الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الخامس : أن الزيف نعني به ما لا نقره فيه أصلا بل هو مموه أو ما لا ذهب فيه أعني : في الدنانير .

أما ما فيه نقرة ، فإن كان مخلوطا بالنحاس ، وهو نقد البلد فقد اختلف العلماء في المعاملة عليه وجل رأينا الرخصة فيه إذا كان ذلك نقد البلد سواء علم مقدار النقرة أو لم يعلم وإن لم يكن هو نقد البلد لم يجز إلا إذا علم قدر النقرة فإن كان في ماله قطعة نقرتها ناقصة عن نقد البلد ، فعليه أن يخبر به معامله وأن لا يعامل به إلا من لا يستحل الترويج في جملة النقد بطريق التلبيس فأما من يستحل ذلك فتسليمه إليه تسليط له على الفساد فهو كبيع العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمرا ، وذلك محظور وإعانة على الشر ومشاركة فيه وسلوك طريق الحق بمثال هذا في التجارة ، أشد من المواظبة على نوافل العبادات والتخلي ، لها ولذلك قال بعضهم التاجر الصدوق أفضل عند الله من المتعبد وقد كان السلف يحتاطون في مثل ذلك ، حتى روي عن بعض الغزاة في سبيل الله أنه قال : حملت على فرسي لأقتل علجا فقصر بي فرسي فرجعت ، ثم دنا مني العلج ، فحملت ثانية فقصر فرسي فرجعت ، ثم حملت الثالثة فنفر مني فرسي وكنت لا أعتاد ذلك منه ، فرجعت حزينا وجلست منكس الرأس منكسر القلب ; لما فاتني من العلج وما ظهر لي من خلق الفرس فوضعت رأسي على عمود الفسطاط وفرسي قائم فرأيت في النوم كأن الفرس يخاطبني ، ويقول لي : بالله عليك ، أردت أن تأخذ على العلج ثلاث مرات ، وأنت بالأمس اشتريت لي علفا ، ودفعت في ثمنه درهما زائفا لا يكون هذا أبدا .

قال : فانتبهت فزعا فذهبت إلى العلاف وأبدلت ذلك الدرهم فهذا مثال ما يعم ضرره ، وليقس عليه أمثاله .

التالي السابق


(الخامس: أن الزيف يعني به ما لا نقرة فيه أصلا) والنقرة بالضم: الفضة (بل هو مموه) أي: مطلي بماء الفضة، هذا في الدراهم (أو ما لا ذهب فيه) قليلا، ولا كثيرا، بل هو مطلي بماء الذهب (أعني: في الدنانير) وفي المصباح، قال بعضهم: الدراهم الزيوف: هي المطلية بالزيف المعقود بمرواجة الكبريت، وكانت معروفة قبل زماننا، وقدرها مثل سنجات الميزان، اهـ .

وقال الشهاب ابن الهائم، في نزهة النفوس: اعلم أن النقد قد فسره الرافعي، والنووي، وغيرهم، بالدراهم والدنانير المضروبة، وهل المضروبة صفة موضحة أو مخصصة؟ قال الماوردي: قد يعبر بالدرهم عن غير المضروب، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، فيكون صفة مخصصة، وأن يكون مجازا، وهو الظاهر فيكون صفة موضحة، قال: وأما تقييد النقد بالمضروب فلا حاجة إليه; لأن النقد هو المضروب، والفلوس الرائجة لا تسمى نقدا، اهـ .

(أما ما فيه نقرة، فإن كان مخلوطا بالنحاس، وهو نقد البلد) ومتعامل به (فقد اختلف العلماء في المعاملة عليه) فمنهم من أجاز المعاملة بها، ومنهم من لم يجوز (وقد رأينا الرخصة فيه إذا كان ذلك نقد البلد) ففي الروضة: فإن كان في البلد نقد واحد، أو نقود، ولكن الغالب التعامل بواحد منها، انصرف العقد إلى النقد، وإن كان فلوسا، اهـ. (وسواء علم بمقدار النقرة أو لم يعلم) وإنما المعتبر رواج البلد (وإن لم يكن هذا نقد البلد لم يجز) التعامل به (إلا إذا علم قدر النقرة) فيه (فإن كان في ماله قطعة نقرتها ناقصة عن نقد البلد، فعليه أن يخبر به معامله) ولفظ القوت: فإن كان في القطعة تجوز، وقد ينصرف مثلها، فأراد أن يشتري بها شيئا، فليعلم البيع الثاني أنها قد وردت عليه، فإن أخذها على بصيرة، وعن سماحة، فلا بأس، فإن لم يعلمه فإنه لم ينصحه، وربما كان على غير بصيرة بالانتقاد، اهـ .

