الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( وإذا مات رجل وخلف ولدين مسلما وكافرا فادعى كل واحد منهما : أنه مات على دينه . فإن عرف أصل دينه : فالقول قول من يدعيه . وإن لم يعرف : فالميراث للكافر . لأن المسلم لا يقر ولده على الكفر في دار الإسلام ) . وهو المذهب . بشرط أن يعترف المسلم : أن الكافر أخوه . وهو الذي قاله الخرقي وجزم به في الوجيز . وقدمه في المغني ، والشرح ، والمحرر ، والحاوي ، والرعايتين ، والفروع ، وغيرهم . [ ص: 414 ] وهو من مفردات المذهب وذكر ابن أبي موسى رواية عن الإمام أحمد رحمه الله أنهما في الدعوى سواء . فيكون الميراث بينهما نصفين . وهو ظاهر كلام القاضي في الجامع الصغير ، والشريف ، وأبي الخطاب في خلافيهما . قاله الزركشي . ونقلها ابن منصور . سواء اعترف بالأخوة أو لا . وهو من المفردات أيضا وقيل : بالقرعة . وقيل : المال للمسلم . وهو احتمال في المغني ، والشرح . وجزم به في العمدة . وقيل : بالوقف . وهو احتمال لأبي الخطاب . وقال القاضي : إن كانت التركة بأيديهما : تحالفا ، وقسمت بينهما . قال في الفروع : وهو سهو . لاعترافهما أنه إرث . قال المصنف : ومقتضى كلامه : أنها له مع يمينه . ولا يصح . لاعترافهما بأن التركة للميت ، وأن استحقاقها بالإرث . فلا حكم لليد . انتهى . قلت : قال ابن عبدوس في تذكرته : وإن كانت بيديهما : حلفا ، وتناصفاها اعترفا بالأخوة أولا . وفي مختصر ابن رزين : إن عرف ولا بينة ، فالقول قول المدعي . وقيل : يقرع ، أو يوقف . [ ص: 415 ]

قوله ( وإن لم يعترف المسلم : أنه أخوه ، ولم تقم بينة : فالميراث بينهما ) . وهو المذهب . جزم به في الوجيز وقدمه في المحرر ، والشرح ، والرعايتين ، والحاوي ، والفروع ، والزركشي وقال هذا المشهور وغيرهم . ويحتمل أن يكون للمسلم . لأن حكم الميت حكم المسلمين في غسله والصلاة عليه . وقال القاضي : القياس أن يقرع بينهما . قال في المغني هنا : ويحتمل أن يقف الأمر ، حتى يظهر أصل دينه .

فائدة :

هذه الأحكام إذا لم يعرف أصل دينه . فإن عرف أصل دينه ، فالمذهب : كما قال المصنف . وعليه الأصحاب . وجزم به القاضي ، والشريف ، وأبو الخطاب ، وصاحب الفروع ، والمجد . وقال : رواية واحدة أن القول قول من يدعيه . وأجرى ابن عقيل كلام الخرقي على إطلاقه . فحكى عنه : أن الميراث للكافر والحالة هذه . وقدمه كما يقوله الجماعة . قال الزركشي : وشذ الشيرازي . فحكى فيه الروايتين اللتين فيما إذا اعترف بالأخوة ، ولم يعرف أصل دينه .

قوله ( وإن أقام كل واحد منهما بينة : أنه مات على دينه : تعارضتا ) . إذا شهدت البينتان بذلك . فلا يخلو : إما أن يعرف أصل دينه أو لا . فإن لم يعرف أصل دينه : فجزم المصنف هنا بالتعارض . وهو المذهب . اختاره القاضي وجماعة . منهم الخرقي ، والمصنف في الكافي . [ ص: 416 ] وجزم به في الشرح ، والشيرازي . وقدمه في الفروع ، والرعايتين ، والحاوي . وعنه : تقدم بينة الإسلام . وجزم به في الوجيز ، والعمدة . وهو ظاهر كلام أبي الخطاب في الهداية . وأطلقهما في المحرر . وإن عرف أصل دينه : قدمت البينة الناقلة عنه . على الصحيح من المذهب . قدمه في الفروع . وقاله القاضي وجماعة . نقله الزركشي . واختاره المصنف ، وغيره . وظاهر كلام الخرقي : التعارض . لأنه لم يفرق بين من عرف أصل دينه وبين من لم يعرف أصل دينه . وقال الشارح : إن عرف أصل دينه : نظرنا في لفظ الشهادة . فإن شهدت كل واحدة منهما أنه كان آخر كلامه : التلفظ بما شهدت به . فهما متعارضتان . وإن شهدت إحداهما : أنه مات على دين الإسلام ، وشهدت الأخرى : أنه مات على دين الكفر : قدمت بينة من يدعي انتقاله عن دينه . انتهى . وقال في الرعاية . وإن قالت بينة المسلم : مات مسلما ، وبينة الكافر : مات كافرا : قدمت بينة الإسلام . وقيل : إن عرف أصل دينه : قدمت الناقلة عنه . وقيل : بالتعارض مطلقا كما لو جهل . وقيل : تقدم إحداهما بقرعة . وقيل : يرثانه نصفين . [ ص: 417 ] قوله ( وإن قال شاهدان " نعرفه مسلما " وقال شاهدان " نعرفه كافرا " فالميراث للمسلم إذا لم يؤرخ الشهود معرفتهم ) . إذا شهدت الشهود بهذه الصفة . فلا يخلو : إما أن يعرف أصل دينه أو لا . فإن لم يعرف ، بل جهل أصل دينه : فالميراث للمسلم ، إذا لم يؤرخ الشهود . كما هو ظاهر كلام المصنف . وهو المذهب . اختاره الخرقي ، والمصنف في الكافي ، والشيرازي . وجزم به في الوجيز ، والمنور . والعمدة ، ومنتخب الأدمي ، وتذكرة ابن عبدوس . وقدمه في الرعايتين . وعنه : يتعارضان . وهو المذهب . على ما اصطلحناه . اختاره جماعة ، منهم القاضي . وقدمه في الفروع . وأطلقهما في المحرر ، والنظم ، والحاوي الصغير . واختاره في المغني ، والشرح . ولو اتفق تاريخهما . وهو ظاهر كلامه في منتخب الشيرازي . وإن عرف أصل دينه : قدمت البينة الناقلة . وهو المذهب وعليه الأكثر . وقدم في الرعايتين : أن بينة الإسلام تقدم . وذكر قولا بالتعارض . وقولا : تقدم إحداهما بقرعة . وقولا : يرثانه نصفين . [ ص: 418 ] فائدة :

لو شهدت بينة : أنه مات ناطقا بكلمة الإسلام ، وبينة أنه مات ناطقا بكلمة الكفر : تعارضتا ، سواء عرف أصل دينه أو لا . وعليه أكثر الأصحاب . وقطع به كثير منهم . وقال في الرعاية الصغرى : وإن شهدت بينة : أنه مات لما نطق بالإسلام ، وبينة : أنه مات لما نطق بالكفر ، وعرف أصل دينه ، أو جهل : سقطتا . والحكم كما سبق . وعنه : لا سقوط . ويرثه من قرع . وعنه : بل هما . انتهى . وقال ابن عقيل في التذكرة : إن عرف أصل دينه : قبل قول من يدعي نفيه . وشذذه الزركشي .

التالي السابق


الخدمات العلمية