الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      آ . (46) قوله تعالى : لأعدوا له عدة : العامة على " عدة " بضم العين وتاء التأنيث وهي الزاد والراحلة وجميع ما يحتاج إليه المسافر .

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ محمد بن عبد الملك بن مروان وابنه معاوية " عدة " كذلك إلا أنه جعل مكان تاء التأنيث هاء ضمير غائب تعود على الخروج . واختلف في تخريجها فقيل : أصلها كقراءة الجمهور بتاء التأنيث ، ولكنهم يحذفونها للإضافة كالتنوين . وجعل الفراء من ذلك قوله تعالى : " وإقام الصلاة " ، ومنه قول زهير :


                                                                                                                                                                                                                                      2488 - إن الخليط أجدوا البين فانجردوا وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا



                                                                                                                                                                                                                                      يريد : عدة الأمر . وقال صاحب " اللوامح " : " لما أضاف جعل الكناية [ ص: 58 ] نائبة عن التاء فأسقطها ؛ وذلك لأن العد بغير تاء ولا تقديرها هو الشيء الذي يخرج في الوجه " . وقال أبو حاتم : " هو جمع عدة كـ " بر " جمع برة ، ودر جمع درة ، والوجه فيه عدد ، ولكن لا يوافق خط المصحف .

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ زر بن حبيش وعاصم في رواية أبان " عده " بكسر العين مضافة إلى هاء الكناية . قال ابن عطية : " وهو عندي اسم لما يعد كالذبح والقتل . وقرئ أيضا " عدة " بكسر العين وتاء التأنيث ، والمراد عدة من الزاد والسلاح مشتقا من العدد .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : ولكن كره الله الاستدراك هنا يحتاج إلى تأمل ؛ ولذلك قال الزمخشري : " فإن قلت : كيف موقع حرف الاستدراك ؟ قلت : لما كان قوله ولو أرادوا الخروج معطيا نفي خروجهم واستعدادهم للغزو قيل : ولكن كره الله [انبعاثهم] ، كأنه قيل : ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم ، كما [تقول : ما] أحسن زيد إلي ولكن أساء إلي " انتهى . يعني أن ظاهر الآية يقتضي أن ما بعد " لكن " موافق لما قبلها ، وقد تقرر فيها أنها لا تقع إلا بين ضدين أو نقيضين أو خلافين على خلاف في هذا الأخير- فلذلك احتاج إلى الجواب المذكور .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الشيخ : " وليست الآية نظير هذا المثال يعني : ما أحسن زيدا إلي ولكن أساء ، لأن المثال واقع فيه " لكن " بين [ضدين ، والآية واقع فيها " لكن " بين] متفقين من جهة المعنى " ، قلت : مرادهم بالنقيضين النفي والإثبات لفظا وإن كانا يتلاقيان في المعنى ، ولا يعد ذلك اتفاقا .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 59 ] والتثبيط : التعويق . يقال : ثبطت زيدا أي : عقته عما يريده من قولهم : ناقة ثبطة أي بطيئة السير . والمراد بقوله " اقعدوا " التخلية وهو كناية عن تباطئهم ، وأنهم تشبهوا بالنساء أو الصبيان والزمنى وذوي الأعذار ، وليس المراد قعودا كقوله :


                                                                                                                                                                                                                                      2489 - دع المكارم لا تقصد لبغيتها     واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي



                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية