الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الثاني : خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل فإنه إذا تفكر في أهوال الآخرة ودركات جهنم طار نومه وعظم حذره كما قال طاوس إن ذكر جهنم طير نوم العابدين وكما حكي أن غلاما بالبصرة اسمه صهيب كان يقوم الليل كله فقالت له سيدته : إن قيامك بالليل يضر بعملك بالنهار فقال إن صهيبا إذا ذكر النار لا يأتيه النوم وقيل لغلام آخر وهو : يقوم كل الليل فقال : إذا ذكرت النار اشتد خوفي ، وإذا ذكرت الجنة اشتد شوقي فلا ، أقدر أن أنام وقال ذو النون المصري رحمه الله .


منع القرآن بوعده ووعيده مقل العيون بليلها أن تهجعا     فهموا عن الملك الجليل كلامه
فرقابهم ذلت إليه تخضعا

وأنشدوا أيضا .


يا طويل الرقاد والغفلات     كثرة النوم تورث الحسرات
إن في القبر إن نزلت إليه     لرقادا يطول بعد الممات
ومهادا ممهدا لك فيه     بذنوب عملت أو حسنات
أأمنت البيات من ملك المو     ت وكم نال آمنا ببيات



وقال ابن المبارك:


إذا ما الليل أظلم كابدوه     فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا     وأهل الأمن في الدنيا هجوع

التالي السابق


(الثانية: خوف [ ص: 195 ] غالب يلزم القلب ) عن أمارات معلومة (مع قصر الأمل) فيما يتوقع حصوله في القلب، (فإنه إذا تفكر في أهوال الآخرة) أي: شدائدها (ودركات جهنم) وما فيها من أنواع العذاب مما سمعه من أفواه العلماء، ومما أدركه في مطالعاته من كتب العلم (طار نومه) وذهب كسله (وعظم حذره) أي: خوفه (كما قال طاوس) بن كيسان اليمامي: (إن ذكر جهنم طير نوم العابدين) كما تقدم قريبا، (وكما حكي أن غلاما بالبصرة اسمه صهيب) من العباد الزاهدين، ذكر له في طبقات ابن الجوزي (كان يقوم الليل كله) بالصلاة (فقالت له سيدته:) أي: مالكته (إن قيامك بالليل) كله (يضر بعملك بالنهار) أي: تفتر عنه، (فقال) لها: (إن صهيب إذا ذكر النار لا يأتيه النوم) ولا يهنأ به. (وقيل لآخر: وكان يقوم كل الليل مثل ذلك) الكلام (فقال: إذا ذكرت النار اشتد خوفي، وإذا ذكرت الجنة اشتد شوقي، فما أقدر أن أنام) ، فهو بين الخوف والرجاء. (ولذي النون) أبي الفيض إبراهيم بن ثوبان النوبي (المصري) -رحمه الله تعالى - وقدس سره ترجمه القشيري في " الرسالة "، وأبو نعيم في " الحلية"

( منع القرآن بوعده ووعيده مقل العيون بليلها أن تهجعا )

أي: قيام العبد بالقرآن وتفهم معناه فيما وعده به لأحبابه من الجنان وأعده لأعدائه من النيران منع العيون أن تنام في ليلها .


( فهموا عن الملك الجليل كلامه فرقابهم زلت إليه تخضعا )

(وأنشدوا) في معنى ذلك:


( يا طويل الرقاد والغفلات كثرة النوم تورث الحسرات )


( إن في القبر إن نقلت إليه لرقادا يطول بعد الممات
ومهادا ممهدا لك فيه بذنوب عملت أو حسنات )


( أأمنت البيات من ملك المو ت وكم نال آمنا ببيات )



البيات بالفتح: الإغارة ليلا، وهو اسم من بيته تبييتا، ووجدنا في بعض النسخ زيادة وهي: قال ابن المبارك:


إذا ما الليل أظلم كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم وقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع




الخدمات العلمية