الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فالناكح ساع في إتمام ما أحب الله تعالى تمامه والمعرض معطل ومضيع لما كره الله ضياعه ولأجل محبة الله تعالى لبقاء النفوس أمر بالإطعام وحث عليه وعبر عنه بعبادة القرض فقال : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا . فإن قلت : قولك : إن بقاء النسل والنفس محبوب يوهم أن فناءها مكروه عند الله وهو فرق بين الموت والحياة بالإضافة إلى إرادة الله تعالى ومعلوم أن الكل بمشيئة الله وأن الله غني عن العالمين فمن أين يتميز عنده موتهم عن حياتهم أو بقاؤهم عن فنائهم فاعلم ؟ أن هذه الكلمة حق أريد بها باطل فإن ما ذكرناه لا ينافي إضافة الكائنات كلها إلى إرادة الله خيرها وشرها ونفعها وضرها ولكن المحبة والكراهية يتضادان وكلاهما لا يضادان الإرادة فرب مراد مكروه ورب مراد محبوب ، فالمعاصي مكروهة ، وهي مع الكراهة مرادة والطاعات مرادة ومزمع كونها مرادة محبوبة ومرضية أما الكفر والشر فلا نقول : إنه مرضي ومحبوب ، بل هو مراد .

وقد قال الله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر فكيف يكون الفناء بالإضافة إلى محبة الله وكراهته كالبقاء فإنه تعالى يقول ما : " ترددت في شيء كترددي في قبض روح عبدي المسلم هو يكره الموت وأنا أكره مساءته ، ولا بد له من الموت .

"
فقوله لا : " بد له من الموت " إشارة إلى سبق الإرادة والتقدير المذكور في قوله تعالى نحن قدرنا بينكم الموت وفي قوله تعالى : الذي خلق الموت والحياة ولا مناقضة بين قوله تعالى نحن قدرنا بينكم الموت وبين قوله : " وأنا أكره مساءته " ولكن إيضاح الحق في هذا يستدعي تحقيق معنى الإرادة والمحبة والكراهة وبيان حقائقها ، فإن السابق إلى الإفهام منها أمور تناسب إرادة الخلق ومحبتهم وكراهتهم . وهيهات فبين صفات الله تعالى وصفات الخلق من البعد ما بين ذاته العزيز وذاتهم ، وكما أن ذوات الخلق جوهر وعرض وذات الله مقدس عنه ، ولا يناسب ما ليس بجوهر وعرض الجوهر والعرض ، فكذا صفاته لا تناسب صفات الخلق وهذه الحقائق داخلة في علم المكاشفة ووراء سر القدر الذي منع من إفشائه فلنقصر عن ذكره ولنقتصر على ما نبهنا عليه من الفرق بين الإقدام على النكاح والإحجام عنه ، فإن أحدهما مضيع نسلا أدام الله وجوده من آدم صلى الله عليه وسلم عقبا بعد عقب إلى أن انتهى إليه ، فالممتنع عن النكاح قد حسم الوجود المستدام من لدن وجود آدم عليه السلام على نفسه فمات أبتر لا عقب له

التالي السابق


(فالناكح) في الحقيقة (ساع في إتمام ما أحب الله تعالى تمامه) وربط عليه نظام عالمه، (والمعرض عن النكاح معطل ومضيع لما كره الله ضياعه) وفرق بين ساع في إتمام وبين متسبب لتخريب النظام، (ولأجل محبة الله) عز وجل (لبقاء النفوس) وحفظ ناموسها (أمر بالإطعام وحث عليه) ، فمنه ما هو في كتابه، ومنه ما هو على لسان رسوله، (وعبر عنه بعبارة القرض فقال: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا .

فإن قلت: قولك: إن بقاء النسل) الإنساني (والنفس) الحيواني (محبوب يوهم أن فناءها) أي: النفس (مكروه عند الله تعالى) من ضرورة التضاد بين المحبة والكراهة، (وهو فرق بين الموت والحياة بالإضافة إلى إرادة الله) عز وجل، (ومعلوم أن الكل) منهما (بمشيئة الله) عز وجل (و) معلوم (أن الله غني عن العالمين) ومقتضى وصف الغنى تساويهما عنده على حد سواء، (فمن أين يتميز عنده) تعالى (موتهم على حياتهم وبقاؤهم عن فنائهم ؟) وهو إشكال قوي، وقد أجاب عنه بقوله (فاعلم أن هذه كلمة حق أريد بها باطل) ، وأول من تكلم بها علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في مخاطبته لبعض الخوارج كما تقدم في كتاب العلم، (فإن ما ذكرناه لا ينافي إضافة الكائنات) أي: المخلوقات، (كلها إلى إرادة الله تعالى خيرها وشرها ونفعها وضرها) يسرها وعسرها (ولكن المحبة والكراهية يتضادان) يستحيل اجتماعهما في موضع واحد; لأن كلا منهما ينافي الآخر في أوصافه الخاصة، (وكلاهما يضادان الإرادة) ؛ لأن كل واحد منهما معها ليس تحت جنس واحد، (فرب مراد مكروه ورب مراد محبوب، فالمعاصي مكروهة، وهي مع الكراهة مرادة) إذ الكراهة هي الحكم في الشيء بأنه ينبغي فعله أولا، (والطاعات مرادة وهي مع كونها مرادة محبوبة ومرضية) عند الله تعالى، (أما الكفر والشر فلا تقل: إنه مرضي ومحبوب، بل هو مراد، وقد قال تعالى) في كتابه العزيز: ( ولا يرضى لعباده الكفر ) وتقدم تفصيل هذا البحث في قواعد العقائد. (وكيف يكون الفناء بالإضافة إلى محبة الله وكراهته كالبقاء وأنه تعالى يقول: " ما ترددت في شيء كترددي في قبض عبدي المسلم هو يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بد من الموت") قال العراقي : رواه البخاري من حديث أبي هريرة ، وانفرد به خالد بن مخلد القطواني وهو متكلم فيه. اهـ .

قلت: ورواه أبو نعيم في " الحلية " من طريق محمد بن عثمان بن كرته، حدثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة رفعه: " إن الله تعالى قال: من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب ". ثم ساق الحديث وفي آخره: " وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته " .

وأخرجه البخاري بطوله في الرقائق من هذا الطريق بهذا الإسناد. قال في الميزان: حديث غريب جدا، ولولا هيبة الصحيح لعدوه من منكرات خالد بن مخلد لغرابة لفظه، وانفراد شريك به، وليس بالحافظ ولم يرد هذا المعنى إلا بهذا الإسناد ولا خرجه غير البخاري. اهـ. أي: من الأئمة الستة. وقد ظهر لك من السياق أن قوله: " ولا بد من الموت " ليس عند البخاري نبه عليه الحافظ ابن حجر على حاشية المغني، ومثله بدون هذه الزيادة في حديث ابن عباس رواه الطبراني في الكبير. نعم رواه أبو نعيم في " الحلية "، وابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء، والحكيم، وابن مردويه، والبيهقي [ ص: 296 ] في الأسماء، وابن عساكر كلهم من حديث أنس بلفظ: " وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض عبدي المؤمن، وهو يكره الموت، وأنا أكره مساءته ولابد له منه ".

