الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما العلم بالقدر ، فإنما يحصل بالكيل أو الوزن ، أو النظر إليه فلو قال : بعتك هذا الثوب بما باع به فلان ثوبه وهما لا يدريان ذلك فهو باطل ولو قال : بعتك بزنة هذه الصنجة فهو باطل ، إذا لم تكن الصنجة معلومة ولو قال : بعتك هذه الصبرة من الحنطة ، فهو باطل ، أو قال بعتك بهذه الصرة من الدراهم ، أو بهذه القطعة من الذهب ، وهو يراها ، صح البيع ، وكان تخمينه بالنظر كافيا في معرفة المقدار .

وأما العلم بالوصف ، فيحصل بالرؤية في الأعيان ولا ، يصح بيع الغائب

التالي السابق


(وأما العلم بالمقدار، فإنما يحصل بالكيل، والوزن، أو النظر إليه) . اعلم أن المبيع قد يكون في الذمة، وقد يكون معينا، والأول السلم، والثاني هو المشهور باسم البيع، والثمن فيهما جميعا، قد يكون في الذمة، وإن كان يشترط في السلم التسليم في مجلس العقد، وقد يكون معينا، فما كان في الذمة من العوضين، لا بد من أن يكون معلوم القدر .

(فلو قال: بعتك هذا الثوب) أو هذا الفرس (بما باع به فلان ثوبه) أو فرسه (وهما لا يدريان ذلك) أو أحدهما (فهو باطل) ; لأنه غرر، يسهل الاجتناب عنه، وحكي وجه: أنه يصح; لإمكان الاستكشاف، وإزالة الجهالة، فصار كما لو قال: بعتك هذه الصبرة، كل صاع منها بدرهم، يصح البيع، وإن كانت الجملة مجهولة في الحال، نقله في التتمة. وذكر بعضهم أنه إذا حصل العلم قبل التفرق، صح البيع .

(ولو قال: بعتك) ملء هذا البيت حنطة، أو (بزنة هذه الصنجة) ذهبا (فهو باطل، إذا لم تكن الصنجة معلومة) فلو قال: بعتك بمائة دينار، إلا عشرة دراهم، لم يصح، إلا أن يعلما قيمة الدينار بالدراهم، قال النووي: ينبغي أن لا يكفي علمهما بالقيمة، بل يشترط منه قصدهما استثناء القيمة، وذكر صاحب المستظهري، فيما إذا لم يعلما حال العقد قيمة الدينار بالدراهم، ثم علما في الحال، طريقين، أصحهما: لا يصح. والثاني: على وجهين. اهـ .

ولو قال: بعتك بألف من الدراهم، والدنانير، لم يصح; لأن قدر كل واحد منهما مجهول، وعن أبي حنيفة: أنه يصح، وإذا باع بدراهم، أو دنانير، فلا بد من العلم بنوعها، فإن كان في البلد نقد واحد، أو نقود، ولكن الغالب التعامل بواحد منها، انصرف العقد إلى المعهود، وإن كان فلوسا، إلا أن يعين غيره، وإن كان في البلد نقدان، أو نقود، وليس [ ص: 436 ] بعضها أغلب من بعض، فالبيع باطل، حتى يعين، وكما ينصرف العقد إلى النقد الغالب، ينصرف في الصفات إليه أيضا .

ولو قال: بعت بألف صحاح، ومكسرة، وجهان: أظهرهما: أنه يبطل; لأنه لم يبين قدر كل واحد منهما. الثاني: يصح، ويحمل على التضعيف .



(تنبيه)

ولما قدمنا أن العلم بمقدار العوض لا بد منه، إذا كان في الذمة، احتجنا إلى بيان مسألة، وهي كالمستثناة من هذه، وهي: أنه لو قال: بعتك هذه الصبرة ،كل صاع بدرهم، يصح العقد، وإن كانت الصبرة مجهولة الصيعان، وقدر الثمن مجهولا، وبه قال مالك، وأحمد.

وكذا الحكم لو قال: هذه الأرض، أو هذا الثوب، كل ذراع بدرهم، أو هذه الأغنام، كل واحدة بدينار .

وقال أبو حنيفة: إذا كانت الجملة مجهولة، صح البيع في مسألة الصبرة، وفي قفيزة واحد دون الباقي، وفي مسألة الأرض والثوب، لا يصح في شيء، وهذا ما حكاه ابن كج، عن أبي الحسين، في الصور كلها .

وجه الصحة: أن الصبرة مشاهدة، والمشاهدة كافية للصحة، ولا يضر الجهل بمبلغ الثمن; لأن تفصيله معلوم، والغرر يرتفع به، فإنه يعلم أقصى ما ينتهي إليه الصبرة، وقد رغب فيها على شرط كل صاع بدرهم كم كانت .

