الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الثالث أن : يقدم من الألوان ألطفها حتى يستوفي منها من يريد ولا يكثر الأكل بعده، وعادة المترفين تقديم الغليظ ليستأنف حركة الشهوة بمصادفة اللطيف بعده وهو خلاف السنة فإنه حيلة في استكثار الأكل .

وكان من سنة المتقدمين أن يقوموا جملة الألوان دفعة واحدة ويصففون القصاع من الطعام على المائدة ليأكل كل واحد مما يشتهي .

وإن لم يكن عنده إلا لون واحد ذكره ليستوفوا منه ولا ينتظروا أطيب منه .

ويحكى عن بعض أصحاب المروءات أنه كان يكتب نسخة بما يستحضر من الألوان ويعرض على الضيفان .

وقال بعض الشيوخ : قدم إلي بعض المشايخ لونا بالشام فقلت عندنا بالعراق إنما يقدم هذا آخرا فقال وكذا عندنا : بالشام ولم يكن له لون غيره فخجلت منه .

وقال آخر : كنا جماعة في ضيافة فقدم إلينا ألوان من الرءوس المشوية طبيخا وقديدا فكنا لا نأكل ننتظر بعدها لونا أو حملا فجاءنا بالطست ولم يقدم غيرها فنظر بعضنا إلى بعض ، فقال بعض الشيوخ : وكان مزاحا إن الله تعالى يقدر أن يخلق رءوسا بلا أبدان ، قال : وبتنا تلك الليلة جياعا نطلب فتيتا إلى السحور .

فلهذا يستحب أن يقدم الجميع أو يخبر بما عنده .

التالي السابق


(والثالث: أن يقدم من الألوان ألطفها حتى يستوفى منه) أي من ذلك اللون (من يريد) من الحاضرين (فلا يكثر الأكل بعده) لما أنه حصل له الاستيفاء (وعادة المترفهين تقديم الغليظ من الطعام) على اللطيف منه (ليستأنف) أي: يبتدئ (حركة الشهوة بمصادفة) اللون (اللطيف بعده وهو خلاف السنة فإنه حيلة في الاستكثار للأكل) ولفظ " القوت ": وينبغي إذا حضرت الألوان يبتدئ بتقدمة الألطف فالألطف والأطيب فالأطيب أولا، مثل أن يبتدئ بالشواء قبل الثريد، ويقدم الطباهج قبل السكباج، فكذلك سنة العرب ليصادف جوعهم أطيب الطعام فيستوفوا من ذلك أوفر النصيب، فيكون أثوب لصاحبه وأقل لأكلهم، فإن احتاجوا إلى ما بعده من غليظ الطعام تناولوا منه قليلا، وإنما قدم أهل الدنيا الألوان الغليظة على اللطيفة ليتسع أكلهم وتنفتق شهواتهم، فيكون اللون اللطيف موضع آخر، وليكونوا قد أكلوا من اللون الآخر اللطيف الأقل، وهذا غير مستحب عند أبناء الآخرة. وقال في موضع آخر: فإن اتفق للعبد لونان أحدهما ألطف من الآخر ابتدأ بالألطف منهما، فلعل الكفاية تتم به فيستريح من الآخر، وإنما قدم أهل الدنيا غليظ الألوان على رقيقه ليتسعوا في الأكل وتنفتق شهواتهم، فيكون لكل لون لطيف مكان آخر. وشبه بعضهم المعدة بمنزلة جراب ملآنة جوزا حتى لم يبق فيه فضل للجوز فجئت بسمسم فصببته عليه فأخذ لنفسه موضعا في خلال الجوز، فوسع الجراب السمسم للطفه مع الجوز، فكذلك المعدة إذا ألقيت فيها طعاما رقيقا بعد طعام غليظ أخذته للشهوات في أماكنها، فتمكن فيها بعد الشبع مما قبله، والعرب تعيب ذلك ولا تفعله إذ من سنتهم أن يبتدأ باللحم قبل الثريد، قال رجل منهم لبعض الأنباط: أنت من الذين يبتدئون بالثريد قبل الشواء، فذم أهل العراق بذلك (و) قد (كان من سنة المتقدمين أن يقدموا جميع الألوان دفعة) واحدة (ويصففون الطعام على المائدة ليأكل كل واحد مما يشتهي) وهذا أحسن، كذا في "القوت " (وإن لم يكن عنده إلا لون واحد) من الطعام (ذكره) لهم (ليستوفوا منه) غرضهم (ولا ينتظروا أطيب منه) ولفظ " القوت: " وليكن ما يقدم لهم معلوما لهم، ولو قال لهم إن لم يكن عنده إلا لون واحد ليس يحضر إلا هذا ليستوفوا منه، ولا يتطلعوا إلى غيره كان صوابا. (ويحكى عن بعض أرباب المروآت أنه كان يكتب نسخة) أي: رقعة (بما يستحضر من الألوان ويعرض على الضيفان) وبعضهم كان يدعو خبازه فيقول: أعلم الناس بما عندك من الألوان، فسئل عن ذلك فقال: ليستبقي الرجل منهم نفسه لما يشتهي من الألوان .

(وقال بعض الشيوخ: قدم إلي بعض المشايخ لونا بالشام) ولفظ " القوت ": حدثني بعض شيوخنا عن شيخ له قال: قدم إلي بعض أهل الشام لونا من طبيخ، (فقلت) له: (عندنا بالعراق إنما يقدم هذا) اللون (آخرا) أي: آخر الألوان، (فقال: وكذلك) هو عندنا (بالشام و) إذا به (لم يكن) عنده (له لون غيره) قال (فخجلت منه) كذا في "القوت " بتغيير يسير، ثم قال صاحب "القوت " بالسند السابق .

(وقال) لي (آخر: كنا) في جماعة عند رجل في ضيافة (فقدم إلينا) ولفظ " القوت ": فجعل يقدم إلينا (ألوانا من الرؤوس المشوية) منها (طبيخا و) منها (قديدا فكنا نأكل) ، ولفظ " القوت ": فجعلنا نقصر في الأكل (ننتظر بعدها لونا أو حملا) ولفظ " القوت " نتوقع بعدها [ ص: 258 ] الألوان أو حملا أو جديا قال: (فجاء بالطست) أي: لغسل الأيادي (ولم يقدم غيرها فنظر بعضنا إلى بعض، فقال بعض الجماعة:) ولفظ " القوت ": فقال لي بعض الشيوخ (وكان مزاحا) أي: ممن يحب المزاح والفكاهة في الحديث: (إن الله تعالى يقدر أن يخلق رؤوسا بلا أبدان، قال: وبتنا تلك الليلة جياعا نطلب فتيتا للسحور) ولفظ القوت: فبتنا تلك الليلة جياعا، وطلب بعضنا في آخر الليل خبزا أو فتيتا للسحور، (فلهذا يستحب أن يحضر الجميع) من الألوان جملة واحدة (أو يخبر) هم (بما عنده) من الألوان .




الخدمات العلمية