الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ولو قضى بالقصاص بينهما ثم عفا أحدهما قبل استيفاء الدية فللآخر القود ) وعند محمد له الأرش ( ويقاد عبد أقر بقتل عمدا ) خلافا لزفر ( ولو أقر بخطأ ) أو بمال ( لم ينفذ إقراره ) على مولاه ، بل يكون في رقبته إلى أن يعتق كما نقله المصنف عن الجوهرة . قال : وظاهر كلام الزيلعي بطلان إقراره بالخطإ أصلا يعني لا في حقه ولا في حق سيده ، ونحوه في أحكام العبيد من الأشباه معللا بأن موجبه الدفع أو الفداء ا هـ فتأمله ، [ ص: 559 ] لكن علله القهستاني بأنه إقرار بالدية على العاقلة ا هـ فتدبره . إذ قد أجمع العلماء على العمل بمقتضى قوله عليه الصلاة والسلام { لا تعقل العواقل عبدا ولا عمدا ولا صلحا ولا اعترافا } حتى لو أقر الحر بالقتل خطأ لم يكن إقراره إقرارا على العاقلة : أي إلا أن يصدقوه وكذا قرره القهستاني في المعاقل فتنبه .

التالي السابق


( قوله ولو قضى بالقصاص بينهما ) أي وبدية اليد ( قوله وعند محمد له الأرش ) أي دية يد كلها وللعافي نصفها مجمع . قال شارحه : ; لأن القصاص والأرش كان مشتركا بينهما بالقضاء فلما أسقط أحدهما حقه في نصف القصاص بالعفو انقلب نصيب الآخر مالا ، فيستوفي العافي نصف الأرش الذي كان مشتركا بينهما وغير العافي تمام الأرش ، نصفه من المشترك ونصفه من المنقلب مالا ا هـ . قال ط : وذكر في البرهان أنه الاستحسان وجعل قولهما قياسا ، وظاهره أن المعتمد قول محمد ا هـ .

قلت : وظاهر الشروح ترجيح قولهما ، وعليه اقتصر الأتقاني نقلا عن شرح الكافي ومختصر الكرخي معللا بأن حق كل ثبت في جميع اليد ، وإنما ينتقص بالمزاحمة ، فإذا زالت بالعفو بقي حق الآخر بحاله كالغريمين والشفيعين ( قوله ويقاد عبد أقر بقتل عمد ) ; لأنه غير متهم فيه ; لأنه مضر به فيقبل ولأنه مبقى على أصل الحرية في حق الدم عملا بالآدمية ، حتى لا يصح إقرار المولى عليه بالحدود والقصاص وبطلان حق المولى بطريق الضمان فلا يبالي به هداية ( قوله وظاهر كلام الزيلعي ) حيث قال : بخلاف الإقرار بالمال ; لأنه إقرار على المولى بإبطال حقه قصدا ; لأن موجبه بيع العبد أو الاستسعاء ، وكذا إقراره بالقتل خطأ ; لأن موجبه دفع العبد أو الفداء على المولى . ولا يجب على العبد شيء ولا يصح سواء كان محجورا عليه أو مأذونا له في التجارة ; لأنه ليس من باب التجارة فيكون باطلا ا هـ ( قوله يعني لا في حقه إلخ ) الأولى حذف لا في الموضعين ط ( قوله معللا ) أي الزيلعي لا صاحب الأشباه فإنه لم يذكر تعليلا ; لأنه قال : وكذا إقراره بجناية موجبة للدفع أو الفداء غير صحيح بخلافه بحد أو قود ا هـ . اللهم إلا أن يقال وصفه الجناية بقوله موجبه إلخ في معنى التعليل ( قوله فتأمله ) يشير إلى أن ما فهمه المصنف من كلام الزيلعي غير ظاهر ; لأن مفاد التعليل بطلان الإقرار في حالة الرقية إذ لا يتأتى إلزام المولى بالدفع أو الفداء بعد العتق فيطالب به العبد إذا عتق لعدم وجود العلة فافهم . ويدل على ذلك تعليل الزيلعي أيضا لبطلان الإقرار بالمال بأنه إقرار على المولى . ولا يكون ذلك بعد العتق . ولا شبهة أن إقرار العبد المحجور بالمال مؤخر إلى ما بعد العتق ، إذ لا ضرر بالمولى بعده ، ولذا قال العلامة الرملي إن ما في الجوهرة هو محمل كلام الزيلعي والأشباه بلا اشتباه ا هـ .

قلت : لكن سيذكر الشارح في باب جناية الملوك نقلا عن البدائع أن الخطأ إنما يثبت بالبينة وإقرار المولى [ ص: 559 ] لا بإقراره أصلا ، وقدمنا في كتاب الحجر عن الجوهرة قولين في المسألة ويأتي تمام بيانه إن شاء الله تعالى فتنبه ( قوله لكن علله القهستاني إلخ ) أي علل عدم جواز إقراره العبد بالخطأ والمراد بالعاقلة المولى ; لأنهم يطلقون عليه أنه عاقلة عبده ، وحيث أطلق عليه عاقلة فلا يصح إقرار العبد عليه . ثم إن كلام القهستاني لا يفيد أن العبد لا يؤخذ بذلك بعد عتقه خلافا لما أفاده كلام الزيلعي بناء على ما فهمه المصنف من أن إقراره باطل أصلا ، وبه ظهر وجه الاستدراك فافهم ( قوله فتدبره ) أي فإنه تعليل صحيح موافق للحديث المجمع على العمل بمقتضاه ، فإن العواقل إذا كانت لا تعقل عبدا ولا اعترافا لم يجز إقرار العبد هنا ما لم يصدقه المولى ، إذ لو جاز إقراره لزم عقل العبد والاعتراف ، هذا ما ظهر لي في تقرير هذا المحل فتأمل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب المعاقل بيان معنى الحديث




الخدمات العلمية