الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( و ) تفسد ( بجهالة المسمى ) كله أو بعضه كتسمية ثوب أو دابة أو مائة درهم على أن يرمها المستأجر لصيرورة المرمة من الأجرة فيصير الأجر مجهولا ( و ) تفسد ( بعدم التسمية ) أصلا أو بتسمية خمر أو خنزير ( فإن فسدت بالأخيرين ) بجهالة المسمى وعدم التسمية ( وجب أجر المثل ) يعني الوسط منه ولا ينقص عن المسمى لا بالتمكين بل ( باستيفاء المنفعة ) حقيقة كما مر ( بالغا ما بلغ ) لعدم ما يرجع إليه ولا ينقص عن المسمى ( وإلا ) تفسد بهما بل بالشروط أو الشيوع مع العلم بالمسمى [ ص: 49 ] لم يزد ) أجر المثل ( على المسمى ) لرضاهما به ( وينقص عنه ) لفساد التسمية .

واستثنى الزيلعي ما لو استأجر دارا على أن لا يسكنها فسدت ، ويجب إن سكنها أجر المثل بالغا ما بلغ ، وحمله في البحر على ما إذا جهل المسمى لكن أرجعه قاضي خان في شرح الجامع إلى جهالة المسمى [ ص: 50 ] فافهم ، وعلى كل فلا استثناء فتنبه .

قلت : وينبغي استثناء الوقف ; لأن الواجب فيه أجر المثل بالغا ما بلغ فتأمل

التالي السابق


( قوله كتسمية ثوب أو دابة ) مثال لمجهول الكل وما بعده مثال مجهول البعض ويلزم منه جهالة الكل ، فصح قوله بعد فيصير الأجر مجهولا . ( قوله لصيرورة المرمة ) أي نفقتها . ( قوله وبعدم التسمية ) كآجرتك داري شهرا أو سنة ولم يقل بكذا منح



( قوله أو بتسمية خمر أو خنزير ) يفيد أن هذه إجارة فاسدة لا باطلة ط أي فيخالف ما مر . ( قوله يعني الوسط منه ) أي عند اختلاف الناس فيه ط . ( قوله لا بالتمكين ) أي تمكين المالك له من الانتفاع .

وفي بعض النسخ بالتمكن : أي تمكن المستأجر منه ( قوله كما مر ) أي متنا في قوله أول هذا الباب بالاستعمال ، وفي قوله أول كتاب الإجارة .

أما في الفاسدة فلا يجب إلا بحقيقة الانتفاع ، وقدمنا تقييده بما إذا وجد التسليم إليه من جهة الإجارة ، وتقدم هناك استثناء الوقف وما بحثه الشارح فراجعه . ( قوله بالغا ما بلغ ) أي إذا لم يبينه المؤجر بعد ، أما إذا بينه فليس له أزيد منه .

قال في الولوالجية : وإن تكارى دابة إلى بغداد ، إن بلغه إياها فله رضاه فبلغه فقال رضاي عشرون درهما فله أجر مثلها إلا أن يكون أكثر من عشرين فلا يزاد عليها ; لأن الأجر مجهول ، ولا يزاد على عشرين ; لأنه أبرأه عن الزيادة سائحاني ( قوله ولا ينقص عن المسمى ) هكذا يوجد في موضعين : الأول [ ص: 49 ] بعد قوله يعني الوسط منه ، والثاني بعد قوله لعدم ما يرجع إليه ، وأفاد المحشي أنه لا حاجة إلى هذه الزيادة بل لا معنى لها في الموضعين : أي ; لأن المفروض جهالة المسمى قيل إلا أن يريد بالمسمى ما جهل بعضه كإجارتها بعشرة على أن يرمها ا هـ .

أقول : لا يصح ذلك فإنه ذكر في الخانية أنه يجب في جهالته بعضا أو كلا أجر المثل بالغا ما بلغ ثم قال : فأما إذا فسد بحكم شرط فاسد ونحوه فلا يزاد على المسمى ا هـ ، وكيف يصح ذلك مع قوله لعدم ما يرجع إليه . ( قوله لم يزد على المسمى ) فلو كان أجر المثل اثني عشر والمسمى عشرة فهي له . ( قوله وينقص عنه ) بأن كان المسمى خمسة عشر فله اثنا عشر . ( قوله لفساد التسمية ) أي بفساد العقد ; لأنه إذا فسد الشيء فسد ما في ضمنه



