الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقال صلى الله عليه وسلم : الأسواق موائد الله تعالى ، فمن أتاها أصاب منها .

وقال صلى الله عليه وسلم : لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير من أن يأتي رجلا ، أعطاه الله من فضله فيسأله له ، أعطاه أو منعه .

وقال : من فتح على نفسه بابا من السؤال ، فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر .

وأما الآثار فقد قال لقمان الحكيم لابنه يا : بني استغن بالكسب الحلال عن الفقر ، فإنه ما افتقر أحد قط ، إلا أصابه ثلاث خصال : رقة في دينه وضعف في عقله وذهاب مروءته وأعظم من هذه الثلاث : استخفاف الناس به .

وقال عمر رضي الله عنه : لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق يقول : اللهم ارزقني ، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة .

وكان زيد بن مسلمة يغرس في أرضه فقال له عمر رضي الله عنه : أصبت ، استغن عن الناس ، يكن أصون لدينك وأكرم لك عليهم كما ، قال صاحبكم أحيحة .


فلن أزال على الزوراء أغمرها إن الكريم على الإخوان ذو المال

وقال ابن مسعود رضي الله عنه إني لأكره أن أرى الرجل فارغا لا في أمر دنياه ولا في أمر آخرته .

، وسئل إبراهيم عن التاجر الصدوق ، أهو أحب إليك ، أم المتفرغ للعبادة ؟ قال : التاجر الصدوق أحب إلي ; لأنه في جهاد ، يأتيه الشيطان من طريق المكيال والميزان ، ومن قبل الأخذ والعطاء ، فيجاهده وخالفه الحسن البصري في هذا .

وقال عمر رضي الله عنه : ما من موضع يأتيني الموت فيه ، أحب إلي من موطن أتسوق فيه لأهلي ، أبيع وأشتري .

وقال الهيثم ربما يبلغني عن الرجل يقع في فأذكر استغنائي عنه ، فيهون ذلك علي .

وقال أيوب كسب فيه شيء أحب إلي من سؤال الناس .

وجاءت ريح عاصفة في البحر ، فقال أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم رحمه الله وكان معهم فيها : أما ترى هذه الشدة فقال ما : هذه الشدة وإنما ، الشدة : الحاجة إلى الناس .

وقال أيوب قال لي أبو قلابة الزم السوق فإن الغنى من العافية يعني : الغنى عن الناس .

وقيل لأحمد ما تقول فيمن جلس في بيته ، أو مسجده وقال : لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي فقال أحمد هذا رجل جهل العلم أما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي .

وقوله صلى الله عليه وسلم حين ذكر الطير ، فقال تغدو : خماصا وتروح بطانا .

فذكر أنها تغدو في طلب الرزق وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في البر ، والبحر ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم .

وقال أبو قلابة لرجل لأن أراك تطلب معاشك أحب إلي من أن أراك في زاوية المسجد .

وروي أن الأوزاعي لقي إبراهيم بن أدهم رحمهم الله وعلى عنقه حزمة حطب فقال له : يا أبا إسحق إلى متى هذا إخوانك يكفونك فقال دعني عن هذا يا أبا عمرو فإنه بلغني أنه من وقف موقف مذلة في طلب الحلال ، وجبت له الجنة .

وقال أبو سليمان الداراني ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يقوت لك ولكن ابدأ برغيفيك فأحرزهما ثم تعبد .

وقال معاذ بن جبل ، رضي الله عنه ينادي : مناد يوم القيامة أين بغضاء الله في أرضه فيقوم سؤال المساجد فهذه مذمة الشرع للسؤال والاتكال على كفاية الأغيار .

ومن ليس له مال موروث فلا ينجيه من ذلك إلا : الكسب والتجارة .

فإن قلت : فقد قال صلى الله عليه وسلم : ما أوحي إلي أن أجمع المال وكن من التاجرين ، ولكن أوحي إلي : أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين .

وقيل : لسلمان الفارسي أوصنا ، فقال : من استطاع منكم أن يموت حاجا أو غازيا أو عامرا لمسجد ربه فليفعل ، ولا يموتن تاجرا ولا خائنا فالجواب : أن وجه الجمع بين هذه الأخبار تفصيل الأحوال ، فنقول : لسنا نقول: التجارة أفضل مطلقا من كل شيء ، ولكن التجارة إما أن تطلب بها الكفاية أو الثروة أو الزيادة على الكفاية فإن طلب منها الزيادة على الكفاية لاستكثار المال وادخاره ، لا ليصرف إلى الخيرات والصدقات فهي مذمومة لأنه إقبال على الدنيا ، التي حبها رأس كل خطيئة فإن كان مع ذلك ظالما خائنا فهو ظلم وفسق ، وهذا ما أراده سلمان بقوله : لا تمت تاجرا ، ولا خائنا وأراد بالتاجر : طالب الزيادة فأما إذا طلب بها الكفاية لنفسه ، وأولاده وكان يقدر على كفايتهم بالسؤال فالتجارة تعففا عن السؤال أفضل وإن كان لا يحتاج إلى السؤال ، وكان يعطى عن غير سؤال ، فالكسب أفضل لأنه إنما يعطى ; لأنه سائل بلسان حاله ومناد بين الناس بفقره فالتعفف والتستر أوفى من ، البطالة بل من الاشتغال بالعبادات البدنية وترك الكسب أفضل لأربعة عابد بالعبادات البدنية أو رجل له سير بالباطن وعمل بالقلب في علوم الأحوال والمكاشفات أو عالم مشتغل بتربية علم الظاهر ، مما ينتفع الناس به في دينهم كالمفتي والمفسر ، والمحدث ، وأمثالهم أو رجل مشتغل بمصالح المسلمين وقد تكفل بأمورهم كالسلطان والقاضي والشاهد ، فهؤلاء إذا كانوا يكفون من الأموال المرصدة للمصالح أو الأوقاف المسبلة على الفقراء أو العلماء .

فإقبالهم على ما هم فيه أفضل من اشتغالهم بالكسب ; ولهذا أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن : سبح بحمد ربك وكن من الساجدين ، ولم يوح إليه أن كن من التاجرين ; لأنه كان جامعا لهذه المعاني الأربعة إلى زيادات لا يحيط بها الوصف ولهذا أشار الصحابة على أبي بكر رضي الله عنهم بترك التجارة لما ولي الخلافة ; إذ كان ذلك يشغله عن المصالح وكان يأخذ كفايته من مال المصالح ورأى ذلك أولى ثم لما توفي أوصى برده إلى بيت المال ، ولكنه رآه في الابتداء أولى ولهؤلاء الأربعة حالتان أخريان .

إحداهما أن تكون كفايتهم عند ترك المكسب من أيدي الناس ، وما يتصدق به عليهم من زكاة أو صدقة من غير حاجة إلى سؤال فترك الكسب والاشتغال بما هم فيه أولى ، ; إذ فيه إعانة الناس على الخيرات وقبول منهم لما هو حق عليهم وأفضل ، لهم .

الحالة الثانية : الحاجة إلى السؤال ، وهذا في محل النظر والتشديدات التي رويناها في السؤال ، وذمه تدل ظاهرا على أن التعفف عن السؤال أولى وإطلاق القول فيه من غير ملاحظة الأحوال والأشخاص عسير بل هو موكول إلى اجتهاد العبد ، ونظره لنفسه ، بأن يقابل ما يلقي في السؤال من المذلة وهتك المروءة ، والحاجة إلى التثقيل ، والإلحاح بما يحصل من اشتغاله بالعلم والعمل ، من الفائدة له ، ولغيره فرب شخص تكثر فائدة الخلق ، وفائدته في اشتغاله بالعلم ، أو العمل ، ويهون عليه بأدنى تعريض في السؤال تحصيل الكفاية وربما يكون بالعكس ، وربما يتقابل المطلوب والمحذور فينبغي أن يستفتي المريد فيه قلبه وإن أفتاه المفتون فإن الفتاوى لا تحيط بتفاصيل الصور ودقائق الأحوال ولقد كان في السلف ، من له ثلاثمائة وستون صديقا ، ينزل على كل واحد منهم ليلة ومنهم من له ثلاثون وكانوا يشتغلون بالعبادة لعملهم بأن المتكلفين بهم يتقلدون منة من قبولهم لمبراتهم ، فكان قبولهم لمبراتهم خيرا مضافا لهم إلى عباداتهم فينبغي أن يدقق النظر في هذه الأمور ، فإن أجر الآخذ كأجر المعطي مهما كان الآخذ يستعين به على الدين والمعطي ، يعطيه عن طيب قلب .

ومن اطلع على هذه المعاني أمكنه أن يتعرف حال نفسه ، ويستوضح من قلبه ما هو الأفضل له ، بالإضافة إلى حاله ووقته فهذه فضيلة الكسب وليكن العقد الذي به الاكتساب جامعا لأربعة أمور : الصحة ، والعدل ، والإحسان ، والشفقة على الدين .

ونحن نعقد في كل واحد بابا ونبتدئ ، بذكر أسباب الصحة في الباب الثاني .

التالي السابق


(وقال -صلى الله عليه وسلم-: الأسواق موائد الله تعالى، فمن أتاها أصاب منها) . قال العراقي: رويناه في الطيوريات، من قول الحسن البصري، ولم أجده مرفوعا، اهـ .

قلت: وهكذا هو في القوت، قال أبو عمرو بن العلاء: قال الحسن: فساقه .

(وقال -صلى الله عليه وسلم-: لأن يأخذ أحدكم حبله) وفي رواية: حبلا. وفي أخرى: أحبله، بالجمع (فيحتطب) بتاء الافتعال، وفي مسلم: فيحطب، بغير تاء، أي: يجمع الحطب (خير له من أن يأتي رجلا، أعطاه الله من فضله، فسأله أمرا دنيويا، أعطاه أو منعه) . متفق عليه، من حديث أبي هريرة، ولفظ البخاري: والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحد حبله، ثم يغدو إلى الجبل، فيحتطب، فيبيع، فيأكل، ويتصدق، خير له من أن يسأل الناس. وفي لفظ له: خير له من أن يسأل أحدا، فيعطيه أو يمنعه. وليس عند مسلم: والذي نفسي بيده، وعنده: فيحطب، بغير تاء الافتعال، ومثله رواية النسائي، إلا أنه قال: فيحتطب، كما عند البخاري، وليست خير هنا أفعل تفضيل، بل من قبيل: أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا .

وفي الحديث: الحث على التعفف، وتفضيل للسبب على البطالة، وجمهور المحققين، كابن جرير، وأتباعه، على: أن السبب لا ينافي التوكل، حيث كان الاعتماد على الله، لا على السبب، فإن احتاج، ولم يقدر على الكسب اللائق، جاز السؤال، بشرط أن لا يذل نفسه، ولا يلح، ولا يؤذي المسئول، فإن فقد شرط منها، حرم اتفاقا .

وقد روى ابن جرير في تهذيبه، من حديث أبي هريرة: لا يفتح أحد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، لأن يأخذ أحدكم أحبله، فيأتي الجبل، فيحتطب على ظهره، فيبيع، فيأكل، خير له من أن يسأل الناس، معط، أو مانع.

(وقال -صلى الله عليه وسلم-: من فتح على نفسه بابا من السؤال، فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر) .

قال العراقي: رواه الترمذي، من حديث أبي كبشة الأنماري، بلفظ: ولا فتح عبد باب مسألة، إلا فتح الله عليه باب فقر. أو كلمة نحوها. وقال: حسن صحيح .

قلت: وفي التهذيب لابن جرير، من حديث أبي هريرة: من فتح باب مسألة، فتح الله له باب فقر في الدنيا والآخرة، ومن فتح باب عطية ابتغاء رحمة الله، أعطاه الله خير الدنيا والآخرة. وفي لفظ له أيضا: لا يفتح أحد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر. الحديث. وقد ذكر قريبا قبل هذا الحديث .

(وأما الآثار) الواردة فيه: (فقد قال لقمان الحكيم لابنه رضي الله عنهما: يا بني استغن بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط، إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه) وهو كناية عن قلته، فإن الفقر يضطره إلى ارتكاب ما يتسبب لذلك (وضعف في عقله) ; وذلك لكثرة ما يعتريه من الهموم، والأفكار، وهي تظلم العقل (وذهاب مروءته) وقد ورد: لا دين لمن لا مروءة له. (وأعظم من هذه الخصال: استخفاف الناس به) واحتقارهم له، وازدراؤهم لحاله، وهذا القول نقله صاحب القوت .

(وقال) عمر بن الخطاب (رضي الله عنه: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة) . نقله صاحب القوت، والإسماعيلي، والذهبي، كلاهما في مناقب عمر، أي: لا بد للعبد من حركة ومباشرة لسبب من أسباب يتحصل به طريق الوصول إلى الرزق، فالسماء تمطر ماء، فيجتمع في الأرض، فتنبت نباتا، فيدرك، فيحصد، ويجمع في البيدر، فيباع بالذهب، والفضة، وهذا كله يحتاج لمباشرة أسباب لتحصيل ذلك .

(وكان يزيد بن سلمة يغرس في أرضه) هكذا في سائر نسخ الكتاب، والذي في القوت: وحدثونا عن يزيد بن أسلم، قال: كان محمد بن مسلمة في أرضه، يغرس النخل، فدخل عليه عمر بن الخطاب، فقال: ما تصنع يا ابن مسلمة؟ قال ما ترى (فقال له: أصبت، استغن عن الناس، يكن أصون لدينك) أي: أحفظ له (وأكرم لك عليهم، كيف قال صاحبكم أحيحة) بن الجلاح:


(فلن أزال عن الزوراء أغمرها * إن الكريم على الإخوان ذو المال)

.

