الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( سقاه سما حتى مات ، إن دفعه إليه حتى أكله ولم يعلم به فمات لا قصاص ولا دية لكنه يحبس ويعزر ، ولو أوجره ) السم ( إيجارا تجب الدية ) على عاقلته ( وإن دفعه له في شربة فشربه ومات ) منه ( فكالأول ) ; لأنه شرب منه باختياره إلا أن الدفع خدعة فلا يلزم إلا التعزير والاستغفار خانية ( وإن قتله بمر ) بفتح الميم : ما يعمل في الطين ( يقتص إن أصابه حد الحديد ) أو ظهره وجرحه إجماعا كما نقله المصنف عن المجتبى ( وإلا ) يصبه حده بل قتله بظهره ولم يجرحه ( لا ) يقتص في رواية الطحاوي ، وظاهر الرواية أنه يقتص بلا جرح في حديد ونحاس وذهب ونحوها ، وعزاه في الدرر لقاضي خان ; لكن نقل المصنف عن الخلاصة [ ص: 543 ] أن الأصح اعتبار الجرح عند الإمام لوجوب القود ، وعليه جرى ابن الكمال . وفي المجتبى : ضرب بسيف في غمده فخرق السيف الغمد وقتله فلا قود عند أبي حنيفة ( كالخنق والتغريق ) خلافا لهما والشافعي . ولو أدخله بيتا فمات فيه جوعا لم يضمن شيئا وقالا : تجب الدية ولو دفنه حيا فمات ، عن محمد يقاد به مجتبى بخلاف قتله بموالاة ضرب السوط كما سيجيء . وفيه : لو اعتاد الخنق قتل سياسة ولا تقبل توبته [ ص: 544 ] لو بعد مسكه كالساحر .

التالي السابق


( قوله ولم يعلم به ) وكذا إذا علم بالأولى ط ( قوله لا قصاص ولا دية ) ويرث منه هندية ط ( قوله حتى أكله ) أي باختياره ، والأولى حتى شربه ( قوله ولو أوجره إلخ ) أي صبه في حلقه على كره ، وكذا لو ناوله وأكرهه على شربه حتى شرب فلا قصاص وعلى عاقلته الدية تتارخانية . ثم قال : وفي الذخيرة ذكر المسألة في الأصل مطلقا بلا خلاف ولم يفصل . ولا يشكل على قول أبي حنيفة ; لأن القتل حصل بما لا يجرح فكان خطأ العمد على مذهبه . وأما على قولهما ، فمنهم من قال عند هما على التفصيل إن كان ما أوجر من السم مقدارا يقتل مثله غالبا فهو عمد وإلا فخطأ العمد ، ومنهم من قال إنه على قولهم جميعا خطأ العمد مطلقا ا هـ ملخصا : وذكر السائحاني أن شيخه أبا السعود ذكر في باب قطع الطريق أنه لو قتل بالسم قيل يجب القصاص ; لأنه يعمل عمل النار والسكين ، ورجحه السمرقندي ا هـ أي إذا أوجره أو أكرهه على شربه كما لا يخفى ( قوله فلا يلزم إلا التعزير والاستغفار ) أي لارتكابه معصية بتسببه لقتل النفس .

[ تنبيه ] أقر أنه أهلك فلانا بالدعاء أو بالسهام الباطنة أو بقراءة الأنفال لا يلزمه شيء ; لأنه كذب محض ; لأنه يؤدي إلى ادعاء علم الغيب المنفي بقوله تعالى : " لا يعلم الغيب إلا الله " ولم يوجد نص بإهلاكه بهذه الأشياء وبالإقرار كاذبا لا يلزمه شيء كما لو أقر ببنوة رجل هو أكبر من المقر سنا ، ولو أقر أنه أهلك فلانا بقراءة أسماء الله تعالى القهرية اختلف المشايخ فيه لوقوعها والأصح أنه لا يلزمه شيء ; لأن الشرع لم يجعله من آلة القتل وسببه ا هـ بيري عن حاوي القنية ، ولم يذكر ما إذا أقر أنه قتله بالإصابة بالعين فتأمل ( قوله ما يعمل به في الطين ) قال العيني : المر بفتح الميم وتشديد الراء : وهو خشبة طويلة في رأسها حديدة عريضة من فوقها خشبة عريضة يضع الرجل رجله عليها ويحفر بها الأرض ( قوله بل قتله بظهره إلخ ) وإن أصابه بالعود فهي مسألة القتل بالمثقل ، وقد مرت أول [ ص: 543 ] الكتاب معراج : أي يكون شبه عمد وتقدم الكلام فيه ( قوله أن الأصح اعتبار الجرح إلخ ) صرح بذلك في الهداية أيضا ، ولم يتعقبه الشراح فكان النقل عنها أولى ; لأنها أقوى .

( قوله فلا قود عند أبي حنيفة ) ; لأنه لم يقصد ضربه بآلة جارحة ولوالجية . أقول : وهذا موافق لما تقدم من تعريف العمد بأن يتعمد ضربه بآلة تفرق الأجزاء . ويؤخذ منه أنه لو قصد ضربه بالسيف في هذه الصورة يلزمه القود لحصول الجرح بآلة القتل مع قصد الضرب . وأما ما قدمناه عن المجتبى أول الكتاب من أنه لا يشترط في العمد قصد القتل فمعناه أنه بعد قصد ضربه بالمحدد لا يشترط قصد القتل ، فالشرط هو قصد الضرب دون القتل ، ثم لا يلزم من وجود القتل بالمحدد كونه عمدا ; لأنه قد يكون خطأ فلذا شرط قصد الضرب به وهنا إذا لم يقصد ضربه بالسيف لم يكن عمدا وإن حصل القتل به ( قوله كالخنق ) متصل بقوله وإلا لا . والخنق بكسر النون قال الفارابي ولا يقال بالسكون وهو مصدر خنقه : إذا عصر حلقه ; والخناق فاعله والخناق بالكسر والتخفيف : ما يخنق به من حبل أو وتر ا هـ مغرب ( قوله خلافا لهما ) فعندهما فيه القود . وفي الولوالجية : هذا إذا دام على الخنق حتى مات ; أما إذا تركه قبل الموت ينظر إن دام على الخنق بمقدار ما يموت منه الإنسان غالبا يجب القصاص عندهما وإلا فلا إجماعا ا هـ .

وكذا في التغريق يشترط أن يكون الماء عظيما بحيث لا تمكنه النجاة ليكون عندهما عمدا موجبا للقصاص ، فلو قليلا لا يقتل غالبا أو عظيما تمكن النجاة منه بالسباحة بأن كان غير مشدود وهو يحسن السباحة فهو شبه عمد أفاده في التتارخانية وغيرها ( قوله ولو أدخله بيتا ) كذا أطلقه في التتارخانية عن المحيط . وفيها عن الظهيرية : ولو قيده وحبسه في بيت إلخ . والظاهر أن المعتبر عدم القدرة على الخروج سواء قيده أو لا ( قوله وقالا تجب الدية ) في التتارخانية عن المحيط والكبرى تجب عليه الدية .

وفيها عن الخانية والظهيرية : تجب على عاقلته ، فالظاهر أن الأول على حذف مضاف تأمل وفي الظهيرية والفتوى على قول أبي حنيفة أنه لا شيء عليه وقال ط أول الكتاب : وفي شرح الحموي عن خزانة المفتين : ولو طرحه في بئر أو من ظهر جبل أو سطح لم يقتل به ، ولو طين على إنسان بيتا حتى مات جوعا أو عطشا لم يضمن : وقالا عليه الدية ; لأنه سبب يؤدي إلى التلف فيجب الضمان وهو المختار في زماننا لمنع الظلمة من الظلم ا هـ ( قوله عن محمد يقاد ) بناء على أنه يجب عنده في شبه العمد القود كما نقله في المعراج أو على أن هذا عمد . ففي التتارخانية يقاد فيه ; لأنه قتله عمدا ، وهذا قول محمد ، والفتوى أنه على عاقلته الدية ا هـ .

والفرق بينه وبين ما إذا حبسه حتى مات جوعا حيث كان الفتوى على أنه لا شيء عليه كما مر هو أن الجوع والعطش من لوازم الإنسان ، أما هنا فقد مات غما وذلك ليس من لوازمه فيضاف للفاعل كما أفاده في الظهيرية ( قوله بخلاف قتله إلخ ) فإنه لا قود فيه . قال الأتقاني : إذا والى الضربات بالسوط الصغير والعصا الصغيرة لا يجب به القصاص . وقال الشافعي : يجب إذا والى على وجه لا تحتمله النفس عادة ا هـ ونقل قبله أنه شبه عمد عن أبي حنيفة وعندهما عمد ( قوله كما سيجيء ) لم أره ( قوله لو اعتاد الخنق إلخ ) في الخانية : ولو خنق رجلا لا يقتل إلا إذا [ ص: 544 ] كان خناقا معروفا خنق غير واحد فيقتل سياسة ا هـ . وعبارة الشارح قبيل كتاب الجهاد ، وإلا بأن خنق مرة لا يقتل ذكره بعد قول المصنف هناك ومن تكرر الخنق منه في المصر قتل به ، ومفاده أن التكرار يحصل بمرتين ثم هذا غير خاص بالخنق لما قدمه في شبه العمد أنه لا قود فيه إلا أن يتكرر منه فللإمام قتله سياسة ( قوله لو بعد مسكه ) أي بعد ما وقع في يد الإمام وإن تاب قبله قبلت مجتبى




الخدمات العلمية