( قوله واستثنى الزيلعي إلخ ) أي من كونه لا يزاد على المسمى إذا فسدت بالشرط ، وقد تبع الشارح فيه صاحب البحر ، وليس في كلام الزيلعي استثناء بل ظاهر كلامه أنه من فروع جهالة المسمى فراجعه . ( قوله فسدت ) ; لأن فيه نفعا لرب الدار لا يقتضيه العقد ; لأنه إذا لم يسكن فيها لا تمتلئ البالوعة والمتوضاة ، وإن لم يكن في الدار بالوعة أو بئر وضوء لا تفسد بالشرط لعدم ما قلنا بزازية وغيرها . ( قوله وحمله في البحر إلخ ) حيث قال : وفيه يعني في استثناء الزيلعي نظر ; لأن الأجرة إن لم تكن مسماة فهي المسألة المتقدمة ، وإن كانت مسماة ينبغي أن لا يجاوز به المسمى كغيرها من الشروط ، وقد ذكرها في الخلاصة ولم يتعرض للأجرة ا هـ .

وظاهر كلامه اختيار الشق الأول بدليل ما ذكره عن الخلاصة .

ووجه كونه من جهالة المسمى مع عدم التسمية أن الشرط المذكور فيه نفع للمالك وقد جعله بدلا وهو مجهول فيجب أجر المثل بالغا ما بلغ تأمل . ( قوله لكن أرجعه إلخ ) اعترض بأنه عين ما في البحر فلا وجه للاستدراك .

قلت : قد يجاب أنه حمله على الشق الثاني ، وهو ما إذا كانت الأجرة مسماة .

ووجه إرجاعه إلى جهالة المسمى حينئذ أنه جعل الأجرة ذلك المسمى وعدم السكنى فصار نظير ما تقدم فيما لو استأجر بمائة درهم على أن يرمها المستأجر ، وعلل الشارح المسألة بقوله لصيرورة المرمة من الأجر فيصير الأجر مجهولا .

وحاصلة أنه بجهالة البعض يحصل جهالة الكل فلهذا قال أرجعه إلى جهالة المسمى ، بخلاف ما في البحر فإنه محمول على جهالة الكل ابتداء ، هذا ما ظهر لي ، والله تعالى أعلم .

ثم رأيت في غاية البيان ما يدل على ما قلته ، ولله تعالى الحمد ، فإنه قال : إذا فسدت الإجارة لفوات شرط مرغوب من جهة الأجير كما لو آجر داره كل شهر بعشرة على أن يعمرها ويؤدي نوائبها فسدت ، فإن لم يفعل يجب أجر المثل بالغا ما بلغ ولا ينقص عن المسمى ; وكذا لو قال آجرتك هذه الدار شهرا بعشرة على أن لا تسكنها فسدت ، فإن سكن يجب أجر المثل بالغا ما بلغ ولا ينقص عن المسمى ، وهذا أيضا يرجع إلى جهالة المسمى في الحقيقة كذا قال فخر الدين قاضي خان ا هـ .

فقد فرض المسألة فيما لو كان مسمى وشبهها بمسألة المرمة ، وقال : وهذا أيضا [ ص: 50 ] يرجع إلى جهالة المسمى : أي كما يرجع الأول وهذا عين ما حملت عليه كلامه قبل أن أراه ، والحمد لله ( قوله فافهم ) لعله إشارة إلى الفرق الذي ذكرناه ، ونكات هذا الشارح الفاضل أدق من هذا كما يعرفه من مارس كلامه وعلم مرامه . ( قوله قلت إلخ ) هو منقول في جامع الفصولين سائحاني .

أقول : بل تقدم متنا حيث قال : متولي أرض الوقف آجرها بغير أجر المثل يلزم مستأجرها تمام أجر المثل .

وقال الشارح هناك عن مجمع الفتاوى : وكذا حكم وصي وأب ا هـ .

ومما استثنى ما لو استأجر دارا بعبد معين فسكن شهرا ولم يدفع العبد حتى أعتقه صح وكان عليه للشهر الماضي أجر المثل بالغا ما بلغ وتنقض الإجارة فيما بقي لفسادها بإعتاقه ، وفيها تفصيل ينظر في خزانة الأكمل .

وفي البزازية : استأجرها على عين مسماة وسكن الدار وهلكت العين قبل التسليم أو استهلكها المستأجر يجب أجر المثل بالغا ما بلغ ، بخلاف سائر الإجارات فإنه لا يزاد فيه على المسمى ا هـ فهذا المسمى فيه معلوم معين ووجب الأجر بالغا ما بلغ




الخدمات العلمية