الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
فصل: في رد هذا الكلام

أما شرف المال فإن الله عز وجل عظم قدره وأمر بحفظه إذ جعله قواما للآدمي الشريف. فهو شريف فقال تعالى: ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) ونهى عز وجل أن يسلم المال إلى غير رشيد فقال: ( فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن إضاعة المال وقال لسعد: "لأن تترك ورثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس"، وقال: "ما نفعني مال كمال أبي بكر والحديث بإسناد مرفوع عن عمرو بن العاص قال: بعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني فأتيته فقال: إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة. فقلت يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام. فقال: يا عمرو نعم المال الصالح للرجل الصالح". والحديث بإسناد عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له بكل خير، وكان في آخر دعائه أن قال: "اللهم أكثر ماله وولده وبارك له". وبإسناد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن عبيد الله بن كعب بن مالك قال سمعت كعب بن مالك يحدث حديث توبته قال: فقلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: أمسك بعض مالك فهو خير لك.

قال المصنف: فهذه الأحاديث مخرجة في الصحاح وهي على خلاف ما [ ص: 173 ] تعتقده المتصوفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة وأن حبسه ينافي التوكل.

ولا ينكر أنه يخاف من فتنة وأن خلقا كثيرا اجتنبوه لخوف ذلك، وأن جمعه من وجهة يعز وسلامة القلب من الافتنان به يبعد واشتغال القلب مع وجوده بذكر الآخرة يندر ولهذا خيف فتنة، فأما كسب المال فإن من اقتصر على كسب البلغة من حلها فذلك أمر لا بد منه، وأما من قصد جمعه والاستكثار منه من الحلال نظرنا في مقصوده فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته وادخر لحوادث زمانه وزمانهم وقصد التوسعة على الإخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أثيب على قصده وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات، وقد كان نيات خلق كثير من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين في جمع المال سليمة لحسن مقاصدهم لجمعه فحرصوا عليه وسألوا زيادته، وبإسناد عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير حضر فرسه بأرض يقال لها ثرثر فأجرى فرسه حتى قام ثم رمى سوطه فقال أعطوه حيث بلغ السوط وكان سعد بن عبادة يدعو فيقول: اللهم وسع علي.

قال المصنف: وأبلغ من هذا أن يعقوب عليه الصلاة والسلام لما قال له بنوه ( ونزداد كيل بعير ) مال إلى هذا وأرسل ابنه بنيامين معهم وأن شعيبا طمع في زيادة ما يناله فقال: ( فإن أتممت عشرا فمن عندك ) وأن أيوب عليه السلام لما عوفي نثر عليه رجل جرابا من ذهب فأخذ يحثو في ثوبه يستكثر منه فقيل له أما شبعت قال يا رب من يشبع من فضلك وهذا أمر مركوز في الطباع فإذا قصد به الخير كان خيرا محضا.

وأما كلام المحاسبي فخطأ يدل على الجهل بالعلم، وقوله إن الله عز وجل نهى عباده عن جمع المال وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أمته عن جمع المال فهذا محال، إنما النهي عن سوء القصد بالجمع أو عن جمعه من غير حله، وما ذكره من حديث كعب ، وأبي ذر فمحال من وضع الجهال وخفاء صحته عنه ألحقه بالقوم، وقد روي بعض هذا وإن كان طريقه لا يثبت وبإسناد عن مالك بن عبد الله الزيادي عن أبي ذر أنه جاء يستأذن على عثمان فأذن له وبيده عصاه فقال [ ص: 174 ] عثمان : يا كعب إن عبد الرحمن توفي وترك مالا فما ترى فيه؟ فقال إن كان يصل فيه حق الله تعالى فلا بأس فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبا وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما أحب لو أن لي هذا الجبل ذهبا أنفقه ويتقبل مني أذر خلفي ست أواق. أنشدك بالله يا عثمان أسمعت هذا؟ ثلاث مرات قال: نعم.

