الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
[فصل ]

فإن قال قائل: قد مدحت السنة، وذممت البدعة، فما السنة، وما البدعة، فإنا نرى أن كل مبتدع في زعمنا يزعم أنه من أهل السنة، فالجواب أن السنة في اللغة الطريق، ولا ريب في أن أهل النقل والأثر المتبعين آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآثار أصحابه هم أهل السنة، لأنهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث، وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه.

[ ص: 18 ] والبدعة: عبارة عن فعل لم يكن فابتدع، والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة، وتوجب التعاطي عليها بزيادة، أو نقصان، فإن ابتدع شيء لا يخالف الشريعة، ولا يوجب التعاطي عليها، فقد كان جمهور السلف يكرهونه، وكانوا ينفرون من كل مبتدع وإن كان جائزا، حفظا للأصل، وهو الاتباع، وقد قال زيد بن ثابت ، لأبي بكر ، وعمر رضي الله عنهما حين قالا له اجمع القرآن: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأخبرنا محمد بن علي بن أبي عمر ، قال: أخبرنا علي بن الحسين ، نا ابن شاذان ، نا أبو سهل ، نا أحمد البرني ، ثنا أبو حذيفة ، ثنا سفيان ، عن ابن عجلان ، عن عبد الله بن أبي سلمة ، أن سعد بن مالك سمع رجلا يقول: لبيك ذا المعارج، فقال: ما كنا نقول هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخبرنا محمد بن أبي القاسم بإسناد يرفعه إلى أبي البحتري قال: أخبر رجل عبد الله بن مسعود أن قوما يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول: كبروا الله كذا وكذا، وسبحوا الله كذا وكذا، واحمدوا الله كذا وكذا، قال عبد الله: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم، فأتاهم فجلس، فلما سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعود ، فجاء وكان رجلا حديدا، فقال: أنا عبد الله بن مسعود والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلما، ولقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما، فقال عمرو بن عتبة: أستغفر الله، فقال: عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا. أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر ، عن أبي محمد الجوهري ، عن أبي عمر بن أبي حياة ، ثنا أحمد بن معروف ، ثنا الحسين بن فهم ، ثنا محمد بن سعد ، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، ثنا ابن عوف قال: كنا عند إبراهيم النخعي ، فجاء رجل، فقال: يا أبا عمران ادع الله أن يشفيني، فرأيت أنه كرهه كراهية شديدة حتى عرفنا كراهية ذلك في وجهه. وذكر إبراهيم السنة، فرغب فيها، وذكر ما أحدثه الناس فكرهه، وقال فيه: أخبرنا المحمدان ابن ناصر ، وابن عبد الباقي ، نا أحمد ، نا أبو نعيم ، سمعت محمد بن إبراهيم يقول: سمعت محمد بن ريان يقول: سمعت ذا النون - وجاءه أصحاب الحديث فسألوه عن الخطرات والوساوس - فقال: أنا لا أتكلم في شيء من هذا، فإن هذا محدث، سلوني عن شيء في الصلاة، أو الحديث. ورأى ذو النون علي خفا أحمر، فقال: انزع هذا يا بني فإنه شهرة، ما لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما لبس أسودين ساذجين.

[ ص: 19 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية