الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( ولا تصح الدعوى إلا محررة تحريرا يعلم به المدعي ) . هذا المذهب . وعليه الأصحاب ، إلا ما استثني . واختار الشيخ تقي الدين رحمه الله : أن مسألة الدعوى وفروعها ضعيفة لحديث الحضرمي . وأن الثبوت المحض يصح بلا مدعى عليه . وقال : إذا قيل : لا تسمع إلا محررة ، فالواجب أن من ادعى مجملا : استفصله الحاكم . وقال : المدعى عليه قد يكون مبهما ، كدعوى الأنصار قتل صاحبهم ، ودعوى المسروق منه على بني أبيرق . ثم المجهول قد يكون مطلقا . وقد ينحصر في قوم ، كقولها " نكحني أحدهما " وقوله " زوجني إحداهما " . انتهى . والتفريع على الأول . فعلى المذهب : يعتبر التصريح في الدعوى . فلا يكفي قوله " لي عند فلان كذا " حتى يقول " وأنا الآن مطالب له به " . ذكره في الترغيب ، والرعاية ، وغيرهما . [ ص: 272 ] وقال : وظاهر كلام جماعة : يكفي الظاهر . قلت : وهو أظهر . فائدتان

إحداهما : قال في الرعاية : لو كان المدعى به متميزا مشهورا عند الخصمين والحاكم : كفت شهرته عن تحديده . وقال في الفروع : وتكفي شهرته عندهما . وعند الحاكم عن تحديده . لحديث الحضرمي ، والكندي . قال : وظاهره عمله بعلمه أن مورثه مات ولا وارث له سواه . انتهى .

الثانية : لو قال " غصبت ثوبي . فإن كان باقيا فلي رده وإلا قيمته " صح اصطلاحا . وقيل : يدعيه . فإن خفي : ادعى قيمته . وقال في الترغيب : لو أعطى دلالا ثوبا قيمته عشرة ليبيعه بعشرين . فجحده . فقال " أدعي ثوبا ، إن كان باعه فلي عشرون ، وإن كان باقيا فلي عينه ، وإن كان تالفا فلي عشرة " . قال في الفروع : فقد اصطلح القضاة على قبول هذه الدعوى المرددة للحاجة . قال في الرعاية : صح اصطلاحا . وقيل : بلى . انتهى . وإن ادعى " أن له الآن " لم تسمع بينة " أنه كان له أمس " أو " في يده " في الأصح من الوجهين ، حتى يبين سبب يد الثاني نحو غاصبه ، بخلاف ما لو شهدت أنه كان ملكه بالأمس ، اشتراه من رب اليد . فإنه يقبل . وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله إن قال " ولا أعلم له مزيلا " قبل كعلم الحاكم أنه يلبس عليه . [ ص: 273 ] وقال أيضا : لا يعتبر في أداء الشهادة قوله " وأن الدين باق في ذمة الغريم إلى الآن " بل يحكم الحاكم باستصحاب الحال إذا ثبت عنده سبق الحق إجماعا . وقال أيضا فيمن بيده عقار ، فادعى رجل بمثبوت عند الحاكم " أنه كان لجده إلى موته ، ثم لورثته " ولم يثبت أنه مخلف عن موروثه لا ينزع منه بذلك . لأن أصلين تعارضا . وأسباب انتقاله أكثر من الإرث ، ولم تجر العادة بسكوتهم المدة الطويلة . ولو فتح هذا لانتزع كثير من عقار الناس بهذه الطريق .

وقال فيمن بيده عقار ، فادعى آخر " أنه كان ملكا لأبيه " فهل يسمع من غير بينة ؟ قال : لا يسمع إلا بحجة شرعية ، أو إقرار من هو في يده ، أو تحت حكمه . وقال في بينة شهدت له بملكه إلى حين وقفه ، وأقام الوارث بينة " أن موروثه اشتراها من الواقف قبل وقفه " قدمت بينة وارث . لأن معها مزيد علم لتقديم من شهد بأنه ورثه من أبيه ، وآخر أنه باعه . انتهى . قوله ( إلا في الوصية والإقرار . فإنها تجوز بالمجهول ) . وكذلك في العبد المطلق في المهر ، إذا قلنا : يصح . وهذا المذهب . وعليه جماهير الأصحاب . وجزم به في المغني ، والمحرر ، والشرح ، والحاوي الصغير ، والوجيز ، وغيرهم . وقدمه في الفروع ، وغيره . وقال في الرعايتين كوصية ، وعبد مطلق في مهر ، أو نحوه . وقيل : أو إقرار . وقال في الهداية ، والمذهب ، والمستوعب : ولا تصح إلا محررة ، يعلم بها المدعي ، إلا في الوصية خاصة . فإنها تصح من المجهول . وقاله غيرهم . وقال في عيون المسائل : يصح الإقرار بالمجهول ، لئلا يسقط حق المقر له . ولا تصح الدعوى . لأنها حق له . فإذا ردت عليه عدل إلى معلوم . [ ص: 274 ] واختار في الترغيب : أن دعوى الإقرار بالمعلوم لا تصح . لأنه ليس بالحق ولا موجبه ، فكيف بالمجهول ؟ .

