الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
[ ص: 310 ] ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك التشاغل بالعلم.

قال المصنف رحمه الله: اعلم أن أول تلبيس إبليس على الناس صدهم عن العلم لأن العلم نور فإذا أطفأ مصابيحهم خبطهم في الظلم كيف شاء. وقد دخل على الصوفية في هذا الفن من أبواب. أحدها أنه منع جمهورهم من العلم أصلا وأراهم أنه يحتاج إلى تعب وكلف فحسن عندهم الراحة فلبسوا المراقع وجلسوا على بساط البطالة. أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي ، نا حمد بن أحمد الحداد ، نا أبو نعيم الأصفهاني ، ثنا أبو حامد بن حيان ، ثنا أبو الحسن البغدادي ، ثنا ابن صاعد قال سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: أسس التصوف على الكسل. وبيان ما قاله الشافعي أن مقصود النفس إما الولايات وإما استجلاب الدنيا بالعلوم يطول ويتعب البدن وهل يحصل المقصود أو لا يحصل. والصوفية قد تعجلوا الولايات فإنهم يرون بعين الزهد. واستجلاب الدنيا فإنها إليهم سريعة.

أخبرنا عبد الحق ، نا المبارك بن عبد الجبار ، نا أبو الفرج الطناجيري ، ثنا أبو حفص بن شاهين قال: ومن الصوفية من ذم العلماء ورأى أن الاشتغال بالعلم بطالة وقالوا إن علومنا بلا واسطة وإنما رأوا بعد الطريق في طلب العلم فقصروا الثياب ورقعوا الجباب وحملوا الركاء وأظهروا الزهد.

والثاني أنه قنع قوم منهم باليسير منه ففاتهم الفضل الكثير في كثرته فاقتنعوا بأطراف الأحاديث وأوهمهم أن علو الإسناد والجلوس للحديث كله رياسة ودينا وأن للنفس في ذلك لذة. وكشف هذا التلبيس أنه ما من مقام عال إلا وله فضيلة وفيه مخاطرة فإن الإمارة والقضاء والفتوى كله مخاطرة وللنفس فيه لذة ولكن فضيلة عظيمة كالشوك في جوار الورد فينبغي أن تطلب الفضائل ويتقى ما في ضمنها من الآفات. فأما ما في الطبع من حب الرياسة فإنه إنما وضع لتجتلب هذه الفضيلة كما وضع حب النكاح ليحصل الولد وبالعلم يتقوم قصد العلم كما قال يزيد بن هارون. طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله. ومعناه أنه دلنا على الإخلاص ومن طالب نفسه بقطع ما في طبعه لم يمكنه. والثالث أنه أوهم قوما منهم أن المقصود العمل وما فهموا أن التشاغل بالعلم من أوفى الأعمال ثم إن العالم وإن قصر سير عمله فإنه على الجادة والعابد بغير علم على غير [ ص: 311 ] الطريق.

والرابع أنه أرى خلقا كثيرا منهم أن العالم ما اكتسب من البواطن حتى أن أحدهم يتخايل له وسوسة فيقول حدثني قلبي عن ربي وكان الشبلي يقول:

إذا طالبوني بعلم الورق برزت عليهم بعلم الخرق

وقد سموا علم الشريعة علم الظاهر وسموا هواجس النفوس العلم الباطن واحتجوا له بما أخبرنا به عبد الحق بن عبد الخالق ، نا الحسين بن علي الطناجيري ، نا أبو حفص بن شاهين ، ثنا علي بن محمد بن جعفر بن أحمد بن عنبسة العسكري ثني دارم بن قبيصة بن بهشل الصنعاني قال سمعت يحيى بن الحسين بن زيد بن علي قال سمعت يحيى بن عبد الله بن حسين ، عن يحيى بن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن الحسن بن علي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "علم الباطن سر من سر الله عز وجل وحكم من أحكام الله تعالى يقذفه الله عز وجل في قلوب من يشاء من أوليائه".

