عرضه؛ ونحو ذلك؛ قال بعضهم: ليس شيء أقرب إلى تغيير النعم من الإقامة على الظلم؛ (فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) ؛ فلا يهتدي الظالم يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا؛ فربما أوقع قدمه في وهدة؛ فهو في حفرة من حفر النار؛ وإنما ينشأ الظلم من ظلمة القلب؛ لأنه لو استنار بنور الهدى؛ تجنب سبل الردى؛ فإذا سعى المتقون بنورهم الحاصل بسبب التقوى؛ احتوشت ظلمات ظلم الظالم فغمرته فأعمته؛ حتى لا يغني عنه ظلمه شيئا؛ وفي خبر لابن مسعود : " يؤتى بالظلمة؛ فيوضعون في تابوت من نار؛ ثم يقذفون فيها" ؛ (واتقوا الشح) ؛ الذي هو بخل مع حرص؛ أو منع الواجب؛ أو البخل بما في يد الغير؛ أو غير ذلك؛ وقال الزمخشري : بالضم والكسر - أي: والضم أفصح -: اللؤم؛ وأن تكون نفسه كزة؛ حريصة؛ والبخل أعم؛ فقد يكون بخل؛ ولا شح ثمة؛ ولا ينعكس؛ قال الطيبي: فالبخل مطلق المنع؛ والشح المنع مع ظلم؛ وعطف الشح؛ الذي هو نوع من أنواع الظلم؛ على الظلم؛ إشعارا بأن الشح أعظم أنواعه؛ لأنه من نتائج حب الدنيا ولذاتها؛ ومن ثم وجهه بقوله: (فإن الشح) ؛ بتثليث الشين؛ (أهلك من كان قبلكم) ؛ من الأمم؛ (وحملهم على أن سفكوا دماءهم) ؛ أي: أسالوها بالقوة الغضبية؛ بخلا بالمال؛ وحرصا على الاستئثار به؛ (واستحلوا محارمهم) ؛ أي: استباحوا نساءهم؛ أو ما حرم الله من أموالهم؛ وغيرها؛ وهذا على سبيل الاستئناف؛ فإن استحلال المحارم جامع لجميع أنواع الظلم؛ وعطفه على سفك الدماء عطف عام على خاص؛ عكس الأول؛ و" السفك" ؛ كما قال الحراني : سكب بسطوة؛ وقال القاضي: " السفك" ؛ و" السكب" ؛ و" السبك" ؛ و" السفح" ؛ و" الشن" ؛ أنواع من الصب؛ فالسفك يقال في الدم؛ والسكب في الدمع؛ والسبك [ ص: 135 ] في الجواهر المذابة؛ والسفح في الصب من أعلى؛ والشن في الصب من فم القربة؛ انتهى؛ وإنما كان الشح سبب ما ذكر لأن في بذل المال والمواساة تحابيا وتواصلا؛ وفي الإمساك تهاجر وتقاطع؛ وذلك يجر إلى تشاجر وتغادر؛ من سفك الدماء؛ واستباحة المحارم؛ ومن السياق عرف أن مقصود الحديث بالذات ذكر الشح؛ وذكر الظلم توطئة وتمهيدا لذكره؛ وأبرزه في هذا التركيب إيذانا بشدة قبح الشح؛ وأنه يفضي بصاحبه إلى أفظع المفاسد؛ حيث جعله حاملا على سفك الدماء؛ الذي هو أعظم الأفعال الذميمة؛ وأخبث العواقب الوخيمة؛ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ؛ قال بعض العارفين: " الشح" : مسابقة قدر الله؛ ومن سابق قدر الله سبق؛ ومغالبة لله؛ ومن غالب الحق غلب؛ وذلك لأن الحريص يريد أن ينال ما لم يقدر له؛ فعقوبته في الدنيا الحرمان؛ وفي الآخرة الخسران.

(حم خد؛ عن جابر) ؛ ابن عبد الله ؛ ولم يخرجه البخاري في الصحيح؛ قال الديلمي : وفي الباب جندب وغيره.



الخدمات العلمية