الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الرابع : أن لا يحوج رفيقه إلى أن يقول له : كل .

قال بعض الأدباء : أحسن الآكلين أكلا من لا يحوج صاحبه إلى أن يتفقده في الأكل ، وحمل عن أخيه مؤنة القول .

ولا ينبغي أن يدع شيئا مما يشتهيه لأجل نظر الغير إليه ، فإن ذلك تصنع بل يجري على المعتاد ولا ينقص من عادته شيئا في الوحدة ولكن يعود نفسه حسن الأدب في الوحدة حتى لا يحتاج إلى التصنع عند الاجتماع .

نعم ، لو قلل من أكله إيثارا لإخوانه ونظرا لهم عند الحاجة إلى ذلك فهو حسن وإن زاد في الأكل على نية المساعدة وتحريك نشاط القوم في الأكل فلا بأس به بل هو حسن وكان ابن المبارك يقدم فاخر الرطب إلى إخوانه ويقول : من أكل أكثر أعطيته بكل نواة درهما .

وكان يعد النوى ويعطي كل من له فضل نوى بعدده دراهم وذلك لدفع الحياء وزيادة النشاط في الانبساط، وقال جعفر بن محمد رضي الله عنهما .

: أحب إخواني إلي أكثرهم أكلا وأعظمهم لقمة وأثقلهم علي من يحوجني إلى تعهده في الأكل .

وكل هذا إشارة إلى الجري على المعتاد وترك التصنع .

وقال جعفر رحمه الله أيضا تتبين جودة : محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في منزله .

التالي السابق


(الرابع: أن لا يحوج رفيقه إلى أن يقول له: كل) ، فإن ذلك يحشمه فربما يقطعه. (قال بعض الأدباء: أحسن الآكلين أكلا من لم يحوج صاحبه إلى أن يتفقده في الأكل، وحمل عن أخيه مؤنة القول) كذا في القوت (ولا ينبغي أن يدع) أي: يترك (شيئا مما يشتهيه) من المأكول (لأجل نظر الغير إليه، فإن ذلك تصنع) ، وهو منهي عنه، فإنه يفضي إلى التصنع في العمل (بل يجري على المعتاد) من أحواله (ولا ينقص من عادته) في أكله المعتاد (في الوحدة) أي: حالة أكله وحده منفردا عن إخوانه (ولكن يعود نفسه حسن الأدب في الوحدة حتى) يتمرن عليه وعند ذلك (لا يحتاج إلى التصنع عند الاجتماع) وهذا أدب الصوفية (نعم، لو قلل من أكله إيثارا) على نفسه (لإخوانه و) قدمه إليهم (نظر إليهم عند الحاجة إلى ذلك فهو حسن) عندهم (وإن زاد في الأكل على نية [ ص: 229 ] المساعدة) للجماعة (وتحريك نشاط القوم في الأكل) أو بنية فضل الأكل مع الإخوان (فلا بأس به بل هو حسن) نقله صاحب "القوت " بمعناه (وكان) عبد الله (بن المبارك) رحمه الله (يقدم فاخر الرطب إلى إخوانه ويقول: من أكل أكثر أعطيته بكل نواة درهما وكان يعد النوى) أي: الموجود في يدهم اليسرى (ويعطي كل من له فضل نوى بعدده دراهم) نقله صاحب "القوت " (وذلك لدفع الحياء) والانقباض عنهم (وزيادة النشاط في الانبساط) مع الإخوان .

(قال جعفر بن محمد) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - (رحمه الله تعالى -: أحب إخواني إلي أكثرهم أكلا) أي: لطعامي (وأعظمهم لقمة وأثقلهم علي من يحوجني إلى تعهده في الأكل) نقله صاحب القوت. (وكل هذا إشارة إلى الجري على المعتاد وترك التصنع) في الأكل .

(وقال جعفر أيضا: تبين محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في منزله) نقله صاحب "القوت " أيضا، وهذا لأنه يدخل عليه السرور بذلك الأكل، فيكون دليلا على محبته، فإن قلل الأكل لقلة الطعام فحسن. روي أن سفيان الثوري دعا إبراهيم بن أدهم وأصحابه إلى طعام، فقصروا في الأكل، فلما رفع الطعام قال له الثوري: إنك قصرت في الأكل. فقال إبراهيم: لأنك قصرت في الطعام فقصرنا في الأكل .




الخدمات العلمية