الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
والأولى بالعالم أن يقسم أوقاته أيضا فإن استغراق الأوقات في ترتيب العلم لا يحتمله الطبع فينبغي أن يخصص ما بعد الصبح إلى طلوع الشمس بالأذكار والأوراد كما ذكرناه في الورد الأول وبعد الطلوع إلى ضحوة النهار في الإفادة والتعليم إن كان عنده من يستفيد علما لأجل الآخرة ، وإن لم يكن فيصرفه إلى الفكر ويتفكر فيما يشكل عليه من علوم الدين ، فإن صفاء القلب بعد الفراغ من الذكر وقبل الاشتغال بهموم الدنيا يعين على التفطن للمشكلات ، ومن ضحوة النهار إلى العصر للتصنيف والمطالعة لا يتركها إلا في وقت أكل وطهارة ومكتوبة وقيلولة خفيفة إن طال النهار ومن العصر إلى الاصفرار يشتغل بسماع ما يقرأ بين يديه من تفسير أو حديث أو علم نافع ومن الاصفرار إلى الغروب يشتغل بالذكر والاستغفار والتسبيح فيكون ورده الأول قبل طلوع الشمس في عمل اللسان وورده الثاني في عمل القلب بالفكر إلى الضحوة ، الثالث وورده الثالث إلى العصر في عمل العين واليد بالمطالعة والكتابة وورده الرابع بعد العصر في عمل السمع ليروح فيه العين واليد فإن المطالعة والكتابة بعد العصر ربما أضرا بالعين وعند الاصفرار يعود إلى ذكر اللسان فلا يخلو جزء من النهار عن عمل له بالجوارح مع حضور القلب في الجميع وأما الليل فأحسن قسم فيه قسمة الشافعي رضي الله عنه إذ كان يقسم الليل ثلاثة أجزاء ثلثا : للمطالعة وترتيب العلم وهو الأول وثلثا ، للصلاة وهو الوسط، وثلثا ، للنوم وهو الأخير وهذا يتيسر في ليالي الشتاء والصيف ربما لا يحتمل ذلك إلا إذا كان أكثر النوم بالنهار فهذا ما نستحبه من ترتيب أوراد العالم

التالي السابق


(والأولى بالعالم أن يقسم أوقاته أيضا) كما ذكر في العابد (فإن استغراق الأوقات في ترتيبه العلم) إفتاء وتدريسا وتصنيفا (لا يحتمله الطبع) البشري (فينبغي أن يخصص ما بعد الصبح إلى طلوع الشمس بالأذكار) الواردة (والأوراد) الراتبة (لما ذكرناه في الورد الأول) آنفا، (وبعد الطلوع إلى الضحوة) الكبرى (في الإفادة والتعليم) وإلقاء الدروس (إن كان عنده من يستفيد علما) منه (لأجل) زاد (الآخرة، وإن لم يكن) بالوصف المذكور (فيصرفه) أي: الوقت (إلى الفكر) والتأمل ومراجعة ما يحتاج إليه (فيما يشكل عليه من علوم الدين، فإن صفاء القلب) وفراغ الذهن (بعد الفراغ من الذكر) والمراقبة، (وقبل الاشتغال بهموم الدنيا) وتدبير المعاش إن كان معيلا (يعين على التفطن للمشكلات، والعويصات، ومن ضحوة النهار إلى العصر للتصنيف والمطالعة) والمراجعة (لا يتركهما) .وفي نسخة لا يتركها (إلا في وقت أكل) إن لم يكن صائما (وطهارة و) أداء (مكتوبة وقيلولة خفيفة) بمقدار ساعة زمانية أو أقل (إن طال النهار) ، وذلك في الصيف، (ومن العصر إلى الاصفرار يشتغل بسماع ما يقرأ بين يديه من تفسير) مأثور (أو حديث) منقول من [ ص: 173 ] كتب صحيحة (أو علم نافع) وهو التصوف ومعاملات القلوب (ومن الاصفرار إلى الغروب يشتغل بالاستغفار والتسبيح والذكر) بأنواعها مما تيسر على اللسان، (فيكون ورده الأول قبل طلوع الشمس في عمل اللسان) وهو الذكر، (وورده الثاني في عمل القلب بالفكر) والتأمل (إلى الصحوة، وورده الثالث إلى العصر في عمل العين واليد بالمطالعة والكتابة) فيه لف ونشر مرتب، (وورده الرابع بعد العصر في عمل السمع ليروح فيه العين) عن المطالعة، (واليد) عن الكتابة، (فالمطالعة والكتابة بعد العصر ربما أضر ذلك البصر) ، وينسب إلى علي رضي الله عنه: من أحب كريمتيه فلا يكتبن بعد العصر، وهذا قد يختلف باختلاف الأشخاص والأماكن، فرب شخص قوي البصر قد لا يمنع في ذلك، ورب مكان مشرق لا يضر البصر بعد العصر لانتشار ضوئه، (وعند الاصفرار يعود إلى ذكر اللسان) كما كان في الورد الأول; ليكون آخره كأوله، (فلا يخلو جزء من) أجزاء (النهار عن عمل بالجوارح مع حضور القلب في الجميع) ، وهذا هو طريق الاختيار في حق العالم وقد لا يستقيم بعد هذا الترتيب لعوارض تعرض له، فيعمل كل شيء بما يقتضيه الوقت والحال، وهذا ترتيب النهار .

(وأما الليل فأحسن قسمة فيه قسمة الشافعي -رضي الله عنه- إذ كان يقسم الليل ثلاثة أجزاء: ثلث للمطالعة) والمراجعة، (وترتيبه العلم وهو الأول، وثلث للصلاة وهو الأوسط، وثلث للنوم وهو الأخير) ، وهكذا ذكره البيهقي وغيره في مناقبه، ونقله ابن السبكي وابن كثير في الطبقات في ترجمته، وحصة كل ثلث نحو أربع ساعات، (وهذا يتيسر في ليالي الشتاء) لطولها، (والصيف ربما لا يحتمل ذلك) لقصر لياليه (إلا إذا أكثر النوم بالنهار) فتندرج حصة الثلث الثالث في الثلثين، وإن جعل الثاني للنوم والثالث للصلاة فهو قريب من القسمة الأولى، (فهذا ما نستحبه من ترتيب أوراد العالم) .

ومن اختار هذا الترتيب في النهار والليل من العلماء بورك في علمه وتصنيفه، وذكر بعض العلماء في ترجمة المصنف قدس سره أنه صنف هذا الكتاب في مائة يوم، ومع ذلك كان يختم القرآن في اليوم والليلة مرة، فهذا وأمثاله مما وقع لغيره من المصنفين من بركة الوقت وحسن إخلاصهم -رحمهم الله تعالى- ونفعنا بهم آمين .




الخدمات العلمية