(فقوله: " ولا بد من الموت " إشارة إلى سبق الإرادة) الأزلية (والتقدير المذكور في قوله تعالى: الذي خلق الموت والحياة ) أي: قدرهما أو أوجد الحياة وإزالتها حسبما قدره، وقدم الموت لقوله: وكنتم أمواتا فأحياكم ولأنه أدعى إلى حسن العمل كذا في البيضاوي، وفيه كلام أودعته في الإنصاف في المحاكمة بين البيضاوي والكشاف، (ولا مناقضة بين قوله تعالى نحن قدرنا بينكم الموت وبين قوله: " وأنا أكره مساءته") ، فإن المراد بكراهته للموت ما يناله منه من الصعوبة والشدة والمرارة لشدة ائتلاف روحه بجسده وتعلقها به ولعدم معرفته بما هو صائر إليه بعده، ومعنى قوله: " وأنا أكره مساءته " أي أريده له لأنه يورده موارد الرحمة والغفران والتلذذ بنعيم الجنان، وقد يحدث الله بقلب عبده من الرغبة فيما عنده والشوق إليه ما يشتاق به إلى الموت فضلا عن كراهته فيأتيه وهو إليه مشتاق، وذلك من مكنون ألطافه فلا تناقض بينه وبين قوله: نحن قدرنا بينكم الموت فتأمل .

(ولكن إيضاح الحق في هذا يستدعي تحقيق معنى الإرادة والمحبة والكراهة وبيان حقائقها، فإن السابق إلى الأفهام منها أمور تناسب إرادة الخالق ومحبتهم وكراهتهم. وهيهات فبين صفات الله وصفات الخلق من البعد) مثل (ما بين ذاته وذواتهم، وكما أن ذوات الخلق جوهر وعرض وذات الله مقدسة عنه، ولا يناسب ما ليس بجوهر وعرض الجوهر والعرض، فكذا صفاته لا تناسب صفات الخلق) . وقد ذكر المصنف في المقصد الأسنى في الفصل الرابع منه ما نصه: ومهما عرف معنى المماثلة المنفية عن الله تعالى عرفت أنه لا مثل له، ولا ينبغي أن يظن أن المشاركة في كل وصف توجب المماثلة. أترى أن الضدين يتماثلان وبينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون بعد فوقه، وهما متشاركان في أوصاف كثيرة إذ السواد يشارك البياض في كونه عرضا وفي كونه لونا مدركا بالبصر وأمورا أخر سواه، أفترى من قال: إن الله تعالى موجود لا في محل وأنه سميع بصير عليم مريد متكلم حي قادر فاعل، وللإنسان أيضا كذلك، فقد شبه قائل هذا إذا وأثبت المثل. هيهات ليس في الأمر كذلك، ولو كان الأمر كذلك لكان الخلق كلهم مشبهة إذ لا أقل من إثبات المشاركة في الوجود وهو موهم للمشابهة بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية، والخاصة الإلهية أنه الموجود الواجب الوجود بذاته التي يوجد عنها كل ما في الإمكان وجوده على أحسن وجوه النظام والكمال، وهذه الخاصية لا تتصور فيها مشاركة البتة والمماثلة بها تحصل بل الخاصية الإلهية ليست إلا لله تعالى، ولا يعرفها إلا الله، ولا يتصور أن يعرفها إلا هو ومن هو مثله. وإذ لم يكن له مثل لا يعرفها غيره. اهـ .

(فهذه الحقائق داخلة في علم المكاشفة ووراءه سر القدر الذي يمنع إفشاؤه) إلا للخاصة، (فلنقبض عن ذكره ولنقتصر على ما نبهنا عليه من الفرق بين الإقدام على النكاح والإحجام عنه، فإن أحدهما) وهو المحجم عنه (مضيع نسلا أدام الله وجوده من) عهد (آدم عليه السلام عقبا بعد عقب) وطبقة بعد طبقة (إلى أن انتهى إليه، فالممتنع عن النكاح قد حسم) أي: قطع (الوجود المستديم من وجود آدم عليه السلام على نفسه فمات أبتر) مقطوعا (لا عقب له) . والأبتر من الحيوان من لا ذنب له شبه به الرجل الذي لا عقب له، وقد كان العاص بن وائل يقول للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إنك أبتر، وذلك لما مات أولاده الأربعة وبقيت بناته فرد الله عليه وقال: إن شانئك هو الأبتر بمعنى الأبتر الذي انقطع ذكره بعد موته، وثناؤه فلا يذكر بخير بعد موته. أي: فأما أنت فقد رفعنا لك ذكرك تذكر معي إذا ذكرت .




الخدمات العلمية