الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
قال المصنف رحمه الله: ربما سمع هذا جاهل فاعتقده كرامة وما فعله الرجل من أقبح القبيح فإنه يجرب على الله ويتألى عليه ويحمل على نفسه من الجوع ما لا يجوز له وهذا لا يجوز له ولا ينكر أن يكون لطف به إلا أنه فعل ضد الصواب وربما كان إنفاذ ذلك رديئا لأنه يعتقد أنه قد أكرم وأن ذلك منزلة. وكذلك حكاية حاتم التي قبلها فإنها إن صحت دلت على جهل بالعلم وفعل لما لا يجوز لأنه ظن أن التوكل إنما هو ترك التسبب فلو عمل بمقتضى واقعته لم يمضغ الطعام ولم يبلعه فإنه تسبب وهل هذا إلا من تلاعب إبليس بالجهال لقلة علمهم بالشرع ثم أي قربة في هذا الفعل البارد وما أظن غالبه إلا من الماليخوليا. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، نا أحمد بن علي بن المحسن قال حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري قال: قال لي جعفر الخلدي: وقفت بعرفة ستا وخمسين وقفة منها إحدى وعشرون على المذهب. فقلت لأبي إسحاق: وأي شيء أراد بقوله - على المذهب - فقال يصعد إلى قنطرة الناشرية فينفض كمية حتى يعلم أنه ليس معه زاد ولا ماء ويلبي ويسبر .

قال المصنف رحمه الله: وهذا مخالف للشرع فإن الله تعالى يقول: ( وتزودوا ) ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزود، ولا يمكن أن يقال إن هذا الآدمي لا يحتاج إلى شيء في مدة أشهر فإن احتاج ولم يتزود فعطب أثم وإن سأل الناس أو تعرض لهم لم يف ذلك بدعوى التوكل وإن ادعى أنه يكرم ويرزق بلا سبب [ ص: 306 ] فنظره إلى أنه مستحق لذلك محنة ولو تبع أمر الشرع وحمل الزاد كان أصلح له على كل حال. وأنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر قال أخبرني أبي عن بعض الصوفية ، أنه قدم عليه من مكة جماعة من المتصوفة فقال لهم من صحبتم فقالوا حاج اليمن فقال أوه التصوف قد صار إلى هذا أو التوكل قد ذهب. أنتم ما جئتم على الطريقة والتصوف وإنما جئتم من مائدة اليمن إلى مائدة الحرم، ثم قال: وحق الأحباب والفتيان لقد كنا أربعة نفر مصطحبين في هذا الطريق نخرج إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم على التجريد ونتعاهد بيننا أن لا نلتفت إلى مخلوق ولا نستند إلى معلوم، فجئنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومكثنا ثلاثة أيام لم يفتح لنا بشيء فخرجنا حتى بلغنا الجحفة ونزلنا وبحذائنا نفر من الأعراب فبعثوا إلينا بسويق فأخذ بعضنا ينظر إلى بعض ويقول: لو كنا من أهل هذا الشأن لم يفتح لنا بشيء حتى ندخل الحرم فشربناه على الماء وكان طعامنا حتى دخلنا مكة.

قلت اسمعوا إخواني إلى توكل هؤلاء كيف منعهم من التزود المأمور به فأحوجهم إلى أخذ صدقات الناس. ثم ظنهم أن ما فعلوه مرتبة جهل بمعرفة المراتب. ومن عجب ما بلغني عنهم في أسفارهم ما أخبرنا به محمد بن أبي القاسم البغدادي ، نا أبو محمد التميمي ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: بلغني أن أبا شعيب المقفع وكان قد حج سبعين حجة راجلا أحرم في كل حجة بعمرة وحجة من عند صخرة ببيت المقدس، ودخل بادية تبوك على التوكل فلما كان في حجته الأخيرة رأى كلبا في البادية يلهث عطشا، فقال: من يشتري حجة بشربة ماء قال: فدفع إليه إنسان شربة ماء فسقى الكلب ثم قال هذا خير لي من حجي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في كل ذات كبد حراء أجر".

أخبرنا عبد الأول بن عيسى ، نا ابن أبي الكوفاني ، ثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن موري الحبوساني ، نا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي المعروف بابن السراج قال: سمعت الوجهي يقول سمعت أبا علي الروذباري يقول: كان في البادية جماعة ومعنا أبو الحسين العطوفي فربما كانت تلحقنا القافلة ويظلم علينا الطريق وكان أبو الحسين يصعد تلا فيصبح صياح الذئب حتى تسمع كلاب الحي فينبحون فيمر على بيوتهم ويحمل إلينا من عندهم معونة، قلت: وإنما ذكرت مثل هذه الأشياء ليتنزه العاقل في مبلغ علم هؤلاء وفهمهم للتوكل وغيره ويرى مخالفتهم لأوامر الشرع [ ص: 307 ] وليت شعري كيف يصنع من يخرج منهم ولا شيء معه بالوضوء والصلاة وإن تخرق ثوبه ولا إبرة معه فكيف يفعل. وقد كان بعض مشايخهم يأمر المسافر بأخذ العدة قبل السفر. فأخبرنا أبو منصور القزاز ، نا أبو بكر الخطيب ، نا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت أبا العباس البغدادي يقول سمعت الفرغاني يقول: كان إبراهيم الخواص مجردا في التوكل يدقق فيه وكان لا تفارقه إبرة وخيوط وركوة ومقراض فقيل له يا أبا إسحاق لم تجمع هذا وأنت من كل شيء؟ فقال: مثل هذا لا ينقض التوكل لأن الله تعالى فرض علينا فرائض والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد فربما يتخرق ثوبه وإن لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلواته وإن لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته.

التالي السابق


الخدمات العلمية