(و) عليه (أن لا يعامل بها إلا من لا يستحل الترويج) أي: لا يراه جائزا (في جملة النقد بطريق التلبيس) أي: خلط الباطل بالحق (فأما من يستحل ذلك فتسليمها إليه) سواء أخبر أو لم يخبر (تسليط له على الفساد) والإفساد (فهو كبائع العنب ممن يعلم) ويتحقق منه (أنه يتخذ منه الخمر، وذلك محظور) شرعا (و) فيه (إعانة على الشر) وترخيص لطرقه (ومشاركة فيه) فهو شريك للعاصر في الوزن، وكل معين لمبتدع، أو عاص، فهو شريكه في بدعته، ومعصيته (وسلوك طريق الحق بأمثال هذا في باب التجارات، أشد من المواظبة على نوافل العبادات، وأكثر) ثوابا (من التخلي لها) ; لقصور منافعها على النفس; (فلذلك قال بعضهم) هو إبراهيم النخعي: (التاجر الصدوق [ ص: 483 ] أفضل من المتعبد) قال: لأنه في جهاد، يأتيه الشيطان من طريق المكيال، والميزان، ومن طريق الأخذ، والعطاء، فيجاهده، والصدوق بناء مبالغة من الصدق، فالمراد: التاجر الذي كثر تعاطيه الصدق، مع تحري الأمانة، والديانة، والنصح للخلق، فهو أفضل من الذي يتعبد الله، وينفع نفسه وحده، وقد وردت في حق التاجر الصدوق، الأمين، أخبار تقدم ذكرها قبل ذلك .

(وقد كان السلف يحتاطون) أي: يعملون بالاحتياط (في مثل ذلك، حتى روي عن بعض الغزاة في سبيل الله) ولفظ القوت: حدثني بعض العلماء عن بعض الغزاة في سبيل الله عز وجل (قال: حملت على فرسي لأقتل) ولفظ القوت: لأتناول (علجا) هو بكسر العين: الرجل الضخم من كفار العجم، وبعض العرب يطلق العلج على الكافر مطلقا، والجمع علوج، وأعلاج، كذا في المصباح (فقصر فرسي) أي: لم أتناوله لتقصير فرسي عن الوصول إليه (فرجعت، ثم دنا مني العلج، فحملت) حملة (ثانية) لأتناوله (فقصر فرسي) كالأولى (فرجعت، ثم حملت) المرة (الثالثة) وقد دنا مني (فنفر مني فرسي) ولفظ القوت: فنفر بي فرسي (وكنت لا أعتاد ذلك) ولفظ القوت: ولم أكن أعتاد ذلك (منه، فرجعت حزينا) أي: محزونا (وجلست) إلى جنب فسطاطي (منكس الرأس) أي: خافضه (منكسر القلب; لما فاتني من العلج) أي: من تناوله، وأخذه (ومما ظهر لي من خلق الفرس) أي: عدم إطاعته لي (فوضعت رأسي على عمود الفسطاط) فنمت (وفرسي قائم) بين يدي (فرأيت في النوم وكأن الفرس يخاطبني، ويقول لي: بالله عليك، أردت أن تأخذ علي) أي: على ظهري (العلج ثلاث مرات، وأنت بالأمس اشتريت لي علفا، ودفعت في ثمنه درهما زائفا) أي: مغشوشا (لا يكون هذا أبدا) لا يتم مطلوبك وفعلك هذا أبدا (قال: فانتبهت) من النوم (فزعا) ; لما رأيت (فذهبت إلى العلاف) الذي اشتريت منه العلف، فقلت: أخرج إلي الدراهم التي اشتريت بها منك علفا بالأمس (وأبدلت ذلك الدرهم) الزائف، وانصرفت. هكذا أورده صاحب القوت (فهذا مثال ما يعم ضرره، وليقس عليه أمثاله) وليلحق به نظائره .




الخدمات العلمية