الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      آ . (4) قوله تعالى : إلا الذين : فيه ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه استثناء منقطع . والتقدير : لكن الذين عاهدتم فأتموا إليهم عهدهم . وإلى هذا نحا الزمخشري فإنه قال : " فإن قلت : مم استثنى قوله : إلا الذين عاهدتم ؟ " قلت : وجهه أن يكون مستثنى من قوله : فسيحوا في الأرض لأن الكلام خطاب للمسلمين ، ومعناه : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم : سيحوا إلا الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقصوا فأتموا إليهم عهدهم . والاستثناء بمعنى الاستدراك ، كأنه قيل بعد أن أمروا في الناكثين : ولكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم مجراهم " .

                                                                                                                                                                                                                                      الثاني : أنه استثناء متصل ، وقبله جملة محذوفة تقديره : اقتلوا المشركين المعاهدين إلا الذين عاهدتم . وفيه ضعف .

                                                                                                                                                                                                                                      الثالث : أنه مبتدأ والخبر قوله: فأتموا إليهم ، قاله أبو البقاء . وفيه نظر لأن [ ص: 10 ] الفاء تزاد في غير موضعها ، إذا المبتدأ لا يشبه الشرط لأنه لأناس بأعيانهم ، وإنما يتمشى على رأي الأخفش إذ يجوز زيادتها مطلقا . والأولى أنه منقطع لأنا لو جعلناه متصلا مستثنى من المشركين في أول السورة لأدى إلى الفصل بين المستثنى والمستثنى منه بجمل كثيرة .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : ثم لم ينقصوكم شيئا الجمهور " ينقصوكم " بالصاد مهملة ، وهو يتعدى لواحد ولاثنين . ويجوز ذلك فيه هنا ، فـ " كم " مفعول ، و " شيئا " : إما مفعول ثان وإما مصدر ، أي : شيئا من النقصان ، أو لا قليلا و [لا] كثيرا من النقصان . وقرأ عطاء بن السائب الكوفي وعكرمة وابن السميفع وأبو زيد " ينقضوكم " بالضاد المعجمة ، وهي على حذف مضاف أي : ينقضوا عهدكم ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . قال الكرماني : " وهي مناسبة لذكر العهد " أي : إن النقض يطابق العهد ، وهي قريبة من قراءة العامة ؛ فإن من نقض العهد فقد نقص من المدة ، إلا أن قراءة العامة أوقع لمقابلها التمام .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية