الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وروى النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن : " الدعاء هو العبادة ، ثم قرأ : ادعوني أستجب لكم الآية وقال صلى الله عليه وسلم : " الدعاء مخ العبادة " وروى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : " ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء وقال صلى الله عليه وسلم : إن العبد لا يخطئه من الدعاء إحدى ثلاث : إما ذنب يغفر له ، وإما خير يعجل له ، وإما خير يدخر له " وقال أبو ذر رضي الله عنه يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح وقال صلى الله عليه وسلم : " سلوا الله تعالى من فضله فإن الله تعالى " يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج .

التالي السابق


( و) أما الأخبار فقد ( روى النعمان بن بشير) بن سعد الخزرجي أبو عبد الله الأمير -رضي الله عنه- تقدم ذكره ( عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: ادعوني أستجب لكم الآية) قال العراقي: رواه أصحاب السنن، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وقال الترمذي: حسن صحيح اهـ .

قلت: وأخرجه كذلك أحمد، وأبو بكر بن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد، وابن حبان في صحيحه، وقال البزار: ولا يروى إلا عن النعمان بن بشير مرفوعا، وقال النووي: أسانيده كلها صحاح .

ويروى: "هي العبادة" قال الخطابي أنثه على معنى الدعوة أو المسألة، والمعنى أنه معظم العبادة، أو أفضلها، ومنه: "الحج عرفة" و"النوم توبة" ورواه أبو يعلى في مسنده، عن البراء رضي الله عنه .

وقال القاضي: لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستحق أن تسمى عبادة من حيث إنه يدل على أن فاعله مقبل بوجهه إلى الله تعالى، معرض عما سواه، لا يرجو ولا يخاف إلا منه - استدل عليه بالآية، فإنها تدل على أنه أمر مأمور به، إذا أتى به المكلف قبل منه لا محالة، وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط، والمسبب على السبب، وما كان كذلك كان أتم العبادة وأكملها .

ويمكن حمل العبادة على المعنى اللغوي، أي: الدعاء، ليس إلا إظهار غاية التذلل والافتقار والاستكانة .

( وقال -صلى الله عليه وسلم-: "الدعاء مخ العبادة") أي: خالصها، وإنما كان مخا لها؛ لأن الداعي إنما يدعو الله عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص، ولا عبادة فوقهما؛ أو لما فيه من إظهار الافتقار والتبري من الحول والقوة، وهو سمة العبودية، واستشعار ذلة البشرية .

وقال الزركشي: إنما كان مخا لتضمنه التوحيد؛ إذ الداعي لا يدعو الله إلا وهو يوحده، ويعتقد أن لا معطي غيره .

قال العراقي: رواه الترمذي من حديث أنس، وقال: غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.

( وروى أبو هريرة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليس شيء أكرم) بالنصب، خبر ليس ( على الله -عز وجل- من الدعاء) لدلالته على قدرة الله وعجز الداعي .

قال العراقي: رواه الترمذي، وقال: غريب، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد اهـ .

قلت: وكذلك رواه أحمد، والبخاري في الأدب، والبيهقي في السنن، وأقر الذهبي الحاكم على تصحيحه، وقال ابن القطان: رواته كلهم ثقات، وما موضع في إسناده ينظر فيه إلا عمران، وفيه حلاف .

قلت: هو عمران القطان، ضعفه النسائي، وأبو داود، ومشاه أحمد.

( وقال -صلى الله عليه وسلم-: إن العبد لا يخطئه من الدنيا إحدى ثلاث: إما ذنب يغفر له، وإما خير يعجل له، وإما خير يدخر له") وفي نسخة: "وإما شر يعزل عنه" بدل الجملة الثالثة .

قال العراقي: رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس، وفيه روح بن مسافر، عن أيان بن أبي عياش، وكلاهما ضعيف .

ولأحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والحاكم وصحح إسناده من حديث أبي سعيد: "إما أن تعجل له دعوته، وإما أن تدخر له في الآخرة، وإما أن تدفع عنه من السوء مثلها" اهـ .

قلت: وروى [ ص: 30 ] الترمذي وقال: حسن صحيح غريب، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والطبراني في الكبير، والضياء في المختارة، عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- رفعه: "ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بمأثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل" الحديث .

وروى ابن زنجويه في فوائده، عن محمد بن يوسف، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن عبادة بن الصامت، حدثهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما على الأرض رجل مسلم يدعوه إلا آتاه الله -عز وجل- إياها، أو كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم" ورواه أحمد والترمذي أيضا عن جابر بلفظ: "ما من أحد يدعو بدعاء" والباقي كسياق ابن زنجويه.

( وقال أبو ذر) رضي الله عنه: ( يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي مع الطعام من الملح) وفي نسخة: ما يكفي الطعام من الملح.

وهذا الأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية، قال: حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا عبد الرحمن بن فضالة، عن بكر بن عبد الله، عن أبي ذر.

( وقال -صلى الله عليه وسلم-: "سلوا الله من فضله") أي: من زيادة أفضاله عليكم، أي: إعطاء الله تعالى ليس بسبب استحقاق العبد، بل أفضال من غير سابقة، ولا يمنعه شيء من السؤال ( فإنه) تعالى ( يحب أن يسأل) أي: من فضله؛ لأن خزائنه ملأى. ومنه الخبر الآخر: "من لم يسأل الله يغضب عليه".

ولما حث على السؤال هذا الحث البليغ، وعلم أن بعضهم يمتنع عن الدعاء؛ لاستبطاء الإجابة، قال ( وأفضل العبادة الانتظار بالفرج) وفي رواية: انتظار الفرج، والمعنى: أفضل الدعاء انتظار الداعي الفرج بالإجابة، فيزيد في خضوعه وتذلله وعبادته التي يحبها الله تعالى .

قال العراقي: رواه الترمذي من حديث ابن مسعود، وقال: حماد بن واقد ليس بالحافظ، قال العراقي: وضعفه ابن معين وغيره. اهـ .

قلت: رواه في الدعوات، ورمز السيوطي إلى صحته، وحسنه الحافظ ابن حجر، وكذلك رواه ابن عدي في الكامل، والبيهقي في السنن .

وروى ابن جرير، عن حكيم بن جبير، عن رجل لم يسمه بلفظ: "وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج" وقد روى آخر الحديث، وهو قوله: "أفضل العبادة انتظار الفرح" البيهقي في السنن، والقضاعي، عن أنس .

ومما ورد في فضل الدعاء:

قال الإمام أحمد: حدثنا مروان الفزاري، حدثنا صبيح أبو المليح، سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من لم يدع الله غضب الله عليه" ورواه الترمذي والحاكم بلفظ: "من لم يسأل الله يغضب عليه" وعند العسكري في الوعظ قال الله تعالى: "من لا يدعوني أغضب عليه" قال بعض الأئمة: وهو يدل على أن السؤال لله واجب.

وعنه أيضا قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض" رواه الحاكم وصححه، ورواه أبو يعلى في مسنده، عن علي رضي الله عنه .

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الدعاء مفتاح الرحمة، والوضوء مفتاح الصلاة، والصلاة مفتاح الجنة" رواه الديلمي .

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الدعاء يرد البلاء" رواه أبو الشيخ في الثواب .

وعن ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الدعاء يرد القضاء، وإن البر يزيد في الرزق، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" رواه الحاكم.

وعنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الدعاء جند من أجناد الله مجند، يرد القضاء بعد أن يبرم" رواه ابن عساكر، عن بشير بن أوس مرسلا .

وعن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من فتح له باب من الدعاء منكم فتحت له أبواب الإجابة" رواه ابن أبي شيبة في المصنف، ورواه الترمذي، وقال: غريب، بلفظ: "من فتح له منكم باب من الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سئل الله شيئا أحب إليه من أن يسأل العافية، إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء".

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل" رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححاه، ومعنى "يوشك" يسرع ويقرب .

والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وسيأتي ذكر بعضها في سياق المصنف .




الخدمات العلمية