وقال في الترغيب أيضا : لو ادعى درهما ، وشهد الشهود على إقراره : قبل . ولا يدعي الإقرار ، لموافقته لفظ الشهود ، بل لو ادعى لم تسمع . وفي الترغيب في اللقطة : لا تسمع . وقال الآمدي : لو ادعت امرأة " أن زوجها : أقر أنها أخته من الرضاع ، أو ابنته " وأنكر الزوج . فأقامت بينة على إقراره بذلك : لم تقبل . لأنها شهادة على الإقرار على الرضاع . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى : لعل مأخذه : أنها ادعت بالإقرار لا بالمقر به . ولكن هذه الشهادة تسمع بغير دعوى . لما فيها من حق الله . على أن الدعوى بالإقرار فيها نظر . فإن الدعوى بها تصديق المقر . فوائد

الأولى : من شرط صحة الدعوى : أن تكون متعلقة بالحال . على الصحيح من المذهب . وعليه جماهير الأصحاب . وقدمه في الفروع . وقيل : تسمع بدين مؤجل لإثباته . قال في الترغيب : الصحيح أنها تسمع . فيثبت أصل الحق للزومه في المستقبل كدعوى تدبير ، وأنه يحتمل في قوله " قتل أبي أحد هؤلاء الخمسة " أنها تسمع للحاجة ، لوقوعه كثيرا . ويحلف كل منهم . وكذا دعوى غصب وإتلاف وسرقة ، لا إقرار وبيع . إذا قال : نسيت . لأنه مقصر . [ ص: 275 ] وقال في الرعاية الكبرى : تسمع الدعوى بدين مؤجل لإثباته ، إذا خاف سفر الشهود أو المديون مدة بغير أجل .

الثانية : يشترط في الدعوى انفكاكها عما يكذبها . فلو ادعى عليه " أنه قتل أباه منفردا " ثم ادعى على آخر المشاركة فيه : لم تسمع الثانية . ولو أقر الثاني ، إلا أن يقول " غلطت " أو " كذبت في الأولى " فالأظهر : تقبل . قاله في الترغيب . وقدمه في الفروع لإمكانه . والحق لا يعدوهما . وقال في الرعاية : من أقر لزيد بشيء . ثم ادعاه ، وذكر تلقيه منه : سمع ، وإلا فلا . وإن أخذ منه بينة ثم ادعاه ، فهل يلزم ذكر تلقيه ؟ يحتمل وجهين .

الثالثة : لو قال " كان بيدك " أو " لك أمس ، وهو ملكي الآن " لزمه سبب زوال يده . على أصح الوجهين .

والوجه الثالثة : لا يلزمه . وقيل : يلزمه في الثانية دون الأولى . قال في الفروع : فيتوجه على الوجهين . ولو أقام المقر بينة : أنه له ، ولم يبين سببا : هل تقبل ؟ . وتقدم الكفاية بشهرته عند الخصمين أو الحاكم قريبا .

الرابعة : لو أحضر ورقة فيها دعوى محررة ، وقال " أدعي بما فيها " مع حضور خصمه : لم تسمع . قاله في الرعاية . وقال في الفروع : لا يكفي قوله عن دعوى في ورقة " أدعي بما فيها " .

الخامسة : تسمع دعوى استيلاد وكتابة وتدبير . على الصحيح من المذهب . [ ص: 276 ] وقيل : تسمع في التدبير إن جعل عتقا بصفة . وقال في الفصول : دعواه سببا قد يوجب مالا كضرب عبده ظلما يحتمل أن لا تسمع حتى يجب المال . وقال في الترغيب : لا تسمع الدعوى مستلزمة ، لا كبيع خيار ونحوه ، وأنه لو ادعى بيعا أو هبة : لم تسمع إلا أن يقول " ويلزمه التسليم إلي " لاحتمال كونه قبل اللزوم . ولو قال " بيعا لازما " أو " هبة مقبوضة " فوجهان . لعدم تعرضه للتسليم .

التالي السابق


الخدمات العلمية