هكذا هو في سياق القوت، وهو الصواب، وزيد بن أسلم، تابعي مشهور، وهو من موالي عمر، مدني، ثقة، وكان يرسل، روى عنه بنوه، عبد الله، وسلمة، وأسامة، ومحمد بن سلمة الأنصاري، صحابي، مشهور، وهو أكبر [ ص: 418 ] من اسمه محمد من الصحابة، مات بعد الأربعين، وكان من الفضلاء، وأحيحة بالتصغير: ابن الجلاح، بضم الجيم، كغراب، الضاري، شاعر قبل الإسلام; ولكونه من الأنصار قال: كيف قال صاحبكم، والزوراء: موضع بالمدينة، من أعراصها .

(وقال ابن مسعود) ، رضي الله عنه: (إني لأكره الرجل فارغا) عن الشغل، أي: بطالا (لا في أمر دينه، ولا في أمر دنياه) ولفظ القوت: إني لأمقت الرجل أراه فارغا، لا في عمل دنياه، ولا في عمل آخرته.

وفي الحلية لأبي نعيم، من طريق أبي عوانة، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، قال: قال ابن مسعود: إني لأكره أن أرى الرجل فارغا، لا في عمل دنيا، ولا آخرة.

ومن طريق أبي معونة، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، قال: قال عبد الله مسعود: إني لأمقت الرجل أن أراه فارغا، ليس في شيء من عمل الدنيا، ولا في عمل الآخرة.

(وسئل إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن التاجر الصدوق، أهو أحب إليك، أم المتفرغ للعبادة؟ قال: التاجر الصدوق أحب إلي; لأنه في جهاد أبدا، يأتيه الشيطان من طريق المكيال والميزان، ومن قبل الأخذ والعطاء، فيجاهده) أي: يخالفه في كل ما يأمر به من البخس، والخيانة (و) قد (خالفه الحسن البصري في هذا) كذا في القوت، أي: ففضل المتفرغ للعبادة على من هذا حاله، ويقول: المتفرغ للعبادة أيضا في جهاد أبدا، يأتيه الشيطان بوساوسه، في سائر نواحيه، فيجاهده. وكان يقول: فلا يسلم الدين في أعمال التجارات. ونقل صاحب القوت أيضا عن إبراهيم النخعي، أنه كان يقول: كان الصانع بيده أحب إليهم من التاجر، وكان التاجر أحب إليهم من البطال .

(وقال عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه: ما من موضع) ولفظ القوت: موطن (يأتيني الموت فيه، أحب إلي من موطن أتسوق فيه لأهلي، أبيع وأشتري) في رحلي. نقله صاحب القوت، وتسوق: إذا اشترى شيئا من السوق .

(وقال الخيثم) بن جميل البغدادي، أبو سهل، نزيل أنطاكية، ثقة، من أصحاب الحديث: (ربما يبلغني عن الرجل يقع في) أي: يذكرني بسوء (فأذكر استغنائي عنه، فيهون ذلك علي) . نقله صاحب القوت .

وفيه أيضا: وروينا عنه أيضا، قال: اركب البر والبحر واستغن عن الناس، قال: وأنشدونا عن ابن أبي الدنيا، قال: أنشدني عمر بن عبد الله:


لنقل الصخر من قلل الجبال أخف علي من منن الرجال
يقول الناس: كسب فيه عار فقلت: العار من ذل السؤال



(و) في القوت: وروينا عن حماد بن زيد، قال: (قال أيوب) هو ابن تميمة السختياني البصري (كسب فيه شيء) ولفظ القوت: فيه بعض الشيء (أحب إلي من سؤال الناس) . ولفظ القوت: من الحاجة إلى الناس. وهو مصداق قوله -صلى الله عليه وسلم-: لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب، خير له من أن يسأل الناس، أعطوا، أو منعوا، وقد تقدم قريبا .

(و) يروى أن إبراهيم بن أدهم، رحمه الله تعالى، ركب البحر مرة للغزو، فبينما هم كذلك، إذ (جاءت ريح عاصفة) أي: شديدة، مخالفة (في البحر، فقال أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم: أما ترى هذه الشدة) ؟! يشيرون إلى شدة اضطراب البحر من الريح (فقال: ليس هذه شدة، إنما الشدة: الحاجة إلى الناس) أي: الاحتياج إليهم، في أمر دنيوي، أعطوا، أو منعوا. رواه صاحب الحلية. ولفظ القوت: حدثونا عن موسى بن طريف، قال: ركب إبراهيم بن أدهم البحر، فأخذهم ريح عاصف، أشرفوا على الهلكة، فقالوا: يا أبا إسحاق، أما ترى ما نحن فيه من الشدة؟! قال: أوهذه شدة؟ قالوا: فأي شدة الشدة؟ قال: الحاجة إلى الناس .

