الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الباب الثالث :

في آداب تقديم الطعام إلى الإخوان الزائرين .

تقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كثير .

قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما : إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس ، فإنها ساعة لا تحسب عليكم من أعماركم .

وقال الحسن رحمه الله : كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه فمن دونهم يحاسب عليها البتة إلا نفقة الرجل على إخوانه في الطعام ، فإن الله يستحي أن يسأل عن ذلك .

هذا مع ما ورد من الأخبار في الإطعام ، قال صلى الله عليه وسلم : لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دامت مائدته موضوعة بين يديه حتى ترفع .

وروي عن بعض علماء خراسان أنه كان يقدم إلى إخوانه طعاما كثيرا لا يقدرون على أكل جميعه ، وكان يقول بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الإخوان إذا رفعوا أيديهم عن الطعام لم يحاسب من أكل فضل ذلك .

"
فأنا أحب أن أستكثر مما أقدمه إليكم لنأكل فضل ذلك .

وفي الخبر : لا يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه .

وكان بعضهم يكثر الأكل مع الجماعة لذلك ويقلل إذا أكل وحده وفي الخبر : " ثلاثة لا يحاسب عليها العبد : أكلة السحور وما أفطر عليه وما أكل مع الإخوان .

" وقال علي رضي الله عنه : لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن أعتق رقبة .

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول : من كرم المرء طيب زاده في سفره وبذله لأصحابه وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون : الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن ولا يتفرقون إلا عن ذواق .

وقيل : اجتماع الإخوان على الكفاية مع الأنس والألفة ليس هو من الدنيا .

وفي الخبر : " يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة : يا ابن آدم ، جعت فلم تطعمني . فيقول : كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ فيقول : جاع أخوك المسلم فلم تطعمه ولو أطعمته كنت أطعمتني .

وقال صلى الله عليه وسلم : " إذا جاءكم الزائر فأكرموه .

"
وقال صلى الله عليه وسلم : " إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها " هي لمن ألان الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام .

وقال صلى الله عليه وسلم : خيركم من أطعم الطعام .

وقال صلى الله عليه وسلم : من أطعم أخاه حتى يشبعه ، وسقاه حتى يرويه بعده الله من النار بسبع خنادق ، ما بين كل خندقين مسيرة خمسمائة عام .

التالي السابق


(الباب الثالث: في آداب تقديم الطعام إلى الإخوان الزائرين)

(اعلم أن تقديم الطعام إلى الإخوان) الواردين عليه سواء بدعوة أو لا (فيه فضل كثير) وثواب جزيل. (قال جعفر بن محمد) بن علي بن الحسين بن علي (-رضي الله عنهما-: إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس، فإنها ساعة لا تحسب عليكم من أعماركم) نقله صاحب "القوت" .

(وقال الحسن) البصري (-رحمه الله تعالى -: كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه فمن دونهم يحاسب عليها العبد إلا نفقة الرجل على إخوانه في الطعام، فإن الله يستحيي أن يسأله عن ذلك) ، نقله صاحب "القوت " (هذا مع ما ورد من الأخبار في) فضل (الإطعام، قال -صلى الله عليه وسلم-: لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم) أي: تستغفر له (ما دامت مائدته موضوعة) أي: مدة دوام وضعها للأضياف (بين يديه حتى ترفع) قال العراقي : رواه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة بسند ضعيف أنها قالت:... ورواه كذلك الحكيم الترمذي في نوادر الأصول بلفظ: " إن الملائكة تصلي " وجزم المنذري بضعفه، وأخرجه أيضا البيهقي في الشعب وقال: تفرد به بندار بن علي.

قال الحكيم الترمذي : سؤال الملائكة ربهم أن يغفروا لعبده من الأسباب الموجبة للمغفرة له، فهو سبحانه نصب الأسباب التي يفعل بها ما يشاء بأوليائه وأعدائه، وجعلها أسبابا بإرادته كما جعلها أسبابا لوقوع مراده فمنه السبب والمسبب، وإن أشكل عليك ذلك فانظر إلى الأسباب الموجبة لمحبته وغضبه فهو يحب ويرضى ويغضب، والكل منه وإليه، وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد .

(وروي عن بعض علماء خراسان أنه كان يقدم إلى إخوانه طعاما كثيرا لا يقدرون على أكله جميعه، وكان يقول) : ولفظ " القوت ": أنه كان إذا دعا إخوانه قدم إليهم نحو القفيز من صنوف الأطعمة والحبوب والفواكه اليابسة، فسئل عن ذلك فقال: (بلغنا عن [ ص: 232 ] رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " إن الإخوان إذا رفعوا أيديهم عن الطعام لم يحاسب من أكل فضل ذلك" فأنا أحب أن أستكثر مما أقدمه إليكم لنأكل فضل ذلك) أي: ولا نحاسب عليه كذا في "القوت " وقال في موضع آخر: وفي تقديم المأكول الكثير ليرجع أكثره نية حسنة لما جاء فيه أن من أكل ما فضل من الإخوان لم يحاسب عليه .