قال المصنف رحمه الله: قلت وهذا حديث لا أصل له عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي إسناده مجاهيل لا يعرفون. أنبأنا محمد بن ناصر ، نا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي. ، نا أبو علي عبد الله بن إبراهيم النيسابوري ، ثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن جهضم ، ثنا أبو الفتح أحمد بن الحسن ، ثنا علي بن جعفر ، عن أبي موسى قال: كان في ناحية أبي يزيد رجل فقيه عالم تلك الناحية فقصد أبا يزيد وقال له قد حكى لي عنك عجايب. فقال أبو يزيد: "وما لم تسمع من عجايبي أكثر. فقال له علمك هذا يا أبا يزيد عن من ومن أين ومن من. فقال أبو يزيد علمي من عطاء الله تعالى. ومن حيث قال صلى الله عليه وسلم : "من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم" ومن حيث قال صلى الله عليه وسلم : "العلم علمان علم ظاهر وهو حجة الله تعالى على خلقه وعلم باطن وهو العلم النافع" وعلمك يا شيخ نقل من لسان عن لسان التعليم وعلمي من الله إلهام من عنده. فقال له الشيخ علمي عن الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن ربه عز وجل. فقال له أبو يزيد: يا شيخ كان للنبي صلى الله عليه وسلم علم عن الله لم يطلع عليه جبريل ولا ميكائيل، قال: نعم ولكن أريد أن يصح لي علمك الذي تقول هو من عند الله، قال نعم أبينه لك قدر ما يستقر في قلبك معرفته. ثم قال يا شيخ علمت أن الله تعالى كلم موسى تكليما [ ص: 312 ] وكلم محمدا صلى الله عليه وسلم ورآه كفاحا، وأن حلم الأنبياء وحي قال نعم قال أما علمت أن كلام الصديقين والأولياء بإلهام منه وفوائده من قلوبهم حتى أنطقهم بالحكمة ونفع بهم الأمة: ومما يؤكد ما قلت ما ألهم الله تعالى أم موسى أن تلقي موسى في التابوت فألقته وألهم الخضر في السفينة والغلام والحائط قوله موسى: ( وما فعلته عن أمري ) وكما قال أبو بكر لعائشة رضي الله عنهما إن ابنة خارجة حاملة ببنت: وألهم عمر رضي الله عنه فنادى يا سارية الجبل. أنبأنا ابن ناصر أنبأنا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت إبراهيم سبيته يقول حضرت مجلس أبي يزيد والناس يقولون فلان لقي فلانا وأخذ من علمه وكتب منه الكثير وفلان لقي فلانا. فقال أبو يزيد: مساكين أخذوا علمهم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت.

قال المصنف رحمه الله: هذا الفقه في الحكاية الأولى من قلة العلم إذ لو كان عالما لعلم أن الإلهام للشيء لا ينافي العلم ولا يتسع به عنه ولا ينكر أن الله عز وجل يلهم الإنسان الشيء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن في الأمم محدثين وإن يكن في أمتي فعمر" والمراد بالتحديث إلهام الخير إلا أن الملهم لو ألهم ما يخالف العلم لم يجز له أن يعمل عليه: وأماالخضر فقد قيل إنه نبي ولا ينكر للأنبياء الاطلاع بالوحي على العواقب وليس الإلهام من العلم في شيء إنما هو ثمرة العلم والتقوى فيوفق صاحبهما للخير ويلهم الرشد: فأما أن يترك العلم ويقول إنه يعتمد على الإلهام والخواطر فليس هذا بشيء إذ لولا العلم النقلي ما عرفنا ما يقع في النفس أمن الإلهام للخير أو الوسوسة من الشيطان. واعلم أن العلم الإلهامي الملقى في القلوب لا يكفي عن العلم المنقول كما أن العلوم العقلية لا تكفي عن العلوم الشرعية فإن العقلية كالأغذية والشرعية كالأدوية ولا ينوب هذا عن هذا. وأما قوله أخذوا علمهم ميتا عن ميت. أصلح ما ينسب إليه هذا القائل أنه ما يدري ما في ضمن هذا القول وإلا فهذا طعن على الشريعة. أنبأنا ابن الحصين ، نا ابن المذهب ، نا أبو حفص بن شاهين ، قال: من الصوفية من رأى الاشتغال بالعلم بطالة وقالوا نحن علومنا بلا واسطة.

التالي السابق


الخدمات العلمية