(وقال أيوب) السختياني: المار ذكره: (قال لي أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي البصري، ثقة، فاضل، كثير الإرسال، مات بالشام هاربا من القضاء، سنة أربع ومائة (الزم السوق فإن الغنى من العافية) .

أخرجه البيهقي، وابن عساكر، من طريق أيوب السختياني، قال: قال أبو قلابة: احفظ عني ثلاث خصال: إياك وأبواب السلطان، وإياك ومجالس أصحاب الأهواء، والزم سوقك، فإن الغنى من العافية. وأورده صاحب القوت، مقتصرا على الجملة الأخيرة، وتبعه المصنف، وزاد في تفسيره (يعني: الغنى عن الناس) والله أعلم .

(وقيل لأحمد) بن حنبل، رحمه الله تعالى، القائل له أبو بكر المروزي: (ما تقول فيمن جلس في بيته، أو في مسجده) الملاصق لبيته، [ ص: 419 ] معتزلا عن الناس، مختليا بربه (وقال: لا أعمل شيئا) أي: من المكاسب (حتى يأتيني رزقي) أي: من حيث لا أعلم؟ (فقال أحمد) في الجواب: (هذا رجل جهل العلم) وضل في تصوره (أما يسمع قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي) ؟ يشير بذلك إلى الجهاد، الذي هو أفضل أنواع الكسب، والمراد بالرزق: ما يوسع الله عليه من أسلاب الكفار، وأموالهم، وما يتيسر له من المغانم، والفتوحات، والحديث قال العراقي: رواه أحمد، من حديث ابن عمر، بلفظ: جعل رزقي تحت ظل رمحي.

(وقوله -صلى الله عليه وسلم- حين ذكر الطير، فقال: تغدو) أي: تصبح من أوكارها (خماصا) أي: خالية البطن (وتروح) أي: تعود مساء إلى أوكارها (بطانا) أي: ممتلئة (فذكر أنها تغدو في طلب الرزق) ولا تلازم أوكارها، فأثبت لها السبب، وهو الغدو، قال العراقي: رواه الترمذي، وابن ماجه، من حديث عمر، قال الترمذي: حسن صحيح .

قلت: ورواه أيضا ابن المبارك، وأبو داود الطيالسي، وأحمد، كلهم في الزهد، والنسائي، وأبو يعلى، والحاكم، وصححه، وأقره الذهبي، ورواه أيضا ابن حبان، والبيهقي، والضياء في المختارة، كلهم من حديث عمر، رضي الله عنه، ولفظهم جميعا: لو أنكم توكلون على الله حق توكله، لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا. ومعنى حق توكله: أن تعلموا يقينا أن لا فاعل إلا الله، وأن كل موجود من خلق، ورزق، وعطاء، ومنع، من الله، ثم تسعون في الطلب، على الوجه الجميل. ومعنى التوكل: إظهار العجز، والاعتماد على المتوكل عليه.

(وكان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يتجرون في البر، والبحر) بأنواع التجارات، يقصدون بذلك المعاش (ويعملون في نخيلهم) بحفر الأرض، وسقيها، وغرس النخل بها، وإصلاح شأنها، وعمارة ما فسد منها. (قال) أحمد: (والقدوة بهم) أي: هم الذين يقتدى بأقوالهم، وأفعالهم، فإنهم شاهدوا ما لم يشاهد من بعدهم .

(وقال أبو قلابة) الجرمي (لرجل) من أصحابه: (لأن أراك تطلب معاشك) بالتكسب، والسعي لتحصيله، بأسبابه المحصلة له (أحب إلي من أن أراك في زاوية المسجد) معتزلا عن الناس، مختليا، فارغا عن الشغل .

(وروي أن) أبا عمرو (الأوزاعي) الإمام المشهور (لقي إبراهيم بن أدهم) رحمة الله عليهما (وعلى عنقه حزمة حطب) وهو: ما يجمع من الحطب طائفة، فيجمعه ويشده بحبل، وجمع الحزمة: حزم كغرفة، وغرف (فقال له: يا أبا إسحاق) -وهي كنية إبراهيم- (إلى متى هذا) ؟ أي: اشتغالك بالمعاش، وتركك الإقبال على العبادة (إخوانك) في الله (يكفونك) مؤنة العمل (فقال) إبراهيم: (دعني عن هذا) العتاب (يا أبا عمرو) -وهي كنية الأوزاعي- (فإنه بلغني) عن بعض الأشياخ (أنه) قال: (من وقف موقف مذلة في طلب الحلال، وجبت له الجنة) وكان إبراهيم قد هاجر إلى الشام، لأجل طلب الحلال، وله في ذلك أخبار، ذكرها صاحب الحلية، وغيره .

(وقال أبو سليمان الدراني) رحمه الله تعالى: (ليس العبادة عندنا) معاشر الصوفية (أن تصف قدميك) في الصلاة، فلا تزال مصليا (وغيرك يقوتك) في العمل (ولكن ابدأ) أولا (برغيفك) للغداء، والعشاء (فأحرزها) بعد تحصيلها (ثم تعبد) أي: اشتغل بالعبادة; وذلك لما فيه من تفرغ القلب للعبادة .

وروى أبو نعيم في الحلية، في ترجمة سلمان الفارسي، رضي الله عنه، بسنده إليه، قال: إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت، وتفرغت للعبادة، وأيس منها الوسواس.

(وقال معاذ بن جبل، رضي الله عنه: يناد مناد يوم القيامة) أي: على رءوس الناس: (أين بغضاء الله في أرضه) ؟ جمع بغيض، فعيل، بمعنى مفعول، أي: الذي يبغضه الله تعالى (فيقوم سؤال الناس في المساجد) جمع سائل، والمراد: هم الذين يتكففون الناس في المساجد .

وأخرج صاحب الحلية في ترجمة إبراهيم بن أدهم، بسنده إليه، قال: المسألة مسألتان: مسألة على أبواب الناس، ومسألة يقول الرجل: ألزم المسجد، وأصلي، وأصوم، وأعبد الله، فمن جاءني بشيء قبلته، فهذا شر المسألتين، وهذا قد ألحف في المسألة (فهذه مذمة الشرع للسؤال) من الناس (والاتكال على كفاية الأغيار) بتحمل المؤن والكلف .

(ومن ليس له مال موروث) قد ورثه عن أحد من قرابته (فلا ينجيه من ذلك) أي: من السؤال، والاتكال على الغير (إلا أحد الشيئين: الكسب) في أي عمل كان (والتجارة) بأي نوع كانت (فإن قلت: فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ما أوحي إلي) أي: من [ ص: 420 ] ربي (أن اجمع المال) أي: من هنا، ومن هنا (وكن من التاجرين، ولكن أوحي إلي: أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين) أي: من المديمين على السجود، ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) ، أي: الموت، قال العراقي: رواه ابن مردويه، في التفسير، من حديث ابن مسعود، بسند فيه لين، اهـ .

قلت: ورواه الحاكم في تاريخه، عن أبي ذر، مرفوعا، بلفظ: ما أوحي إلي أن أكون تاجرا، ولا أن أجمع المال مكاثرا، ولكن أوحي إلي أن: سبح... إلخ. وهو في الحلية لأبي نعيم، عن أبي مسلم الخولاني، مرسلا، بلفظ: ما أوحي إلي أن أجمع المال، وأكون من التاجرين. والباقي سواء .

(وقيل: لسلمان الفارسي) رضي الله عنه: (أوصنا، فقال: من استطاع منكم أن يموت حاجا) أي: وهو متوجه إلى بيت ربه، أو في نيته ذلك (أو غازيا) أي: مجاهدا في سبيل الله، أو في نيته ذلك (أو عامرا لمسجد ربه) بأن يختلف إليه في الأوقات الخمسة، وعمارته بالصلاة فيه، والذكر، والمراقبة، والعكوف (فليفعل، ولا يموتن تاجرا) أي: مشتغلا بالتجارة (وجابيا) أي: مشتغلا بالجباية، وقد كان مقام سلمان يستدعي ذلك، فإنه كان مثبتا على الشدائد، مطرحا للزوائد .