قال المصنف: وهذا الحديث لا يثبت وابن لهيعة مطعون فيه. قال يحيى: لا يحتج بحديثه، والصحيح في التاريخ أن أبا ذر توفي سنة خمس وعشرين وعبد الرحمن توفي سنة اثنتين وثلاثين فقد عاش بعد أبي ذر سبع سنين، ثم لفظ ما ذكروه من حديثهم يدل على أن حديثهم موضوع، ثم كيف تقول الصحابة رضي الله عنهم إنا نخاف على عبد الرحمن أو ليس الإجماع منعقدا على إباحة جمع المال من حله فما وجه الخوف مع الإباحة، أو يأذن الشرع في شيء ثم يعاقب عليه، هذا قلة فهم وفقه، ثم تعلقه بعبد الرحمن وحده دليل على أنه لم يسر سير الصحابة فإنه قد خلف طلحة ثلاثمائة بهار في كل بهار ثلاثة قناطير والبهار الحمل، وكان مال الزبير خمسين ألف ألف ومائتي ألف، وخلف ابن مسعود رضي الله عنه تسعين ألفا، وأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلفوها ولم ينكر أحد منهم على أحد.

وأما قوله: إن عبد الرحمن يحبو حبوا يوم القيامة فهذا دليل على أنه لا يعرف الحديث أو كان هذا مناما وليس هو في اليقظة أعوذ بالله من أن يحبو عبد الرحمن في القيامة أفترى من يسبق إذا حبا عبد الرحمن بن عوف وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة ومن أهل بدر المغفور لهم ومن أصحاب الشورى، ثم الحديث يرويه عمارة بن ذاذان وقال البخاري: ربما اضطرب حديثه، وقال أحمد: يروي عن أنس أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم الرازي لا يحتج به. وقال الدارقطني ضعيف أخبرنا ابن الحصين مرفوعا إلى عمارة ، عن ثابت ، عن أنس رضي الله عنه قال: بينما عائشة رضي الله عنها في بيتها سمعت صوتا في المدينة فقالت: ما هذا؟ فقالوا عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل من كل شيء. قال وكانت سبعمائة بعير فارتجت المدينة من الصوت فقالت عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قد رأيت [ ص: 175 ] عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فقال: إن استطعت لأدخلنها قائما، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله عز وجل.

وقوله: ترك المال الحلال أفضل من جمعه ليس كذلك، بل متى صح القصد فجمعه أفضل بلا خلاف عند العلماء، والحديث الذي ذكره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أسف على دنيا فاتته... إلخ محال: ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله هل تجد في دهرك حلالا فيقال له وما الذي أصاب الحلال والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الحلال بين والحرام بين" أترى يريد بالحلال وجود حبة مذ خرجت من المعدن ما تقلبت في شبهة هذا يبعد وما طولبنا به، بل لو باع المسلم يهوديا كان الثمن حلالا بلا شك هذا مذهب الفقهاء، وأعجب لسكوت أبي حامد بل لنصرته ما حكى وكيف يقول إن فقد المال أفضل من وجوده وإن صرف إلى الخيرات ولو ادعى الإجماع على خلاف هذا لصح ولكن تصوفه غير فتواه. وعن المروزي قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبيد الله: إني في كفاية. فقال الزم السوق تصل به الرحم وتعود المرضى.

وقوله: ينبغي للمريد أن يخرج من ماله قد بينا أنه إن كان حراما أو فيه شبهة أو إن يقنع هو باليسير أو بالكسب جاز له أن يخرج منه وإلا فلا وجه لذلك، وأما ثعلبة فما ضره المال إنما ضره البخل بالواجب.

وأما الأنبياء فقد كان لإبراهيم عليه الصلاة والسلام زرع ومال ولشعيب ولغيره وكان سعيد بن المسيب رضي الله عنه يقول لا خير فيمن لا يطلب المال يقضي به دينه ويصون به عرضه ويصل به رحمه فإن مات تركه ميراثا لمن بعده، وخلف ابن المسيب أربعمائة دينار، وقد ذكرنا ما خلفت الصحابة وقد خلف سفيان الثوري رضي الله عنه مائتين وكان يقول: المال في هذا الزمان سلاح، وما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة الفقراء، وإنما تجافاه قوم منهم إيثارا للتشاغل بالعبادات وجمع الهمم فقنعوا باليسير، ولو قال هذا القائل: إن التقلل منه أولى قرب الأمر ولكنه زاحم به مرتبة الإثم.

التالي السابق


الخدمات العلمية