قال العراقي : لم أقف له على أصل (وفي الخبر: لا يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه) ، ولفظ " القوت ": وفي خبر عن بعض السلف. وقال العراقي : هو في الحديث الذي بعده بمعناه (وكان بعضهم يكثر) من (الأكل) مع الجماعة (لذلك ويقلل) منه (إذا أكل وحده) ، نقله صاحب "القوت " (وفي الخبر: " ثلاثة لا يحاسب عليها العبد: أكلة السحر وما أفطر عليه والأكل مع الإخوان") هكذا هو في "القوت "، وقال العراقي : رواه الأزدي في الضعفاء من حديث جابر: " ثلاثة لا يسألون عن النعيم: الصائم والمفطر والرجل يأكل مع ضيفه ". أورده في ترجمة سليمان بن داود الجزري، وقال فيه: منكر الحديث. وللديلمي في مسند الفردوس نحوه من حديث أبي هريرة . اهـ .

(وقال علي -رضي الله عنه-: لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن أعتق رقبة) أورده صاحب "القوت " وسيأتي له في آداب الصحبة بلفظ: لأن أصنع صاعا من طعام وأجمع عليه إخواني في الله أحب إلي من أن أعتق رقبة. رواه محمد بن عبد الكريم السمرقندي في روح المجالس بلفظ: لأن أجمع نفرا من إخواني على صاع أو صاعين من طعام أحب إلي من أن أدخل السوق فأشتري عبدا فأعتقه.

(وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: من كرم المرء طيب زاده في سفره وبذله لأصحابه) . نقله صاحب "القوت " وتقدم ذكره في كتاب الحج مع اختلاف عبارة، (وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق) أي: من الخصال الدالة عليها، كذا في "القوت "، (وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن) وعلى الذكر، (ولا يتفرقون إلا عن ذواق) أي: عن شيء من الطعام يذوقونه، أي: يطعمونه، نقله صاحب "القوت "، وعن هنا بمعنى بعد نظير قوله تعالى: لتركبن طبقا عن طبق وروى الترمذي في الشمائل في صفته -صلى الله عليه وسلم-: أن أصحابه لم يكونوا يتفرقون عنه إلا عن ذواق .

قال الشارح: إلا عن مطعوم حسي غالبا أو معنوي دائما وهو العلم. وقال بعض أهل الاعتبار: ما أجبت الدعوة إلا لما أتذكر بها نعيم الجنة; طعام ينقل من غير كلفة ولا مؤنة. ولذلك (قيل: اجتماع الإخوان على الكفاية مع الألفة ليس هو من الدنيا) كذا في "القوت ". (وفي الخبر: " يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة: يا ابن آدم، جعت فلم تطعمني. فيقول: كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ فيقول: جاع أخوك المسلم فلم تطعمه ولو أطعمته كنت أطعمتني) كذا أورده في "القوت " .

قال العراقي : رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: " استطعمتك فلم تطعمني " (وقال -صلى الله عليه وسلم-: " إذا جاءكم الزائر فأكرموه") ندبا مؤكدا ببشر وطلاقة وجه ولين جانب وقضاء حاجة وضيافة بما يليق بحال الزائر والمزور، وقال العراقي : رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أنس، وهو حديث منكر قاله ابن أبي حاتم في العلل. اهـ .

قلت: وكذلك رواه ابن لال من طريقه وفيه يحيى بن مسلم قال الذهبي: ضعفه الجماعة. (وقال -صلى الله عليه وسلم-: " إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها") لكونها شفافة لا تحتجب ما وراءها (هي لمن) ، وفي رواية: أعدها الله لمن (ألان الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام) .وفي رواية: " لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام". وفي أخرى: "واصل" بدل " تابع" وفي أخرى زيادة " أفشى السلام "، قال العراقي : رواه الترمذي من حديث علي، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. اهـ .

قلت: ورواه كذلك أحمد وابن حبان والبيهقي من حديث أبي مالك الأشعري قال الهيتمي: رجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الله بن معانق، ووثقه ابن حبان، ووقعت في رواية البيهقي زيادة: قال: يا رسول الله، وما إطعام الطعام ؟ قال: من قات عياله. قيل: وما وصال الصيام ؟ قال: من صام رمضان ثم أدرك رمضان فصامه، قيل: وما إفشاء السلام ؟ قال: مصافحة أخيك، قيل: وما الصلاة والناس نيام ؟ قال: صلاة العشاء الآخرة. اهـ .

وهو وإن [ ص: 233 ] ضعفه ابن عدي لكن أقام له ابن القيم شواهد يعتضد بها، ومع ملاحظته لا يمكن التفسير بغيره، والله أعلم .

(وقال -صلى الله عليه وسلم-: خيركم من أطعم الطعام) قال العراقي : رواه أحمد والحاكم من حديث صهيب، وقال: صحيح الإسناد. اهـ .

قلت: ولكن بزيادة: " ورد السلام "، وهكذا رواه أبو الشيخ في الثواب.... في جزئه. وأبو يعلى وابن عساكر كلهم من طريق حمزة بن صهيب عن أبيه. (وقال - صلى الله عليه وسلم-: من أطعم أخاه حتى يشبعه، وسقاه حتى يرويه بعده الله من النار سبع خنادق، ما بين كل خندقين مسيرة خمسمائة عام) قال العراقي : رواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو، وقال ابن حبان: ليس من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وقال الذهبي: غريب منكر. اهـ .

قلت: هذا لفظ الحاكم ورواه أيضا النسائي والبيهقي والخرائطي في مكارم الأخلاق، كلهم بلفظ: " من أطعم أخاه من الخبز حتى يشبعه، وسقاه من الماء حتى يرويه وفيه كل خندق مسيرة سبعمائة عام " .




الخدمات العلمية