(فالجواب: أن وجه الجمع بين هذه الأخبار) والآثار التي تليت، وكذا غيرها مما يشاكلها (تفصيل الأحوال، فنقول: لسنا نقول) إن (التجارة أفضل مطلقا من كل وجه، ولكن) نفصل، ونقول: إن (التاجر) لا يخلو (إما أن يطلب بها) أي: بتلك التجارة (الكفاية) لمؤنة نفسه وعياله (أو الثروة) أي: استكثار المال (والزيادة على الكفاية) والحاجة الضرورية (فإن طلب منها الزيادة على الكفاية باستكثار المال) وتنميته (وادخاره، لا ليصرف إلى الخيرات) المطلوبة (والصدقات المرغوبة) والبرات الشرعية، التي ندب إليها الشارع، وأكد عليها (فهي مذمومة) شرعا; (لأنه إقبال على الدنيا، التي حبها رأس كل خطيئة) يشير بذلك إلى ما رواه البيهقي في الشعب، بإسناد حسن، إلى الحسن البصري، رفعه، مرسلا: حب الدنيا رأس كل خطيئة. ورواه الديلمي في الفردوس، عن علي، مرفوعا، وهو أيضا عند البيهقي في الزهد، وأبي نعيم في ترجمة الثوري، من الحلية، من قول عيسى بن مريم، عليهما السلام، وعند ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان له، من قول مالك بن دينار، وعند ابن يونس، في ترجمة سعد ابن مسعود التجيبي، من تاريخ مصر له، من قول سعد، وجزم ابن تيمية بأنه من قول جندب البجلي، رضي الله عنه، وفي معنى هذه الجملة، ما رواه الديلمي، من حديث أبي هريرة، مرفوعا: أعظم الآفات لشيب أمتي حبهم الدنيا، وجمعهم الدنانير والدراهم، لا خير في كثير ممن جمعها، إلا من سلطه الله على هلاكها في الحق.

(فإن كان مع ذلك خائنا) في معاملاته (فهو ظلم، وفسوق) وخروج عن الحدود (وهذا ما أراد سلمان) -رضي الله عنه- (بقوله: لا يموت تاجرا، ولا جابيا) ; فإن الجباية تتداخلها الخيانة (وأراد بالتاجر: طالب الزيادة) عن الكفاية (وأما من طلب بها الكفاية لنفسه، وأولاده) ممن يمونهم (وكان يقدر على كفايتهم بالسؤال) من أيدي الناس (فالتجارة) أي: الاشتغال بها (تعففا عن السؤال أفضل) في المقام .

(وإن كان يحتاج إلى السؤال، وكان يعطى من غير مسألة، فالكسب) في حقه (أفضل; لأنه إنما يعطى لأنه سائل بلسان حاله) ولو سكت في مقاله (ومناد بين الناس بفقره) وهذا هو الذي قدمنا قريبا، عن إبراهيم بن أدهم، أنه شر المسألتين (فالتعفف، والستر، أولى من البطالة) عن الكسب (بل من الاشتغال بالعبادات البدنية) كالصلاة، والصوم، وغيرهما .

(وترك الكسب أفضل لأربعة) أشخاص: (عابد) مشغول (بالعبادات البدنية) فلو مال إلى الكسب اشتغل عنها، وفاتته; إذ الكسب يستدعي استغراق طرفي النهار فيه (أو رجل له سير بالباطن) إلى الحق (وعمل بالقلب) بمراقبته، ونفي الخواطر عنه (في علوم الأحوال والمكاشفات) مما ترد عليه، وتظهر له، فلو مال إلى الكسب، اشتغل عن السير، ووقف، والوقوف نقصان (أو عالم) محقق (مشتغل بتربية) الطالبين، في (علم الظاهر، مما ينتفع الناس به في دينهم) بأن يرجعوا إليه في المشكلات التي تتصدى، والنوازل التي تقع (كالمفتي) في المذهب (والمفسر، والمحدث، وأمثالهم) فإن هؤلاء متصدون لنشر هذه العلوم لطالبيها، [ ص: 421 ] وواقفون إزاءها ليلا ونهارا، فلو مالوا إلى الكسب، لم يتمكنوا من ضبطها، وحفظها، وجمعها (أو رجل) من ولاة الأمور (مشتغل بمصالح المسلمين) العامة (وقد تكفل بأمورهم) ضبطا، وحفظا (كالسلطان) ومن في معناه (والقاضي) ومن في معناه (والشاهد، فهؤلاء) الأربعة (إذا كانوا يكفون) المؤنة (من الأموال المرصدة) أي: المحبوسة (للمصالح) الشرعية (أو الأوقاف المسبلة) أي: المجعولة في سبيل الله تعالى (على العلماء) بأصنافهم (والفقراء) أرباب الزوايا .

(فإقبالهم على ما هم فيه) من الاشتغال بالعلم بالله، وبمصالح الخلق (أفضل من الاشتغال بالكسب; ولهذا أوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، ولم يوح إليه أن يكون من التاجرين; لأنه) -صلى الله عليه وسلم- (كان جامعا لهذه المعاني الأربعة) فإنه كان مشتغلا بعبادة ربه، سالكا بالسير إليه، مربيا للخلق بما ينفعهم، في دينهم، ودنياهم، قاضيا مصالح العامة (إلى زيادات لا يحيط بها الوصف) ويكل عنها البيان .

