الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
[فصل]

أما مذهب أحمد رحمه الله . فإنه كان الغناء في زمانه إنشاد قصائد الزهد إلا أنهم لما كانوا يلحنونها اختلفت الرواية عنه . فروى عنه ابنه عبد الله [ ص: 221 ] أنه قال : الغناء ينبت النفاق في القلب ، لا يعجبني . وروى عنه إسماعيل بن إسحاق الثقفي : أنه سئل عن استماع القصائد فقال : أكرهه ، هو بدعة ، ولا يجالسون . وروى عنه أبو الحارث أنه قال : التغيير بدعة ، فقيل له : إنه يرقق القلب . فقال هو بدعة . وروى عنه يعقوب الهاشمي : التغيير بدعة محدث . وروى عنه يعقوب بن غياث أكره التغيير وأنه نهى عن استماعه .

قال المصنف : فهذه الروايات كلها دليل على كراهية الغناء ، قال أبو بكر الخلال كره أحمد القصائد لما قيل له إنهم يتماجنون ثم روي عنه ما يدل على أنه لا بأس بها . قال المروزي : سألت أبا عبد الله عن القصائد . فقال : بدعة . فقلت له : إنهم يهجرون . فقال لا يبلغ بهم هذا كله .

قال المصنف : وقد روينا أن أحمد سمع قوالا عند ابنه صالح فلم ينكر عليه . فقال له صالح يا أبت أليس كنت تنكر هذا . فقال : إنما قيل لي إنهم يستعملون المنكر فكرهته ، فأما هذا فإني لا أكرهه : قال المصنف رحمه الله قلت وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء . وإنما أشار إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزهديات . وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد . ويدل على ما قلت أن أحمد بن حنبل سئل عن رجل مات وترك ولدا وجارية مغنية . فاحتاج الصبي إلى بيعها . فقال لا تباع على أنها مغنية فقيل له إنها تساوي ثلاثين ألف درهم ولعلها إذا بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارا فقال لا تباع إلا على أنها ساذجة .

قال المصنف : وإنما قال هذا لأن الجارية المغنية لا تغني بقصائد الزهديات بل بالأشعار المطربة المثيرة للطبع إلى العشق ، وهذا دليل على أن الغناء محظور إذ لو لم يكن محظورا ما أجاز تفويت المال على اليتيم . وصار هذا كقول أبي طلحة للنبي صلى الله عليه وسلم عندي خمر لأيتام ، فقال أرقها . فلو جاز استطلاحها لما أمره بتضييع أموال اليتامى . وروى المروزي عن أحمد بن حنبل أنه قال : كسب المخنث خبيث يكسبه بالغناء وهذا لأن المخنث لا يغني بالقصائد الزهدية إنما [ ص: 222 ] يغني بالغزل والنوح . فبان من هذه الجملة أن الروايتين عن أحمد في الكراهة وعدمها تتعلق بالزهديات الملحنة ، فأما الغناء المعروف اليوم فمحظور عنده كيف ولو علم ما أحدث الناس من الزيادات .

التالي السابق


الخدمات العلمية