ولو قال: بعتك عشرة من هؤلاء الأغنام بكذا، لم يصح، وإن علم عدد الجملة، بخلاف مثله في الصبرة، والأرض، والثوب; لأن قيمة الشاة تختلف، فلا يدرى كم العشرة من الجملة، كذا ذكره في التهذيب .

ثم إن هذا الذي ذكره المصنف، في أحد القسمين، وهو أن يكون العوض في الذمة، فأما إذا كان معينا، فلا يشترط معرفة قدره بالوزن، والكيل، وقد أشار إلى ذلك بقوله: (ولو قال: بعتك هذه الصبرة من الحنطة، فهو باطل، أو بعتك بهذه الصرة من الدراهم، أو بهذه القطع من الذهب، وهو يراها، صح البيع، وكان تخمينه بالنظر كافيا في معرفة المقدار) ربطا للعقد بالمشاهدة، نعم، حكوا قولين في أنه هل يكره بيع الصبرة جزافا؟ قال النووي: قلت: أظهرهما: يكره، وقطع به جماعة، وكذا البيع بصرة الدراهم، اهـ .

ونقل الروياني في البحر، عن الشافعي: لو باع صرة من الطعام جزافا، فالبيع جائز، ولا بأس به، وقال في حرملة: لا أحب ذلك، فإن فعل لا أنقض البيع، فحصل من هذا، أنه يجوز البيع، قولا واحدا، وهل يكره؟ قولان: أحدهما: لا يكره. والثاني: يكره; لأن به ضربا من الغرر، اهـ. وعن مالك: إن علم البائع قدر كيلها، لم يصح البيع حتى يبينه، وحكى الإمام عنه: أنه لا بد من معرفة المقدار، فلا يصح بيع الصرة جزافا، ولا بالدراهم جزافا .

وقال صاحب الشامل: لو باع الصرة، والمشتري يظن أنها على استواء الأرض، ثم بان تحتها دكة، فقد ذكروا في تبيين بطلان العقد فيه وجهين: أحدهما: نعم، وبه قال الشيخ أبو محمد; لأنا تبينا بالآخر أن العيان لم يفد علما. وأظهرهما: لا، ولكن للمشتري الخيار، تنزيلا لما ظهر منزلة العيب، والتدليس، فلو قال بعتك هذه الصبرة إلا صاعا، فإن كانت معلومة الصيعان، صح، وإلا فلا، وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: يصح، وإن كانت مجهولة الصيعان .

(وأما العلم بالوصف، فيحصل بالرؤية في الأعيان، فلا يصح بيع الغائب) .

اعلم أن في بيع الأعيان الغائبة، والحاضرة التي لم تر، قولين، قال في القديم، وفي الإملاء، والصرف: في الجديد: أنه صحيح، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد; لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: من اشترى ما لم يره فله الخيار إذا رآه. ومعلوم أن الخيار إنما يثبت في العقود الصحيحة; ولأنه عقد معاوضة، فلم يكن من شرطه رؤية المعقود عليه، كالنكاح .

وقال في الأم، والبويطي: لا يصح، وهو اختيار المزني، ووجهه: أنه بيع غرر، وقد نهي عنه; ولأنه بيع مجهول الصفة عند العاقد، حال العقد، فلم يصح بيعه، ويشتهر القول الأول بالقديم، والثاني بالجديد، واختلفوا في محلها على طريقين: أصحهما عند أبي الصباغ، وصاحب التتمة، وغيرهما: أن القولين مطردان في المبيع الذي لم يره المتبايعان كلاهما، وفيما لم يره أحدهما، والثاني: أن القولين فيما إذا شاهده البائع دون المشتري، أما إذا لم يشاهده البائع، فالبيع باطل، قولا واحدا، ومنهم من جعل البيع أولى بالصحة; لأن البائع معرض عن الملك، والمشتري محصل له، فهو أجدر بالاحتياط، وهذا يوجب خروج طريقة ثالثة، وهو القطع بالصحة، إذا رآه المشتري، وتخصيص فيما إذا لم يره .



(تنبيه)

إن لم يجز شراء الغائب، وبيعه، لم يجز بيع الأعمى، وشراؤه، فإن جوزناه، فوجهان: أظهرهما: أنه لا يجوز أيضا. الثاني: أنه يجوز، ويقام وصف غيره له، مقام رؤيته، كما تقوم الإشارة مقام النطق، في حق [ ص: 437 ] الأخرس، وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وقد تقدم ذلك في أول هذا الباب مفصلا .




الخدمات العلمية