(ولهذا) المعنى (أشار الصحابة على أبي بكر) رضي الله عنهم (بترك التجارة لما ولي الخلافة; إذ كان ذلك يشغله عن المصالح) المقصودة للعامة، والخاصة (وكان يأخذ كفايته) وكفاية عياله (من مال المصالح) المرصد لولاة الأمر، بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من سهم الخمس (ورأى ذلك) أي: أخذه منه (أولى) من الاشتغال بالتجارة (ثم لما توفي أوصى برده إلى بيت المال، ولكنه رآه في الابتداء أولى) وهكذا فعله عمر، رضي الله عنه، لما ولي الخلافة .

(ولهؤلاء الأربع حالتان أخريان: إحداهما: أن تكون كفايتهم) المؤن (عند ترك المكسب من أيدي الناس، وما يتصدقونه عليهم) سواء (من زكاة) مفروضة (أو صدقة) متطوعة (من غير حاجة إلى سؤال) ولا ما يحمله عليه (فترك الكسب) حينئذ (والاشتغال بما هم فيه أولى، وأرقى مقاما; إذ هو فيه إعانة للناس على الخيرات) بأنواعها (وقبول منهم لما هو حق) مفروض (عليهم، أو فضل لهم. الحالة الثانية: الحاجة إلى السؤال، وهذا في محل النظر) والتأمل (والتشديدات التي رويناها) آنفا (في السؤال، وذمه) وكراهيته (تدل ظاهرا) أي: بظاهر سياقاتها (على أن التعطف عن السؤال أولى) وإليه مال جماعة (وإطلاق القول فيه) بالأولوية (من غير ملاحظة الأحوال والأشخاص) مع تباينها (عسير) جدا (بل هو موكول إلى اجتهاد العبد، ونظره لنفسه، بأن يقابل ما يلقى في السؤال من المذمة) والدناءة (وهتك) حجاب (المروءة، والحاجة إلى التثقيل، والإلحاح) المذمومين (بما يحصل من استفادة بالعلم، أو العمل، من الفائدة له، ولغيره) ثم يتأمل في هذه المقابلة (فرب شخص يكثر فائدة الخلق، وفائدته في اشتغاله بالعلم، أو العمل، ويهون عليه بأدنى تعريض في السؤال تحصيل الكفاية) من المعاش (وربما يكون بالعكس، وربما يتقابل المطلوب والمحذور) فيكونان على حد سواء (فينبغي أن يستفتي المريد فيه قلبه) ماذا يفتيه، ولا يستفتي غيره (وإن أفتاه المفتون) ففي الخبر: استفت قلبك، وإن أفتوك، وأفتوك، وأفتوك. وقد تقدم ذلك مفصلا في كتاب العلم (فإن الفتاوى) الظاهرة (لا تحيط بتفاصيل الصور) المتنوعة (ودقائق الأحوال) الخفية (فلقد كان في) من مضى من (السلف، من) كان (له ثلاثمائة وستون صديقا، ينزل على كل واحد ليلة) نقله صاحب القوت، والعوارف، قالا: (و) فيهم (من) كان (له ثلاثون) صديقا، ينزل على كل واحد، نحو ثلاث مرات في الشهر، فلا يستثقلون من وروده عليهم (وكانوا يشتغلون أبدا بالعبادة) ولا يتكسبون; (لعلمهم بأن المتكلفين بهم) عند ورودهم [ ص: 422 ] عليهم (يتقلدون منة من قبولهم لمبراتهم، فكان قبولهم لخيراتهم خيرا مضافا لهم إلى عباداتهم) وهذا ملحظ دقيق (فينبغي أن يدقق النظر في هذه الأمور، فإن أجر الآخذ) للصدقة (كأجر المعطي) لها (مهما كان الآخذ يستعين به على) أمور (الدين، و) كان (المعطي يعطيه عن طيب قلب) وشرح صدر (ومن اطلع على هذه المعاني) الباطنة (أمكنه أن يتعرف حال نفسه، ويستوضح من قلبه ما هو الأفضل له، بالإضافة إلى حاله ووقته) وهذا هو فتوى القلب (والله أعلم . فهذا فضل الكسب، وليكن العقد الذي به الاكتساب جامعا لأربعة أمور: الصحة، والعدل، والإحسان، والشفقة على الدين، ونحن نعقد في كل واحد بابا، ونبدأ بذكر الصحة في الباب الثاني) فنقول:




الخدمات العلمية