الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فإن قلت : فما فائدة الدعاء والقضاء لا مرد له ؟! فاعلم أن من القضاء رد البلاء بالدعاء فالدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لرد السهم والماء سبب لخروج النبات من الأرض فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان ، فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يحمل السلاح وقد قال تعالى : خذوا حذركم وأن لا يسقي الأرض بعد بث البذر فيقال : إن سبق القضاء بالنبات نبت البذر وإن لم يسبق لم ينبت ، بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر أو هو أقرب وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر ، والذي قدر الخير قدره بسبب ، والذي قدر الشر قدر لدفعه سببا فلا تناقض بين هذه الأمور عند من انفتحت بصيرته ثم في الدعاء من الفائدة ما ذكرناه في الذكر فإنه يستدعي حضور القلب مع الله وهو منتهى العبادات ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " الدعاء مخ العبادة .

" والغالب على الخلق أنه لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله عز وجل إلا عند إلمام حاجة وإرهاق ملمة فإن الإنسان ، إذا مسه الشر فذو دعاء عريض فالحاجة تحوج إلى الدعاء ، والدعاء يرد القلب إلى الله عز وجل بالتضرع والاستكانة فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات ولذلك صار البلاء موكلا بالأنبياء عليهم السلام ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل لأنه يرد القلب بالافتقار والتضرع إلى الله عز وجل ويمنع من نسيانه ، وأما الغنى فسبب للبطر في غالب الأمور فإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى .

التالي السابق


( فإن قلت: فما فائدة الدعاء والقضاء لا مرد له؟!) تقرير هذا السؤال:

أولا: أن المدعو به إما أن يكون قد قضى الله بوقوعه أم لا، فإن كان الأول فهو حاصل وإن لم يدع، وإن كان الثاني فالدعاء لا يرد القضاء؛ إذ القضاء لا مرد له، وهذا هو الذي أشار إليه المصنف .

وثانيا: فهو سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فأي حاجة للدعاء؟!

وثالثا: فالمطلوب بالدعاء إن كان من مصالح الداعي فالحق لا يتركه، وإن لم يكن لم يجز قطعا .

ورابعا: ففي الحديث: "جف القلم بما أنت لاق" وقال: "أربع فرغ منها: العمر والرزق والخلق والخلق" وحينئذ فأي فائدة للدعاء؟!

وخامسا: فأجل مقامات الصديقين: الرضا بقضاء الله، والدعاء ينافي ذلك .

هذه خمسة أسئلة أوردها المنكرون، اقتصر المصنف على واحد منها .

وقد أجاب العلماء عنها بأجوبة، أشار المصنف إلى بعضها، وقال: ( فاعلم أن من القضاء رد البلاء بالدعاء) بمعنى أن الله تعالى قدر على من يوقع البلاء به عدم الدعاء، وقدر على من لم يوقع عليه البلاء وجود الدعاء، ويشهد لذلك ما أخرجه الترمذي، عن ابن أبي خزامة، عن أبيه "أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقي بها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله" قال الحافظ عبد الغني في درر الأثر: حديث حسن، ولا يعرف لابن أبي خزامة سواه .

وقال الدارقطني في العلل: رواه الزهري، عن أبي خزامة بن يعمر، عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو الصواب .

وقال البدر الزركشي في كتاب الأزهية في الأدعية: وأخرجه الحاكم في المستدرك من جهة معمر، عن الزهري، عن عروة، عن حكيم بن جزام قال: قلت يا رسول الله: "رقى نسترقي بها، وأدوية كنا نتداوى بها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله" ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

وقال مسلم في تصنيفه فيما أخطأ معمر بالبصرة: إن معمرا حدث به مرتين، فقال مرة: عن الزهري، عن ابن أبي خزامة، عن أبيه، قال الحاكم: وعندي أن هذا لا يعلله؛ فقد تابع صالح بن أبي الأخضر معمر بن راشد في حديثه، عن الزهري، عن عروة، وصالح وإن كان في الطبقة الثالثة من أصحاب الزهري فقد استشهد بمثله، ثم ساقه .

ونحو من هذا الجواب ما ورد من أن صلة الرحم زيادة في العمر من أن الزيادة مشروطة في الأزل بالصلة، وعدمها بعدمها .

وأشار المصنف إلى الجواب الثاني بقوله: ( والدعاء لرد البلاء واستجلاب الرحمة) يعني: أنا لا نسلم أن الدعاء لا يرد البلاء، بل هو سبب في رده ( كما أن الترس) بالضم، معروف، من آلة الحرب، والجمع ترسة كعتبة، وتروس وتراس كفلوس وسهام، وربما قيل: أتراس، فإن كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب سمي جحفة ودرقة ( سبب لرد السهم) عن حامله ( و) كما أن ( الماء سبب لخروج النبات) من الأرض ( وكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان) روى الحاكم من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال [ ص: 116 ] رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيتعالجان إلى يوم القيامة".

وعن سلمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر" رواه الترمذي، وقال: حسن غريب .

