الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
208 - " أحب الأديان إلى الله (تعالى) الحنيفية السمحة " ؛ (حم خد طب) ؛ عن ابن عباس ؛ (صح).

التالي السابق


(أحب الأديان) ؛ جمع " دين" ؛ وقد سبق معناه؛ والمراد هنا ملل الأنبياء؛ والشرائع الماضية؛ قبل أن تبدل وتنسخ؛ وفي رواية للبخاري: " الدين" ؛ بالإفراد؛ فإن حمل على الجنس؛ وافق ما هنا؛ وإلا فالمراد أحب خصال الدين؛ لأن خصالها كلها [ ص: 170 ] محبوبة؛ لكن ما كان منها سمحا؛ أو سهلا؛ فهو أحب إلى الله؛ كما يشهد له خبر أحمد الآتي: " خير دينكم أيسره" ؛ (إلى الله) ؛ دين (الحنيفية) ؛ المائلة عن الباطل؛ إلى الحق؛ أو المائلة عن دين اليهود والنصارى؛ فهي المستقيمة؛ و" الحنيفية" ؛ ملة إبراهيم؛ و" الحنيف" ؛ لغة: من كان على ملته؛ قال الله (تعالى): وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم ؛ (السمحة) ؛ السهلة؛ القابلة للاستقامة؛ المنقادة إلى الله؛ المسلمة أمرها إليه؛ لا تتوجه إلى شيء من الكثافة والغلظة والجمود؛ التي يلزم منها العصيان والسماجة والطغيان؛ وأنث الخبر مع أن المبتدأ مذكر؛ لأن الحنيفية غلبت عليها الاسمية؛ فصارت علما؛ وأن أفعل التفضيل المضاف لقصد الزيادة على من أضيف إليه؛ يجوز فيه الإفراد والمطابقة؛ ذكره الكرماني؛ وقال بعض الصوفية: معنى الحنيفية: التي تميل بالعبد إلى الله؛ و" الأحنف " : الأميل؛ وهو الذي تميل أصابع إحدى رجليه إلى الأخرى؛ فكأنه قال: أحب أوصاف أهله إليه أن يميل العبد بقلبه في سائر أحواله؛ وبجوارحه؛ إلى عبادته؛ بحيث يعرض عما سواه؛ ويكون معنى السماحة سهولة الانقياد إلى رب العباد؛ فيما أمر؛ ونهى؛ فيصبر على مر القضاء؛ وحلوه؛ ويشكر؛ فهذه أحب أوصاف أهل الدين إليه؛ وقال الحراني : أصل مادة " حنف" ؛ بكل ترتيب؛ تدور على الخفة؛ واللطافة؛ ويلزم هذا المعنى الانتشار والضمور والميل؛ فيلزمه الانقياد والاستقامة؛ انتهى؛ واستنبط الشافعي من الحديث قاعدة أن المشقة تجلب التيسير؛ وإذا ضاق الأمر اتسع.

(حم خد طب) ؛ كلهم عن علقمة ؛ وعلقه البخاري في الصحيح؛ من حديث عكرمة ؛ (عن ابن عباس ) ؛ قال الهيتمي: فيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري؛ منكر الحديث؛ قال: قيل: يا رسول الله؛ أي الأديان أحب إلى الله؟ فذكره؛ وقال شيخه العراقي: فيه محمد بن إسحاق ؛ رواه بالعنعنة؛ أي: وهو يدلس عن الضعفاء؛ فلا يحتاج إلا بما صرح فيه بالتحديث؛ انتهى؛ قال العلائي: لكن له طرق لا ينزل عن درجة الحسن بانضمامها؛ وقال ابن حجر في التخريج: له شاهد مرسل؛ في طبقات ابن سعد ؛ قال: وفي الباب عن أبي بن كعب ؛ وجابر بن عبد الله ؛ وابن عمر ؛ وأبي أمامة ؛ وأبي هريرة ؛ وغيرهم؛ وقال - أعني ابن حجر - في الفتح؛ وفي المختصر: إسناده حسن؛ انتهى؛ وبه يعرف أن رمز المؤلف لصحته غير جيد.



الخدمات العلمية