وأخرجه ابن ماجه والحاكم وابن حبان من حديث ثوبان أيضا، وصحح الحاكم إسناده، ولما أخرجه أبو موسى المديني في الترغيب قال: قال أستاذنا أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل فيما قرأته عليه: "إن الله -تبارك وتعالى- إذا أراد أن يخلق النسمة قال: فإن كان منها الدعاء رد عنها كذا وكذا، وإن لم يكن منها الدعاء نزل بها كذا وكذا، وكذلك أجلها أن يرث والديها، ويكون ذلك فيما يكتب في الصحيفة" .

وقال الزركشي بعد أن أورد حديث عائشة الذي أخرجه الحاكم ما نصه: وهذا إلا ينافي الحديث السابق في الجواب الأول؛ لأن معنى الذي قبله أن الرقى والدواء لا تستقل برد القضاء، لكن الله تعالى إذا أراد رد قضائه بحسب سابق عمله قدر التسبب إلى استعمال الرقى والأدوية، فكان هو في الحقيقة القاضي الراد. وقد صحت السنة بمشروعيه التداوي والاسترقاء.

ومعنى الثاني نفي استقلال الدواء كما سبق، وكذلك الدعاء والبر في الحقيقة لا يستقلان بشيء بل هما من قدر الله .

وقد روى الفريابي في كتاب الذكر، عن علي -رضي الله عنه- قال: "الدعاء يدفع الأمر المبرم".

وعن ابن عباس: "الدعاء يدفع القدر" وقال: "إن الأمر ليقضى فيرده الدعاء بعدما قضي، ثم قرأ: فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها الآية، وهو مؤول على ما سبق .

( وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى) وقدره ( أن) يطرح النظر إلى الأسباب بأن ( لا يحمل السلاح) والجنن الواقية ( وقد قال -عز وجل-: خذوا حذركم ) وهو بكسر فسكون، اسم من حذر حذرا إذا تأهب واستعد ( وأن لا تسقى الأرض) بالمياه ( بعد بث البذر) فيها ( فيقال: إن سبق القضاء بالنبات نبت، بل) لا بد من ملاحظة الأسباب؛ إذ ( ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر) في كمال السرعة ( وترتب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب) هو ( على التدريج والتقدير هو القدر، والذي قدر الخير قدره بسبب، والذي قدر الشر قدر لرفعه سببا) وهكذا جرت عادة الله -سبحانه- في خلقه بربط الأسباب بمسبباتها .

( فلا تناقض بين هذه الأمور) وفي نسخة: بين هذين الأمرين ( عند من انفتحت بصيرته) واكتحل بصره بنور التوفيق، وساعده الفهم السليم .

وأشار إلى الجواب الثالث بقوله: ( ثم في الدعاء من الفائدة ما ذكرناه في الذكر) في الباب الأول، ثم أشار إلى بعض ما لم يسبق ذكره بقوله ( فإنه) أي: الدعاء ( يستدعي حضور القلب) أي: قلب الداعي ( مع الله عز وجل) وجذبه إليه، حضورا كليا، لا يكون معه للسوي سبيل بالتضرع والاستكانة وإظهار العبودية، والإقرار بالفقر والحاجة، والاعتراف بالربوبية ( وذلك هو منتهى العبادات) ونتيجتها وخلاصتها ( ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: "الدعاء مخ العبادة") ومخ كل شيء خالصه، وقد تقدم الكلام عليه في الباب الأول، ثم هو قد يكون شرطا لوجود الصحة .

ومن فوائد الدعاء: أن الله تعالى يثيب على الدعاء وإن لم تقع الإجابة؛ لأنه عبادة؛ لقوله: "الدعاء مخ العبادة".

( والغالب على الخلق أنه لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله) واللجإ إليه بالدعاء ( إلا عند إلمام حاجة) مهمة ( وإرهاق) نائبة ( ملمة، والإنسان إذا مسه الضر فذو دعاء عريض) كما جاء ذلك في الكتاب العزيز .

( فالحاجة) المهمة ( تحوج إلى) التفرغ إلى ( الدعاء، والدعاء يرد القلب) ويجذبه ( إلى الله تعالى بالتضرع والاستكانة) وإظهار العبودية، والإقرار بالفقر والحاجة، والاعتراف بالربوبية ( فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات) وأجلها ( ولذلك صار البلاء موكلا بالأنبياء -عليهم السلام- ثم الأولياء) رحمهم الله تعالى ( ثم الأمثل فالأمثل) كما جاء ذلك في بعض الأخبار .

لكن بمعناه روى الترمذي، والنسائي في الكبرى، وابن ماجه، والدارمي، وابن منيع، وأبو يعلى، وابن أبي عمر في مسانيدهم، من طريق عاصم ابن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل" الحديث .

وللطبراني من حديث فاطمة مرفوعا: "أشد الناس الأنبياء ثم الصالحون" الحديث .

( لأنه يرد القلب [ ص: 117 ] بالافتقار والتضرع) والعبودية المحصة ( إلى الله تعالى ويمنع نسيانه، وأما الغنى) بكثرة الأموال والأملاك ( فسبب للبطر) والترفع على الأقران ( في غالب الأمور) والشؤون ( فإن الإنسان ليطغى) أي: يتحاوز عن حده بطغيانه ( أن رآه استغنى) أي: صار غنيا .




الخدمات العلمية